دراسات النفيس

الطائفية العنصرية……. دكتور أحمد راسم النفيس

الطائفية العنصرية

 

دكتور أحمد راسم النفيس

 

منذ أن سقط النظام الصدامي البعثي عام 2003 غير مأسوف عليه وإعلامنا العربي يواصل عزف بكائية (الطائفية التي أوجدها الاحتلال الأمريكي للعراق والتي لم يسمع بها من قبل العرب الأتقياء الأنقياء الأبرار الذين عاشوا قبل ذلك حياة ملئها العدل والمساواة والحرية الفكرية وأسسوا بنيانهم على التقوى من أول يوم مما أثار عليهم حقد وحسد الصهاينة والأمريكان الذين جاءوا من أقصى العالم الغربي لتحطيم النموذج الحضاري العربي)!!.

هل حقا قام الأمريكان بهدم النموذج الحضاري العربي؟!.
أم أنهم قاموا بهدم نموذج لا أخلاقي ولا حضاري ولا إنساني ربما ليؤسسوا ما هو أسوأ منه ولكن الثابت أن العرب رافعي شعار (كذاب ربيعة خير من صادق مضر) و(لأن يحكم فينا الحكمان ببعض الحق وأحدهما من مضر خير لنا من أن يحكما بكل الحق وكلاهما من مضر) مرتاعون من فقد نموذجهم الأسوأ خوفا من أن يحل محله النموذج الأمريكي السيئ أو الأسوأ (لا أحد يدري!!) وليس حرصا على استعادة (عدالة مفقودة) لم تكن يوما ما موجودة!!.

نعتقد أن من الواجب علينا أن ننبه العرب والمسلمين لأهمية التفرقة بين الأسباب والنتائج وأن النفوذ الغربي (الأمريكي الآن) يستثمر ويكرس في الغالب الأعم خطاياهم التاريخية الفاحشة التي يرفضون التخلي عنها دون أن يكون مسئولا عن تأسيسها.

فليكف هؤلاء عن إلقاء كامل اللوم على الإمبريالية والصهيونية وليراجعوا أنفسهم فسيجدون ما يتعين عليهم إصلاحه وتصحيحه مما يقطع دابر هذا التدخل أو يجعله تدخلا غير ذوي جدوى!!.

تعريف الطائفية 

ولأننا سمعنا مئات التصريحات وقرأنا عشرات المقالات التي تندد بالطائفