حوارات النفيس

حوار الدكتور أحمد راسم النفيس مع جريدة الجريدة الكويتية عام 2009

العدد 724 - 07/09/2009

 

المفكر الشيعي د. أحمد راسم النفيس:
السمعُ والطاعة للحاكم المسلم مهما فعل مبدأٌ دخيلٌ على الإسلام

القاهرة – أحمد فوزي

يرى أن سيطرة الفكر السلفي على الأمة الإسلامية «سبب تأخرنا وسبب عدم تطبيق الشورى الإسلامية أو الديمقراطية الغربية»، ويقول إن ولاية الفقيه في إيران ليست مطلقة بل مقيدة والديمقراطية لن تتحقق إلا بإرادتنا نحن لأن الغرب لن يساعدنا في إرساء مبادئها فهدفه، خصوصاً الولايات المتحدة هو الهيمنة على الدول العربية بغض النظر عمن يحكم شيعي أو سني أو غيرهما.

آراء كثيرة تثير الجدل طرحها في هذا الحوار المفكر الشيعي د. أحمد راسم النفيس.

كيف يمكن تعريف الديمقراطية من منظور إسلامي؟

عموماً، لا يتوافر تعريف للديمقراطية، فالبعض يتعامل معها كفلسفة حياة متكاملة والبعض الآخر يتعامل معها كمجرد آلية لتداول السلطة. في تقديري، الديمقراطية أكبر من أن تكون مجرد وسيلة لتداول السلطة وأقل من أن تكون فلسفة حياة، وليست أكثر من نظام وضعي، وليست نظاماً دينياً. إنها طريقة أو فلسفة إدارة الدولة أو المجتمع أو الحياة والأوضاع العامة عبر أساليب تطرح حرية الرأي والاختيار وغيرهما…

ما وجه اعتراضك عليها، أليست هذه الأفكار متطابقة مع الشريعة الإسلامية؟

نحن لا نرفض المبادئ الثابتة دينياً، بل تلك الدخيلة على الدين وأبرزها، السمع والطاعة للحاكم المسلم وإن سرق وقتل وزنا طالما أنه أقام الصلاة وأقام الشريعة الإسلامية وتسربل بالإسلام وتلفح بشعار الدين.

ذكر الشيخ القرضاوي في كتابه «الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد» هذا الكلام وحث على التأييد الكامل للحاكم والدفاع عنه بشتى الصور في وجه المعارضة، وهذا الكلام لا يمت إلى الديمقراطية بصلة، ويجيز ضرب كل من يعارض أو يطالب بانتخابات نزيهة بالسيف.

هل الديمقراطية الغربية قابلة للاستنساخ وتطبيقها في ومجتمعاتنا العربية؟

عندما تذكر كلمة ديمقراطية في أي دولة تتبادر إلى الذهن فوراً انتخابات تجرى كل أربع أو خمس أو ست سنوات، وبهذا المفهوم لسنا في حاجة إلى استيراد الديمقراطية، خصوصاً أن مصر مثلاً كان لديها دستور عام 1923 الذي لم تسبقها إليه حتى الدول الأوروبية، لكن بسبب التأثير السلفي بقيادة حسن البنا وحركته تم القضاء على هذا الدستور والحركات الإصلاحية الأخرى، وساعد في ذلك انشغال الولايات المتحدة الأميركية بمنع التمدد الشيوعي بالعمل على إحياء النزاعات الدينية الأكثر تطرفاً وإنشاء نظم عربية موالية للغرب بالكامل، بصرف النظر عمن يقودها شيعة أو سنة أو «إخوان مسلمين».

هل الشريعة الإسلامية أسست لمبادئ الديمقراطية؟

الشريعة الإسلامية أسست لكل شيء ينفع الإنسان، لا سيما مبادئ الديمقراطية فقد قال تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» (الشورى 38)، لكن النظم الحاكمة لم تلتزم بها، أما الديمقراطية كمصطلح فهي نظام وضعي يحاول الغرب فرضه على العالم العربي بما يخدم مصالح الطرف الأول وبما يدعم فرض إسرائيل على المنطقة بصورة نهائية.

لن يسمح الغرب بأي حركة للشعوب نحو الديمقراطية، لكن المعادلة بدأت تتحوّل لمصلحة الشعوب وربما يكون الغرب أسهم في ذلك بسبب أخطائه في العراق وأفغانستان التي تتنافى مع حقوق الإنسان والديمقراطية التي يدعي التزامه بها.

ما هي الأسس الإسلامية التي تنطلق منها الديمقراطية؟

نحن نتكلم عن فلسفة مجتمع وقضية قيم والدين الإسلامي حث عليها وطالب بها، إذ يقول سبحانه وتعالى: «الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ» (الحج 41)، هذه الأوامر الإلهية هي القيم الأساسية التي تحكم أي مجتمع، وتحكم مساره في التعامل مع الآخر غير المسلم والجار… والإسلام شرع لقيم فلسفية وأخلاقية كثيرة. نتساءل أين مجتمعنا المسلم أو العربي منها اليوم، لا ديمقراطية حتى الآن ولن تتوافر طالما بقيت الأمور كما هي.

تطبيق مبدأ الشورى الإسلامي، أليس كافياً لبناء دولة ديمقراطية؟

لدينا مجموعة من المبادئ التي أقرها الإسلام وأكد عليها، لكن لم يعمل أحد من المفكرين والأحزاب الإسلامية على تقديمها كمنتج فكري يمكن تطبيقه أو تصديره، ونحن في حاجة إلى منتج فكري قابل للتداول ويصل بنا إلى الحكم الرشيد مع التنبيه على أن لدينا مجموعة من الدساتير تحوي مجموعة من القيم الجيدة أو الإيجابية التي ينبغي الحفاظ عليها وتطبيقها.

أما الشورى والعودة إلى عصر الخلافة الراشدة أو طرح شعار الإسلام هو الحل، هذا الكلام كله لن يثمر عن شيء فنحن في النهاية نريد بناءً فكرياً وتنظيرياً متداولاً ومطروحاً، وحينها نستطيع أن نقرر هل الشورى الإسلامية تتفوق على الديمقراطية الغربية أم العكس.

لا تتوافر لدينا شورى إسلامية ولا نستطيع أن نقارن نظامنا بالديمقراطية الغربية ولا بالجمهورية الإسلامية في إيران.

ذكرت لفظ الحكم الرشيد، ماذا تقصد به؟

الحكم الرشيد هو الحكم المبني على مبادئ دستورية وسياسية وقانونية تضمن تداول السلطة في المجتمع والمساواة بين الجميع والعدالة في توزيع الثروات. وبدأ أخيراً بعض الدراسات الصادرة عن الأمم المتحدة استخدام لفظ الحكم الرشيد، ولن يصل المجتمع إليه إلا بتكليف أبنائه المفكرين والعلماء والصالحين.

قلت إننا لا نستطيع أن نقارن أنفسنا بالجمهورية الإسلامية في إيران… لماذا؟

ثمة من يشهر بإيران ويؤكد على عدم الديمقراطية فيها بسبب نظام ولاية الفقيه، علماً أن الأخيرة ليست مطلقة الحرية في فعل ما يحلو لها بل تخضع للرقابة.

تدعو حركات إسلامية كثيرة إلى الاحتكام إلى التشريع وحده، ما رأيك في ذلك؟

هذا المفهوم الذي طرحه الخوارج بسبب الاعتراض على قبول الإمام علي مبدأ التحكيم خلال نزاعه مع معاوية بن أبي سفيان، وقالوا للإمام علي: «حكمت الرجال ولم تحكم بالقرآن» فأجابهم: «إن هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان»، فالبرلمان من حقه تشريع القوانين التي من شأنها تنظيم حياة الناس بشكل أفضل ولا يحق للبرلمان تشريع ما يعارض الدين بأي صورة كانت.

اعتماد التعليم الديني في العالم الإسلامي على قراءة الفقه وعدم الاطلاع على العلوم والفلسفات والنظريات العلمية الحديثة، هل يتنافى مع مبدأ حرية التعليم في الإسلام؟

طبعاً، ثمة اتجاهان في العالم الإسلامي بالنسية إلى هذه المسألة: الأول هو مدرسة آل البيت أو مدرسة الشيعة التي تقوم على مبدأ الحرية العلمية وحرية الرأي فالمؤسسات الدينية العلمية في إيران مثلاً لا تخضع لأي ضغوطات سياسية، ومن بينها من لا يتماشى تماماً مع التيار السياسي السائد في البلاد.

أما المدرسة الثانية فيمثلها السلفيون الوهابيون الذين يناصرون تبعية المؤسسة الدينية للسلطة السياسية لضمان بقائهم في السلطة.

ينظر بعض المفكرين الغربيين إلى الديمقراطية على أنها فلسفة أو دين قائم بذاته، هل هذا أحد أسباب رفض البعض فكرة تطبيق الديمقراطية في العالم الإسلامي من منطلق ربطه بينها والعلمانية؟

أقول لمن يتكلم عن الديمقراطية كما لو كانت الجسر الفاصل بين حالة الفوضى والدمار التي نعيشها والمدينة الفاضلة: أنتم واهمون فعملية البناء الحضاري المجتمعي تحتاج إلى جهد متواصل لأجل بناء مجتمع أفضل للجميع، أما عن السبب في رفض الديمقراطية فليس ربطها بالعلمانية أو غيرها، بل خوف من يرفضها على مصالحه الذاتية.

كيف ترد على المفكرين العلمانيين الذين يرون أن الإسلام والديمقراطية ضدان لا يلتقيان؟

هم لا يعرفون الإسلام ولا الديمقراطية، وربما أخذوا المفاهيم الإسلامية أو الانطباع عن الإسلام من تصرفات بن لادن أو الزرقاوي وغيرهما، على رغم أنها ليست ضد الديمقراطية فحسب، بل ضد الإنسانية كلها.

يرى البعض أن تطبيق الديمقراطية يعني إخضاع الإسلام إلى جراحات تذهب بأصله وجوهره، ما تعليقك؟

لم يبق من قيم الإسلام وجوهره الكثير، فقد دسنا على غالبيتها بالأقدام ولم نحافظ على الأمانة التي اختصنا بها الله بعد انتقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبح المسلمون يعانون الانتكاسات المتوالية، وكما يقول الإمام الحسين: «إن لم تكونوا أصحاب ديانة فكونوا أحراراً في دنياكم».

ما هي أبرز نقاط الائتلاف والاختلاف في قضية الإسلام والديمقراطية؟

لست معنياً بالاتفاق أو الاختلاف بينهما، لكن أقول إن الديمقراطية باعتبارها آلية لتداول السلطة ليست الحل الأمثل لبناء المجتمعات الحرة فالأمر يحتاج إلى جهد مكثف على الأصعدة كافة وإلى مؤسسات ترعى الضمير المجتمعي وإقامة الحكم الرشيد.

لماذا فشل المسلمون في إرساء مبادئ الشورى والديمقراطية؟

الديمقراطية مفهوم جديد في العالم، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نجح المسلمون في تأسيس مجموعة قيم مضادة للديمقراطية ولم نصل إلى نقطة التعادل مع الغرب، ولماذا عندما نتحدث عن احترام حقوق الإنسان وعن الحرية لا نتحدث إلا في ما يخدم قضايانا الذاتية أو الحزبية؟

هل المسلمون مؤهلون اليوم لتطبيق الديمقراطية والشورى؟

يتعين علينا أن نكون مؤهلين.

كيف يكون التأهيل؟

عبر تعديل البنود القانونية البسيطة والدساتير العربية بشكل يؤهلنا للدخول في الديمقراطية.

هل توافق على تدريس مواد حقوق الإنسان والديمقراطية في المدارس؟

بالتأكيد، لكن الأهم تدريس التاريخ الإسلامي الصحيح الذي يكشف أخطاء النظم السياسية التي عملت على تأخر الأمة.

من يحق له إصدار هذه المناهج، هل الأزهر الذي يراه البعض عقبة أمام الديمقراطية وحرية الإبداع؟

الأزهر يريد فرض هيمنته ولا أعرف إن كان مؤسسة معصومة أم أنه مؤسسة علمية تقوم على البحث والاجتهاد، فالمناهج التي يضعها الأزهر تشيد بمعاوية بن أبي سفيان ولا تذكر الإمام علي بن أبي طالب.

حقوق الإنسان إحدى أدوات الديمقراطية في الإسلام، فكيف جسدها الإسلام؟

تدّل أمثلة كثيرة على حفظ حقوق الإنسان في الإسلام. مثلاً، عندما قتل عبد الله بن ملجم الإمام علي قال الأخير قبل وفاته: «احبسوه في بيته واطعموه مما تطهون واشربوه مما تشربون فإن أنا مت من ضربته هذه فاضربوه بالسيف ضربة ولا تمثلوا به فإن الله حرم المثلة». كذلك نادى القرآن الكريم بحقوق الإنسان وحث عليها.

ماذا عن حقوق المرأة ومشاركتها السياسية وتفاعلها في مراكز صنع القرار؟

ليس في الدين الإسلامي ما يحرّم على المرأة قيامها بدور سياسي أو اجتماعي، لكن الناس لم تعتد أن تحكمهم امرأة فالمسألة اجتماعية وليست دينية. عموماً، من حق المرأة أن تتولى المناصب في الدولة، وأم المؤمنين عائشة خرجت على رأس جيش في واقعة الجمل والأمثلة كثيرة.

هل يعيش العالم العربي والإسلامي مرحلة «ديمقراطية الصفوة»؟

لا ديمقراطية في العالم العربي أصلاً سواء للصفوة أو العامة.

الإصلاح أحد روافد الديمقراطية المطلوبة، لماذا غاب عن الوعي العربي والإسلامي؟

د. النفيس في سطور:

– وُلد في أغسطس (آب) 1952 مدينة المنصورة – مصر.

– نال الدكتوراه في الباطنة العامة سكري وغدد عام 1992.

– أستاذ الباطنة العامة (سكري وغدد) في كلية الطب – جامعة المنصورة.

– منذ التحاقه بالدراسة الجامعية وهو معروف بآرائه الجريئة وكانت له مواقف تسببت في اعتقاله أكثر من مرة، وهو ناشط في الحركة الطلابية المصرية الإسلامية منذ السبعينات.

– تمذهب بالمذهب الشيعي منذ أوائل الثمانينيات متأثراً بالثورة الإسلامية في إيران.

– مؤلفاته تزيد على الثلاثين كتاباً أغلبها عن الشيعة، أبرزها: «الطريق إلى مذهب أهل البيت، رحلتي مع الشيعة والتشيع في مصر، المهدي المنتظر ومعركة تحرير القدس، الجماعات الإسلامية، القرضاوي وكيل الله أم وكيل بني أمية رداً على كتابه تاريخنا المفترى عليه، نقض الوهابية، فقه التغيير، هل حقاً أن ابن خلدون هو أول من أسس علم الاجتماع والقرآن».

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق