كتب سياسية

عـرض كتـاب هـام حول مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية – الحـــرب التــــاليـة تأليف Laurent Murawiec

إعداد عادل جندي

عـرض كتـاب هـام حول مستقبل

العلاقات الأمريكية السعودية – الحـــرب التــــاليـة

 

عادل جندي

3 فبراير 2006

 

Laurent Murawiec
304 p, Albin Michel

 

 

)جزء 1 من 3(

في ١٠ يوليو ٢٠٠٢ وقف لوران ميورافيك، الفرنسي الأصل المهاجر حديثا إلي الولايات المتحدة، والمحلل السياسي في مؤسسة راند، ليتحدث أمام مجلس سياسات الدفاع التابع للبنتاجون، وهو مجلس مكون من حوالي ثلاثين شخصا منهم وزراء دفاع ورؤساء هيئة أركان حرب سابقون وأعضاء كونجرس، مهمته الأساسية هي تشجيع وفحص الأفكار الاستراتيجية الجديدة وغير المطروقة. وترفع توصياته إلى وزير الدفاع لأخذها في الاعتبار.

كان عنوان الحديث استفزازيا، وهو “لا-سعودة العربية” (de-Saudize Arabia) وأهمية الموضوع تنبع أساسا من أن الكلام عن السعودية كان حتي ذلك الوقت “تابو” بالنسبة للإدارة. وبعد انتهائه استمرت المناقشة لساعة ونصف..

بعد أيام نشرت الواشنطون بوست محتوى المحاضرة تحت عنوان لافت للنظر وخبر يقول يقول أن التحليل يشير للسعوديين كأعداء ويدعو لتقديم إنذار لهم: إما التوقف عن مساندة الإرهاب إما تحمل كافة النتائج.

وبهذا التحقيق الصحفي أصبح الموضوع، الذي هو في الأصل مخصص لنقاش المختصين وراء الجدران، محور اهتمام وسائل الإعلام لأسابيع وانتهى الأمر بأن ترك ميورافيك موقعه في مؤسسة راند تحت ضغط ، والتحق بمعهد هدسون للدراسات الاستراتيجية.
وفي نوفمبر 2003 خرج بهذا الكتاب الذي نشر في فرنسا، على أن تعقبه قريبا طبعة في الولايات المتحدة .

وفي عرضنا لهذا الكتاب الهام نؤكد على أمرين. أولا أن أهميته تنبع من كشفه لاتجاهات فكرية تتردد في دوائر الإدارة الأمريكية بتزايد يدل عليه تواتر المقالات من عينة “السعودية عدو أم صديق”. وثانيا، أننا لن نحاول هنا تأييد أو تفنيد ما يقوله المؤلف، تاركين للقاريء مهمة الحكم عليه، مع الأخذ في الاعتبار أننا قد استبعدنا في هذا العرض الكثير من الأسماء والمعلومات حتى يصبح صالحا للنشر..

****
السعودية هي إمبراطورية بنيت بالدماء وتسعى لتوسيع نفوذها. المال ليس له رائحة كما يقول الرومان ولكنه يتكلم وشديد الإقناع. منذ بدء تضاعف اسعار البترول في ١٩٧٣ وصل التراكم المالي الذي حصلت عليه السعودية إلى اثنين تريليون دولار. استخدمت تلك الثروة الهائلة لشراء الدول والضمائر والأحزاب السياسية والمشهورين والمرتزقة.

في ٢٠ نوفمبر ١٩٧٩، يوم رأس السنة الهجرية وبدء القرن الخامس عشر، وبعد شهور من قيام ثورة الخوميني، قام ١٥٠٠ من المهاجمين السعوديين الوهابيين (ومعهم مصريون وسودانيون وموريتانيون وعراقيون ويمنيون)، باحتلال المسجد الحرام في مكة. دام الحصار أسبوعين حتي نجحت القوات الخاصة الفرنسية في إنهائه (بعد أن اضطروا إلى النطق بالشهادتين..). وبعد ثلاثة أسابيع بالضبط، بدأ الغزو السوفييتي لأفغانستان.

أمام ضغوط الثورة الخومينية من الخارج وضغوط المتطرفين الوهابيين من الداخل ومطالبهم المتزايدة (من عينة إغلاق صالونات الحلاقة النسائية وطرد المذيعات الخ) قادت غريزة البقاء، وهي الموهبة الأكثرُ بروزاً عند آل سعود، إلي ضرورة البحث عن مخرج. وتفتق ذهن “مجلس الأدارة” المكون من الخمس أمراء الأقوي من أبناء سعود (فهد وعبد الله وسلطان وسلمان ونايف) عن حل: تصدير التطرف.

توافق هذا مع خوف سيطر على السعوديين من تقدم المادية الشيوعية الملحدة عبر أفغانستان للوصول إلى منابع البترول، وهو خوف تشاطره أمريكا. وكما تحالف روزفلت مع ستالين ضد هتلر (وإن لم يمنع هذا ستالين من ابتلاع نصف أوروبا..)، قرر البراجماتيون الأمريكيون التعاون لتحقيق أهدافهم.

 

جذور الوهابية
اشتهر محمد بن عبد الوهاب قاضي الرياض، الذي ولد في 1702، كصاحب فكر أصولي يرتكز على أن كل شيء ممنوعٌ ما لم يكن بالتحديد مصرحا به. كل ما كان سائدا في منتصف القرن السابع لا يزال ساريا. لا بد من استبعاد الآخر ومنع كل تغيير. المؤمن لا بد أن يخضع لطقوس لا تتوقف ليتخلص من كل ميكروب فكري مما يلوث العالم. اخترع ماضيا أسطوريا، يستمد جذوره من أضيق المذاهب (الحنبلي) وأفكار تابعه السوري ابن تيمية (ق 13). فكرٌ جافٌ بجفاف الصحراء الخالية، يدور حول نفسه في دائرة مغلقة مثل جدي مربوط بشجرة لا يقدر إلا استمرار الدوران حولها. لو كانت مثل هذه الطائفة محدودة بالواحة الصحراوية التي تعيش فيها لهان الأمر إلا على ضحاياها المحليين؛ ولكن المشكلة في توسُعيتها: دار السلم هو الوهابية، والباقي هو دار حرب.

لابد من الإشارة هنا إلى الحركة الديوباندية، التي كانت قد نشأت في الهند، بسبب التكامل المذهل بينها وبين الوهابية في كراهية الثقافات غير الإسلامية. وقد غذى خريجوها آلاف المدارس في آسيا. ألف نجمُها أبو الأعلى المودودي ( 1903-79) كتاب “الجهاد في الإسلام” في 1927 الذي يقول فيه أن الإسلام هو تعليمٌ ثوري يقلب الحكومات والنظم الاجتماعية لإقامة نظامه، وهو لا يرتضي بجزء من الساحة، بل يطلب الكون بأكمله. الجهاد هجومي ودفاعي في نفس الوقت. الحزب الإسلامي لا يتردد في استعمال الوسائل الحربية لتحقيق أهدافه. الشريعة جُعلت لهؤلاء الشجعان كالأسود، المصممين على مجابهة أى معارضة وعلى قلب الأمور لصالحهم، وهم يجاهدون لكى يخضع العالم لإرادة الله. على المسلم ألا يتبع أساليب العالم المتغيره، بل عليه أن يغير العالم طبقا لأرادة الله. فالقوة لا تخضع للآخرين بل تُخضعهم. وقد أسس المودودي “الجماعة الإسلامية” في 1941.

احتفت السعودية بهذا الفكر القريب من الوهابية بأن جعلت المودودي أحد الوجوه البارزة في رابطة العالم الإسلامي التي أسستها. وكان هو أول من حصل على جائزة الملك فيصل.
من ناحية أخرى أنشأ حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في 1928 بمصر. وقد كان الإخوان من الموردين الأساسيين للأيديولوجيات والشعارات الجاهزة للاستعمال، إذ لديهم الكثير من الأجوبة بغض النظر عن الأسئلة. سيد قطب، الأكثرُ تطرفا بين المتطرفين، يؤكد في “معالم على الطريق” أن الجهاد لا يمكن إلا أن يكون هجوميا. فللإسلام عنده رسالةٌ واحدةٌ فقط: أن يغزو العالم.

وجاء لجوؤهم أثناء الخمسينيات للسعودية في وقته، حيث وُضعت جامعة المدينة تحت أُمرتهم، مما ساعد على التهاجن والتقارب بين فكري الإخوان والوهابية. وكان سعيد رمضان، ابن البنا، من المؤسسين الأساسيين لرابطة العالم الإسلامي.

 

نشأة الدولة السعودية
التقى بن سعود، أحد رؤساء قبائل نجد، مع بن عبد الوهاب وبدأ معه تحالفا، حوّل قيادةً قبلية يوجد مثلها العشرات إلى منظومة تحالفٍ ديني-سياسي يُقنن النهب والعنف. في 1800 بدأت حملات النهب شمالا ضد أقاليم العراق وسوريا، وجنوبا ضد عُمَان ومسقط وغربا ضد الحجاز. في 1802 استولى على كربلاء الشيعية، وقام 12 ألف وهابي بمهاجمة مسجد الإمام الحسين. وبعد نهب وسلب النذور وغيرها، اشعلوا النيران وأعملوا سيوفهم في الجميع فقتلوا 4 آلاف من الشيوخ والنساء والأطفال. ثم رحلوا بأسلابهم فوق ظهور آلاف الجمال.

مصير مكة لم يكن أفضل، فقد ذُبح سكان الطائف عن آخرهم قبل أن يدخلها بن سعود في 1803 وتم تحطيم مقابر آل الرسول (لأنها حرام)، ثم سُلبت ذخائر مسجد الرسول.

حملة نابليون على مصر وما تبعها شلت يد الدولة العثمانية عنه؛ وأخيرا طلب السلطان العثماني معونة محمد علي لاستعادة الحرمين. نجح ابنُه ابراهيم باشا في المهمة، وفي 1812 أرسل 4000 أذن مقطوعة من الوهابيين إلى السلطان. تقلصت المملكة تماما مع موت بن سعود، كما قُبض على الإمام الوهابي عبد الله وأُرسل للآستانه حيث أُعدم وأُلقيت جثته للكلاب، بينما قام ابراهيم باشا بتعذيب سليمان، حفيد مؤسس الوهابية. وقبل إعدامه أجبره على الاستماع إلى موسيقى (الحرام عنده) على الربابة، في نوع من الفكاهة السوداء. بقيت القوات المصرية في المنطقة حتى انهيار حكم محمد علي في 1840.

 

بعد ثلاث سنوات عاد فيصل التركي بن سعود، إلى الرياض من منفاه بمصر وأسس دولة سعودية ثانية، عاصمتها الرياض، ولكنها انهارت في 1887 وطوردت العائلة بواسطة قبيلة الراشد المنافسة فرحلت للكويت لتعيش في حماية الشيخ محمد الصباح.

في 1903 قام عبد العزيز بن فيصل آل سعود، المولود في المنفى، بإعادة تكوين إمارة سعودية في نجد. ولجأ مرة أخرى إلى الوهابية لتحريك طاقات التطرف الكامن في عقول البدو، حيث قاد الجهودَ حليفًُه عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف، قاضي الرياض، وحفيد بن عبد الوهاب. وفي 1910 أسس فرق مطوعين من بدو الصحراء. ثم أنشأ في 1912 مستعمرات في واحة نجد، سميت “هجرات”، وصل عددها لمائتين في بحر سنوات. وكان سكانُها يُسمون “إخوانا” (لم يلاحظ المؤلف “توارد الخواطر” الذي حدث في مصر بعد ذلك بسنوات في 1928). كانت أفكارهم تتركز حول الملابس واللحى والتصرفات مثل الضحك والالتزام بمواعيد الصلاة. وكانت لهم شراسة غير عادية تجاه أعدائهم، فالسيف هو مصير أسراهم. وشكلوا قوة ضاربة تبلغ عدة عشرات الآلاف.

خدمت الظروف بن سعود؛ فبعد أن كانت بريطانيا حتى ذلك الوقت تساند الإمبراطورية العثمانية كمُعادل للأطماع الروسية، غيرت موقفها. وأصبحت ولاءاتُ دويلات الأقاليم العثمانية السابقة محلَ منافسة بين قوى دولية جديدة، بالشراء أو التأجير. كان بن سعود يتمتع بمهارات سياسية وقدرات على المناورة تجعله يلعب مع، وعلى، كل الأطراف في وقت واحد وينتهز الفرص.

اعتنى به الانجليز كقوة مناوئة للعثمانيين وساعدوه على الإستيلاء على إقليم الحسا. قَبِل حمايتَهم، ثم أصبح “السير عبد العزيز بن سعود” في 1916 وبعدها نال وسام “فارس الإمبراطورية”. بعد انهيار الدولة العثمانية في 1918، أكمل سيطرته على مناطق عديدة وحاصر في 1921الكويت (التي عاش بها لاجئا) قبل أن تنقذها البحريةُ الإنجليزية. اعترف الانجليز به في مؤتمر القاهرة كسلطان نجد وتوابعها، وطلبوا منه احترام حدود العراق والأردن؛ وفي نفس الوقت كانت حملات نهب “الإخوان” قد وصلت قرب عَمّان، قبل أن تصدهم الكتيبة العربية والطيران الانجليزي. ثم قام بغزو الحجاز ودخل مكة في 24 19 بعد هرب الهاشميين (الذين حكموها منذ 1073)، وهم يشعرون بمرارة شديدة لعدم مساندة الانجليز لهم. وأصبح بن سعود “ملك الحجاز”.

بعد توالي الانتصارات، بدأ الإخوان في تثبيت قواعدهم ونشر يوتوبيتهم، بما في ذلك القضاء على الشيعة ومنع الحجاج المصريين المكروهين، ومتابعة الجهاد للاستيلاء على باقي شبه الجزيرة.

في 1932 تم توقيع أول عقد، مع ستاندارد أويل الأمريكية، للبحث عن البترول. وفي 1944 تكونت أرامكو، وبدأ انفتاح طاقات السماء بالثروة المفاجئة.

 

في 1945 قابل فرانكلين روزفلت الملكَ عبد العزيز على ظهر المركب الحربي كوينسي في قناة السويس لبناء أسس تحالف، وحصل بن سعود على 57 مليون دولار معونة. ساعدت أرامكو على رسم صورة إيجابية للسعودية وللوهابيين على أنهم يشبهون البيوريتان، بما يوحي بتماثل في القيم مع أمريكا.

مات الملك عبد العزيز في 1953 تاركا 36 ابنا و21 بنت أنجبهم من 17 زوجة. تولي بعده سعود الذي تميز عهده بالبذخ الفاحش. ولكن الملك فيصل الذي حكم من 63-1975 كان هو الذي أعاد تأسيس العائلة-الدولة (الديناستي). كان عبد الناصر الذي سيطر على الشارع العربي يتكلم عن “بترولنا العربي”، وبدأ صراع مرير بين البلدين دام أكثر من عشر سنوات. لكن ساعة عبد الناصر انتهت عندما هُزم في 67. تميز مؤتمر الخرطوم (الثلاث لاءات) بسطوة سعودية واضحة، انحنى أمامها عبد الناصر عندما قبل “شيكا” بالدعم. بعدها بدأ مركز الثقل في العالم العربي الإسلامي بالتحول نحو الرياض.

أسس فيصل “الحرس الوطني” قوامُه الإخوان من البدو، وهدفُه حماية العائلة والنظام ضد أي قلاقل أو محاولات انقلاب (مثل تلك التي شجعها ناصر في وقت ما).
ثم بدأت السعودية في الخروج من وضع الدفاع الاستراتيجي السلبي في العالم العربي إلى وضع توسعي هجومي هدفه “وهبنة” العالم العربي والإسلامي.
**************************************************

 

(جزء 2 من 3)

عولمة الوهابية والاستيلاء علي الإسلام
الاتحاد السوفييتي كان يعمل علي ثلاثة مستويات متناغمة. الدولة برموزها هي المستوي الرسمي. “الكومينتيرن”، الذي حل محله فيما بعد القسم الدولي في اللجنة المركزية للحزب، يعمل بدون أي صلة بالدولة (ظاهريا) ليتحكم في الأحزاب الشيوعية العالمية. أخيرا الكي جي بي التي غطت عملياتِها عبر مؤسسات شعبية مثل حركة السلام وحركات للمرأة الخ.
السعودية تستخدم نفس الطريقة. فهي دولة عضو في الأمم المتحدة الخ. ثم تعمل خلال منظمات واجهة مثل “إسلامينتيرن” أو دولية إسلامية تحت أمر السعودية الوهابية. وهناك بالطبع العديد من أجهزة المخابرات…

في كلتا الحالتين، دولة تتحكم فيها طبقة أو جماعة مستبدة، تتبني سياسة توسعية، تستند إلى إيديولوجية ميسيانية، ذات طموحات عالمية. ولكن ما لم يستخدمه الاتحاد السوفييتي هو: الدين والتمويل والصلات القبلية.

في الداخل، تقيم الأسرة الحاكمة شبكة علاقات قبلية شخصية وتشتري، أو تؤجر، ولاء البدو بالمال والتزاوج والمقاولات من الباطن.. وأيضا إذا لزم بالمضايقة والسجن والقتل. علي المستوي الدولي طريقة العمل هي أيضا قبلية.

البترول مكّن السعودية من تنفيذ أحلامها. في 9-9-1960 اجتمعت السعودية والعراق وإيران والكويت وفينزويلا في بغداد لتأسيس منظمة الأوبك، التي كانت من بنات أفكار عبد الله بن حمود الطريقي، مهندس البترول السعودي الذي تعلم في جامعة تكساس، وأصبح مدير مدير دائرة البترول والمعادن بالسعودية. بدأت الضغوط على الشركات لتعديل شروط اقتسام عائد البترول. وفي 1972 بدأت السعودية في المشاركة في ملكية أرامكو. بعد حرب 1973 ضاعفت دول الخليج السعر وأمم العراق الشركات الأجنبية. ثم بدأت حرب أعصاب وتهديد سعودي بالمقاطعة وتهديد أمريكي مضاد باتخاذ “الإجراءات اللازمة”. بلغ دخل البترول بين 1973 حتى 2002 أكثر من 2 تريليون دولار. يوزع بين الأمراء 10% منه، أي حوالي 7 مليار سنويا.

قصة “عولمة الوهابية” تشبه الدولية الشيوعية بصورة مدهشة. فقد نجح لينين في كسب الجماعات والتيارات والأفراد غير المتجانسين، ليُشكل نجما صاعدا في سماء الفكر الاشتراكي جعل المثقفين الغربيين ينظرون إليه بإعجاب.

في حالة السعودية، كان المال هو العامل التجميعي الذي جعل من الوهابية قوة لا تقارن، في الوقت الذي كان فيه العالم العربي يمر بمحنة تاريخية جعلته يرتد إلى الإسلام كأيديولوجية بديلة جاهزة. وبفضل الثروة البترولية حدث “فدرلة” أو تلاحم تدريجي بين العديد من التيارات التي اختلفت في تعاليمها، ولكن جمعها الرغبة في الرجوع إلى الإسلام “الأصلي النقي”: قراءة حرفية للقرآن، مجتمع يوتوبي متجانس، كراهية للغرب والتغريب، رغبة جهادية عارمة.
كونت السعودية شبكة دولية هائلة أنفقت عبرها ما يقدر بسبعين مليار دولار:
– رابطة العالم الإسلامي تأسست في 1962 كمنظمة غير حكومية لعولمة الوهابية، لها مكاتب في 120 دولة، ووزعت ملايين النسخ من الكتب الوهابية.
– دار المال الإسلامي، قامت بإنشاء شبكة من مؤسسات مالية “إسلامية”، وتمول الدعوة (الوهابية).
– منظمة الغوث الإسلامي الدولية بنت أو أكملت بناء مئات المساجد، واستخدمت 6000 مدرس وداعية. وقد اتهمتها المباحث الفيدرالية بتمويل الإرهاب.
– منظمة المؤتمر الإسلامي تأسست في 1969 في الرباط بمبادرة الملك فيصل، بعد أن قام مخبول أسترالي بهجوم علي المسجد الأقصى؛ وأصبحت مثل الدولية الشيوعية هدفها تجميع الآراء حول وجهة النظر السعودية. وفي إمعان لفكرة “الضد” على المستوي العالمي، شكلت المنظمة الأيسسكو على وزن اليونسكو، وأكاديمية للقانون الإسلامي وغيرها.
– منظمة الشبيبة الإسلامية تأسست في 1972 وهي تقوم بإعداد الكوادر الشبابية الوهابية المتطرفة، ولها 450 منظمة وجمعية للشبان والطلبة في 34 دولة. نشرت في 1993 ، بعد الهجوم الأول على مركز التجارة الذي كان وراءه عمر عبد الرحمن، كتيبا عمليا لتصنيع القنابل، طُبع في السعودية.
– كل السفارات السعودية بها ملحق للشئون الإسلامية، بإجمالي 800 من “الدعاة” المتمتعين بالحصانة الدبلوماسية.
أنفقت السعودية منذ 1973، طبقا لوزارة الإعلام، 5،5 % من الدخل القومي على “المعونة الدولية” التي شرطها الأساسي هو مساندة السعودية وسياساتها في المحافل الدولية، وهدفها “نشر رسالة الإسلام (الوهابي) في العالم”.
مَوّلت جزئيا أو كليا مشروعات إنشاء 210 مركزا إسلاميا و 1500 مسجدا و 200 كلية إسلامية و 2000 مدرسة في العالم، طبقا لما نشرته جريدة “عين اليقين” في 31 يناير 2003. مولت السعودية بالكامل إنشاء مراكز ثقافية إسلامية، إثباتا لكرمها “الثقافي”، في روما (تكلف 50 مليون دولار دفعها الملك فهد شخصيا، وشُيد على بعد خطوات من الفاتيكان، بينما تحظر السعودية مجرد الصلوات لغير الإسلام على أراضيها) وبرازيليا وتورونتو ونيويورك وجبل طارق وجنيف ومدريد ولندن وضواحي باريس ولشبونة وفيينا ومدن استراليا الخ. المراكز الثقافية الإسلامية تديرها عناصر دعوة وهابيين.

لا ننسى “الأكاديميات” الإسلامو-وهابية في واشنطن وبها 1200 طالب، ولندن وبها 1000 طالب، وموسكو (افتتحت في 1995) وبها 500 طالب وفي البوسنة حيث تسعى الوهابية إلى السيطرة التامة على الإسلام.
قامت مؤسسة الحرمين في عام 2000 وحده، كما تقول جريدة عين اليقين، بافتتاح 1100 مسجد ومدرسة ومركز إسلامي، وطبعت 13 مليون كتاب إسلامي واستخدمت 3000 داعية.
هناك أيضا كراسي جامعية تمولها السعودية بسخاء في الغرب، حيث تبث الدعاية الخفية لصالح الإسلام والمسلمين والوهابية. مثل كرسي “الملك عبد العزيز” في جامعة كاليفورنيا وكرسى “الملك فهد” في كل من جامعة هارفارد وكلية الدراسات الشرقية بلندن. كما تأسست معاهد جامعية في اليابان وأندونيسيا، وتمول معهد العالم العربي في باريس والجامعة الأمريكية في كولورادو وجامعة هوارد للسود في واشنطن ومعهد دراسات التاريخ العربي والاسلامي في فرانكفورت ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن وجامعة سيراكيوز في ولاية نيويورك وجامعة شو في كالورينا الشمالية التي تحصل فيها جامعة ديوك الشهيرة منذ 1977 على منح سخية جعلتها تصبح ما يشبه الفرع الإعلامي للسفارة السعودية. جامعة جورج تاون في واشنطن تأسس فيها مركز للدراسات العربية المعاصرة … بشروط خاصة. جامعة أكسفورد حصلت علي 30 مليون دولار هدية لصالح مركز الدراسات الإسلامية، وبهذا أصبح من العسير انتقاد “بعض الدول وبعض الأفكار” فيما كان يطلق عليها “أعظم جامعة في العالم”. والأمر لا يختلف كثيرا في هارفارد وبيركلي، حيث أصبح الفكر النقدي عسير الوجود.

استقطاب المثقفين والتأثير على المؤسسات الجامعية، أو ببساطة خلق شبكات من مكسوري الأعين أو الأصدقاء، أخذ شكلا مؤسسيا مع تشكيل مؤسسة الملك فيصل، التي تعطي جوائز سنوية.

حتى منتصف السبعينيات كان هناك نوعان من الصحافة العربية: الداخلية (التي تخضع للحكومات)، والعربية الصادرة في بيروت التي تعكس كافة التوجهات. كل الصحف العربية العامة أصبحت مملوكة لسعوديين، وإن لم يحتكروا الإعلام إلا أنهم يسيطرون عليه بصورة رئيسية تضمن وصول الصوت السعودي بوضوح. “الحياة”، أول الصحف العربية العامة، التي كان يملكها شيعي غني مثقف وليبرالي، اختفت بعد اغتياله. ثم ظهرت من جديد في لندن على يد ابنه، مشاركة مع الأمير خالد بن سلطان كجريدة حديثة لها شبكة مراسلين كبيرة. بعد حين اشتراها الأمير بالكامل.
تأسست “الشرق الأوسط” منذ 25 سنة كصحيفة عربية عامة مملوكة للأمير سلمان بن عبد العزيز وهي بالطبع منحازة للسعودية، لكنها مكتوبة لتخاطب القاريء العربي الدولي، ولذا فهي تخضع للرقابة داخل السعودية كأي صحيفة أجنبية.

 

الإسلامينتيرن” السعودي
حيثما ننظر عبر العالم الإسلامي نجد الآثار المدمرة للمال السعودي والأيديولوجية الوهابية.
مصر: عبر العقود الأربع الأخيرة سعت السعودية بإصرار إلى التحكم في توجهات الأزهر، الذي كان ذات يوم الغريم التاريخي للفكر الوهابي، كرمز للتفكير المديني في مقابل عرب الصحراء. فهي تدعو شيوخه لزيارات “دراسية” حيث يُمنحون في 6 شهور مرتب 20 سنة. وبعد حين تحول هذا إلى مرتبات شهرية لمن لا يستطيعون السفر. وهناك تمويل لكراسي وأقسام بأكملها. الشيخ محمد جلال كشك الذي نال جائزة فيصل (200 ألف دولار) في 1981، ثم جائزة الملك فهد نشر كتابا ممالئا للوهابية بعنوان “السعوديون والحل الإسلامي”. الشيخ الشعراوي الذي كان تحت التـأثير الكامل للسعودية نجح في تحويل الرأي العالم المصري من اعتدال متحرر إلى قهر متعصب، ظلامي وقروسطوي. في 2000 منحت جامعة الأزهر جائزة الملك فيصل (في جهد متجدد لتجذير التأثير الوهابي على الجامعة العريقة؟).
هكذا حل الدمار بمصر بفعل العمل المزدوج لجماعة الإخوان والوهابية السعودية.

الجزائر: كادر التعريب والأسلمة كان غالبا من المشايخ المصريين الإخوانيين، بالمساندة المالية السعودية. عباس مدني رئيس جبهة الإنقاذ كان “رجل السعوديين” الذي يقال أنه كان يصله مليون دولار شهريا، بينما كان هؤلاء يساندون أيضا جبهة التحرير المناوئة. الأفغان الجزائريين من أتباع جماعة التبليغ السعودية كانوا نواة “الجماعة الإسلامية”. في 1994 تم اكتشاف عمليات تهريب أسلحة لها بتمويل بنك التقوى السعودي.

البوسنة: المساجد التي أعيد بناؤها خضعت للوهابيين. تم في 2002 العثور على وثائق في مكاتب البعثة السعودية للمساعدات بالبوسنة تُثبت انغماس المؤسسات الخيرية في مساندة الإرهاب، وهي نفس المؤسسات التي حصلت في 2001 على جائزة الملك فيصل لخدماتها من أجل الإسلام..

باكستان: تمت أسلمتها منذ السبعينيات بفضل المساندة والتمويل والفكر السعودي. في 1978 أعلن ضياء الحق، الديوبوندي المتشدد والشديد الإعجاب بالمودودي، أن الإسلام يأتي فوق الدستور والقانون، وبدأت المحاكم في تطبيق الشريعة. المدارس الإسلامية قفز عددها من حوالي 200 في الخمسينيات إلى 20 ألف تمولها السعودية الآن. النتيجة هي تزايد الأمية من 64% سنة 1981 إلى 75 % اليوم وتصل إلى 90 % في الأرياف و 98 % بين الفتيات.
المخابرات الباكستانية هي مركز القوة، وهي تحمي الطالبان لحساب السعودية.
طموح السعودية هو استخدام باكستان كدولة مرتزقة لتكوين جيوش الجهاد، وقد مولت القنبلة الإسلامية بالكامل.

أفغانستان: جندت السعودية كل مواردها لمساندة الجهاد الأفغاني، بتوجيهات من رئيس المخابرات الأمير (..)، ولجنة المساندة تحت رئاسة عمه (..)، وأجهزة رابطة العالم الإسلامي. وقام حزب الجماعة الإسلامية الذي أسسه المودودي بدور الموزع للمعونات المالية، التي كانت تحبذ في البداية الدموي حكمتيار.
لعب رئيسُ المخابرات دورا محوريا، هو وصنيعتُه بن لادن. في 1995 أثناء واحدة من رحلاته العديدة لكابول اتُخذ قرارٌ حاسمٌ بتأكيد “العلاقة الخاصة” بين إخوة الفكر: الوهابيين والديوباندي الباشتون الطالبان، وتم سحب كل تأييد للجماعات الأخرى. النظام الطالباني (الذي كانت السعودية آخر من قطع العلاقات معه قبل سقوطه) يؤكد الطبيعة التدميرية العدمية للوهابية السعودية. فالطالبان هم سعوديون بدون بترول.

 

مسلسل الرعب: “يا إسلاميي العالم اتحدوا”
منظمة الحرمين هي من أهم الواجهات للسعودية وتعمل في 90 دولة وكانت، طبقا لاعترافات عمر الفاروق منسق القاعدة في جنوب شرق آسيا، قناة تمويل القاعدة في اندونيسيا. وفي مكاتبها بالبوسنة عثر على صور مركز التجارة قبل وبعد عملية 1993 وكذلك صور السفارات الأمريكية في كينيا وتانزانيا بعد تدميرها والفرقاطة كول، وكذلك صور لعديد من المباني الحكومية الأمريكية في واشنطن.

يقول المحلل ألكسي ألكسيف أن الجمعيات الخيرية السعودية “الأهلية” ليست أكثر أهلية من حركات السلام السوفييتية، تعمل كأدوات لتنفيذ سياسة الدولة. وعلى أي حال فقد حظر قانون صادر في 1993 جمع الأموال لأغراض خيرية بدون موافقة وزارة الداخلية.

تقرير “تمويل الإرهاب” الذي أعدته للأمم المتحدة في ديسمبر 2002 لجنةٌ رأسها المحققُ الفرنسي جان شارل بريسان يؤكد أن السعودية قد حولت خلال عقد واحد نصف مليار دولار لتنظيم القاعدة.

غالبية الجمعيات الإسلامية الخمسين التي حُظرت أنشطتها منذ 11 سبتمبر كانت تدار أو تمول بالسعودية. مسئول مخابراتي أمريكي رفيع يقول أن كل الخيوط تتجمع مباشرة عند الرئيس السابق للإستخبارات ومجموعة أخرى من أقوى الأمراء.

عمر البيومي، عميل مخابرات سعودي يعيش في سان دييجو كاليفورنيا، استقبل اثنين من إرهابيي 11 سبتمبر وساعدهم على الاستقرار. وكان دائم الاتصال بموظف في مكتب الشئون الإسلامية بالسفارة.

رئيس المخابرات الباكستانية، الجنرال حميد غول، إسلامي شديد التطرف جعل منها نقابة للإرهاب. وهي التي اخترعت “الطالبان”. في أوائل 95 زار مديرُ المخابرات السعودية بنازير بوتو، واقترح عليها صفقة: في مقابل معونات سخية والضغط على أمريكا بشدة لرفع الحظر عن باكستان، تقوم المخابرات الباكستانية بتطعيم الأفغان بمجموعات من الشباب السعودي لتوجيه طاقاتهم الغاضبة بعيدا عن الرياض. وقد وفى الطرفان بالوعود، ورفعت واشنطن الحظر في أبريل 1995 .
عائلة بن لادن أخذت عقودا هائلة في أعمال توسيع مسجد الرسول بالمدينة واستمرت في تمويل ابنها حتى بعد تمثيلية نزع الجنسية عنه. بعد غزو الكويت سارع بن لادن لعرض خطط جهادية على الأمير سلطان لحماية السعودية. كوّن بن لادن في مايو 1998 “الجبهة العالمية للجهاد ضد الصليبيين واليهود”؛ فالسعودية بالنسبة له ليست إلا جزئية في الحرب الشاملة ضد الكفار.
في صيف 1998 زار رئيسُ المخابرات السعودي ووزير الحج قندهار ومعهم عرض جديد: معونات سعودية في مقابل عدم التعرض لها بالهجمات. تم الاتفاق في يوليو بعد زيارة أخرى من عدد من كبار الأمراء يحملون كميات من الأموال كعربون، مع التأكيد على أن جزءا منها أتى من العائلة المالكة مباشرة. أجهزة تنصت وكالة الدفاع القومي الأمريكي التقطت محادثات لأعضاء الأسرة المالكة (نشر عنها سيمون هيرش) تُثبت الرغبة في شراء السلامة عن طريق رشوة الجماعات الإرهابية.

 

 

 

 

(جزء 3 من 3)
فقه الكراهية
أسامة بن لادن يهاجم دائما السعودية وسياساتها، ولكن عملياته التخريبية في الداخل كانت دائما بعيدة عن العائلة المالكة. السبب (كما شرحه للمؤلف أحد وزراء الخارجية العرب) هو وجود صفقة بين بن لادن والعائلة: في مقابل الدعم المالي، لا يهاجم السعودية ولكن له مطلق الحرية في باقى العالم.

السعودية تحبذ الجهاد والإرهاب المنظم عبر الإسلامنتيرن، بينما بن لادن يريد الجهاد المنفلت. وقد رأى في احتلال الكويت فرصة ذهبية للجهاد والسيطرة على المنطقة بعد طرد صدام منها. ولذلك عارض، مع جماعة الإخوان وباقي الحركات الإسلامية، “عاصفة الصحراء” التي أيدتها الرياض.

قد تعاني السعودية من بن لادن، الوحش الذي خلقته، لكنها ترتبط معه بألف رابط يستحيل عليها قطعه. فالوعظ والخطاب والأفكار والأهداف متطابقة. وإذا تساءل أحد: هل السعودية مع أو ضد الأرهاب؟ كانت الإجابة: الإثنين في وقت واحد، فهي تساعد الجهاديين بشرط ألا تحترق أصابعها منهم.

فقه الكراهية والرعب الوهابي مبني على فكرة أساسية واحدة: “الآخر” لا وجود له إلا كعدو. لا يوجد هناك أبرياء؛ كل الكفار مذنبون سواء كانوا مدنيين، أطفالا، نساءً أم شيوخ، ولذلك يحق قتلهم. هذا هو الدرس الذي تعطيه السعودية الرسمية وشبه الرسمية. استفتاء في أكتوبر 2002 بيّن أن 95% من السعوديين بين 25 و 41 سنة يؤيدون بن لادن.

التعليم الخاضع للتوجهات الوهابية شَكّل العقول تماما، بهدف “إيقاظ روح الجهاد لمقاومة أعدائنا واستعادة حقوقنا وأمجادنا وتنفيذ واجبنا نحو الرسالة الإسلامية”. لا يختلف هذا عن نظم غسيل المخ التوتاليتارية البلشوفية والنازية والماوية إلا في طبيعة الفكر الذي يجري دقه في العقول، مع وعد قاطع (يستعين بالأحاديث المناسبة) بالنصر النهائي ضد الكفار اليهود والنصارى.

يقول الشيخ محسن العواجي إمام الجامع الكبير لجامعة الملك سعود بالرياض: “بن لادن يُنظر إليه كرجل شريف وشجاع يؤمن بمبادئه… إذا كان العالم كله يحبه، ألا يحق للأمة الإسلامية أن تحب ابنها؟ الحقيقية يجب أن تقال وهي أن الشعب السعودي يحب كل محارب وكل مجاهد.. في أفغانستان أو الشيشان أو كشمير أو جنوب السودان. إننا نفخر بأن يُنظر إلينا كمن يَضربون بالرعب قلوب أعداء الله وأعدائنا. السعودية ستبقى دائما عرين الأسود الذين يخرجون للجهاد في العالم.. مجاهدونا هم قنابلنا، ومن يُسمّونهم انتحاريين هم شهداؤنا”.

فتوى الشيخ حمود بن عقلة الشعيبي، من كبار الوهابيين، تلخص فقه الإرهاب: “من يساند الكفار ضد المسلمين هو من الكفار”. ويشرح أن “الولايات المتحدة هي ديموقراطية، انتخب الشعب حكومتها، إذن فمواطنوها مسئولون عن أفعالها… الشريعة تحرم على المسلمين أن يصادقوا الكفار، والولايات المتحدة هي دولة كفار… من الممكن طبقا للشريعة قتل النساء والأطفال إذا لم يمكن فصلهم عن الرجال…” ويقول : “إن دعوة البابا – لعنة الله عليه- للناس من مختلف الأديان (أثناء زيارته لسوريا) بالتعايش في سلام ليست إلا طريقة ملتوية لسرقة ديانتنا… لا يمكن أن يكون هناك لقاء أو اتفاق بين الإسلام وبين النصارى واليهود”. ويضيف الشيخ محمد بن عبد الرحمن إمام جامع أكاديمية الملك فهد للدفاع “سوف نستولي على الفاتيكان وسنحتل روما وسنفرض حكم الإسلام… سوف يدفع النصارى الجزية كما يدفعها أولئك الساكنين في أرض الإسلام بمذلة، أو يدخلوا الإسلام”.

يقول الشيخ وجدي حمزه الغزاوي في عظة بجامع المنشاوي بمكة: “الإرهاب.. هو ضد المتخاذلين والمنافقين والعلمانيين، عقابا لهم كما تأمر شريعة الله… الجهاد هو قمة الإسلام… الجهاد الذي يدافع عن المسلمين وأرض الإسلام أو الجهاد الذي يوسع رقعة الدين هو إرهاب في نظر أعداء الله، لكنه جزء أساسي من عقيدتنا”.
كل هذا يبين الطبيعة القبلية البدائية لنظرة هذه العقيدة للعالم. فالفرد لا يوجد إلا كجزء من القبيلة، ومن حقه إذن أن يقتل أطفال أعداء القبيلة لأنه ليس هناك أبرياء فكل فرد يمكن أن يكون مُلوَّثا من مشاركيه في العقيدة ولو بمجرد القرب منهم.
لكن يبدو أحيانا أن الحرج ليس في بث مثل هذه السموم إنما في وصولها من آن لآخر إلى أسماع العالم الخارجي… ما العمل عندئذ؟ تأكيد أن السعودية دولة مسالمة (…). ومع تناقص مصداقية مثل هذه الأقوال قام الأمير (..) بعقد مؤتمر لعلماء الدين ليحذرهم من “أن آذان الأعداء تنصت إلينا”.

 

التأثير على أمريكا
قام السعوديون بقيادة سفيرهم بواشنطن بالتأثير على الأمريكان عن طريق شراء السياسيين وكبار الموظفين بالحكومة والصحفيين والجامعيين والديبلوماسيين والعسكريين ورجال المخابرات. وهو يستخدم العشرات من الدعائيين واللوبيين بميزانية هائلة بلا حدود.

منذ 1973 اشترت السعودية بمائة مليار دولار أسلحة لا تستطيع استخدامها، وذلك بثلاثة أهداف: إعطاء الوهم بالقدرة على الدفاع عن النفس؛ تدوير البترودولار؛ وخلق علاقة اعتماد تساعد على استخدام شركات الأسلحة في التأثير على سياسات الإدارة الأمريكية.

العديد من المسئولين السابقين يعملون لحساب السعودية. أمثلة: كولونيل روبرت ليلاك انتقل من مجلس الأمن القومي للعمل في خدمة الأمير بندر. الجنرال أنتوني زيني القائد السابق للقوات الأمريكية بالشرق الأوسط له علاقات شخصية قوية بالعائلة المالكة. الجنرال السابق ومستشار الأمن لبوش الأب برنت سكوكروفت أسس شركة استشارات ومؤسسة “منبر السياسات الدولية” ويدافع بشدة عن السعودية وسياساتها، مؤكدا أنه لا مشكلة لنا مع الوهابية، وهو الرئيس الشرفي للوبي السعودي في واشنطن.

معهد الشرق الأوسط بواشنطن يرأسه نيد ووكر مساعد سفير سابق، وتأتى سُبع ميزانيته من هبات سعودية. مركز كارتر لأبحاث السلام بجامعة إموري بأتلانتا حصل على 20 مليون دولار من الملك فهد. معهد دراسات الشرق الأدنى بجامعة ولاية أركانساس حصل على مبلغ مماثل في 92 بناء على طلب حاكم الولاية التي ينتمي إليها كلينتون.

مجموعة كارلايل للاستثمار، وهي شركة خاصة يملكها 49 شخصا من الأسماء الكبيرة يرأسها فرانك كارلوتشي وزير الدفاع السابق، ويعمل جيمس بيكر، وزير الخارجية السابق، كمستشار لها، بالإضافة للعديد من المسئولين السابقين وحجم عملها 16 مليار، تقدم العديد من الاستشارات للسعوديين من بينهم السفير الأمير بندر وعائلة بن لادن. (ملحوظة: كارلوتشي هو رئيس مشارك لمجلس سياسات الشرق الأوسط لمؤسسة راند، وغضب جدا من محاضرة المؤلف في أغسطس 2002 وضغط حتى تركها..)

بوش الأب أوقف تقدم الهجوم إلى بغداد في 92 بناء على طلب فهد، الذي خشي قيام الشيعة مما يؤثر على المناطق الشرقية.
فشلت السي آي إيه في الحصول على معلومات مسبقة حول أي عمليات إرهابية لأن مكتبها في السعودية في حالة تنويم بشأن الصديق السعودي. ديبلوماسيو أمريكا يجاملون السعودية.

 

 

استنتاج: “لا-سعودة” العربية
السعودية هي إمبراطورية إمبريالية. البدو الذين يحكمونها اليوم هم ورثة قرون من اقتصاد النهب. يقول ابن خلدون أنه من الطبيعي جدا للبدوي أن ينهب ما للغير. العالم هو لعبة صفرية الناتج، لا يغتني الواحد إلا علي حساب إفقار الآخر. لا تعاون منتج ولا تبادل. العالم عقيم مثل الصحراء. العائق الوحيد للنهب هو حدود استخدام القوة. البدوي لا يحترم إلا القوة التي لا يستطيع أن يغلبها.
مؤسس المملكة اشترى القبائل، أبناؤه يشترون الدول المحيطة. مصر افتتحت السوق بقبول عبد الناصر المهين للمعونة مضطرا. واعتمدت مصر السادات علي المعونات السعودية ولذا لم يفعل أي شيء يخالف السياسةالسعودية، التي تبقى دائما حذرة إزاء صعود القوة المصرية لأن ذكرى قوات ابراهيم باشا مازالت حية.
اشترت أيضا باكستان. وقد صرخ بوتو في 1974، تحت تأثير الوعود المالية، بأن جيش الباكستان هو جيش الإسلام.

في الداخل، الأمراء فوق القانون ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منهم. حتى في الخارج يفرضون رغباتهم (كمثال طريف: قائدوا الطائرات الخاصة بالسفير أو بكبار الزوار السعوديين يرفضون التخاطب مع المراقب الجوي في الفضاء الأمريكي إذا كان امرأة !)

الانفجارات الدورية لموجات التطرف الديني هي أمور طبيعية في العربية، والوهابية نفسها هي نتاج أحد هذه الفورات التي تنشيء صناعة الموت. يحيا الموت! هذا هو شعار الوعاظ السعوديون والعديد من الجماعات الأصولية من القاعدة لحماس والجهاد الإسلامي وطالبان وحزب إسلامي في أفغانستان وحركة إسلامي والجماعة الإسلامية في باكستان وأبو سياف في الفلبين والجماعة الإسلامية الأندونيسية الخ الخ التي تعيش كلها على المن السعودي.

القوة السعودية نشأت عن صدفة مزدوجة: جيولوجية (اكتشاف البترول)، وتاريخية (سمحت لها باستغلال تزايد الاستهلاك البترولي الناشيء عن تمدد ونمو الرأسمالية الغربية). هناك صدفة ثالثة تزيد من خطورة الأمر: غياب قوة معادلة في المنطقة. فقد فشلت النخب في البلاد المحيطة، وعلى رأسها مصر، بصورة مزرية؛ بينما الغرب ليس لديه رغبة في عمل شيء، بخلاف احتواء الموقف.

النتيجة هي ظهور وتمدد جسم متوحش ومرضي ينشر تأثيره في العالم كله. بالطبع السعودية ليست هي الدولة الإرهابية الوحيدة، ولكنها فورت نوكس الإرهاب.
ما خلقته بضع صُدف، بالإضافة إلى ضعف الغرب وقابليته للإفساد، ينبغي هزيمته بالأفعال وليس بعدم الفعل أو بانتظار صدف أخرى.

يجب أن التوجه بصفة جماعية ناحية العائلة السعودية والتكلم بهدوء، مع التلويح بعصي، مُقدمين إنذارا بتنفيذ عدد من النقاط غير القابلة للتفاوض:
– وضع حد فوري ونهائي وبدون شروط لما يبثه الوعاظ ورجال الدين والمؤلفون والدعائيون والمعلمون الوهابيون المسئولون عن إثارة الأحقاد. وسحب كافة الكتب التعليمية المليئة بنفس نوعية المحتوى من التداول. منع ظهور المواد الداعية للكراهية في كافة وسائل الإعلام. معاقبة بالسجن من يقترفون الأفعال المذكورة.
– إغلاق الجمعيات “الخيرية” التي تمول في الداخل والخارج الدعايات الأصولية. ومصادرة أموالها ومن يمولونها.
– كشف حسابات البنوك الرئيسية في المملكة لهيئات دولية، ومصادرة المنغمسين في مساندة الإرهاب لصالح ضحاياه.
– كشف ملفات وزارة الداخلية والمخابرات والحرس الوطني لمعرفة الضالعين، أيا كانت مواقعهم، في مساندة الإرهاب الدولي، وتقديم كل المسئولين إلى محاكمة دولية.
باختصار: تفكيك آلة الحرب الوهابو-سعودية.
إذا رفض النظام، فلا مفر من تهديده في مقتل. ما يهم السعوديين هو البترول، والممتلكات المالية، والقوة السياسية، والدور الديني كحماة للأماكن المقدسة:
1- البترول هو “سعودي” بالمصادفة. ويمكن فصل المناطق المُنتجة لصالح سكانها من الشيعة في دولة مستقلة تحت حماية دولية. ولا بأس من توزيع جزء من ريع البترول على سكان المنطقة العربية، بما فيها مصر، مما سيخلق حافزا مشتركا لحماية وتأمين مصادر البترول.
2- الموارد المالية الهائلة للعائلة السعودية (بين 700 و 1200 مليار دولار) موضوعة في بنوك الغرب. هناك ما يكفي من القوانين مما يسمح بتجميد أو مصادرة أموال دولة تُعتبر في حالة حرب مع الولايات المتحدة وأوروبا، من أجل تجفيف مصادر دعم الإرهاب العالمي.
3- العربية ليست “سعودية” إلا منذ فترة قريبة. يمكن منح الاستقلال للحجاز، بينما يعود أقليم عسير في الجنوب لليمن: التي أخذها السعوديون عنوة في 1934 . يبقى أقليم نجد للسعوديين والوهابيين؛ الذين يجب عليهم عندئذ تعلم”العمل” بعد قطع الموارد البترولية والمالية.
4- الأماكن المقدسة: يجب وضعها، كما اقترح ذات يوم أحد شيوخ الأزهر، تحت إدارة إسلامية دولية بدون تفرقة بين المذاهب، مما سيمنع اختطافها مرة أخرى في المستقبل بواسطة أمثال الوهابيين.
من المحتمل أن غريزة البقاء والسلطة لدى السعوديين، تحت ضغوط خارجية قوية، ستجعلهم يفهمون ضرورة القيام بتغييرات جوهرية وأن يقوم “جورباتشيف” سعودي بالدور المناسب. سيكون هذا مُرحبا به وسيعطي العائلة الفرصة الأخيرة، قبل البديل الآخر الحتمي وهو “لا-سعودة” المنطقة بصفة نهائية.
أيا كان الأسلوب المتبع؛ فسيُمَثل هذا، بعد عملية تحرير العراق، خطوة ثانية على طريق إصلاح المنطقة العربية.

 

 

عادل جندي
guindya@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق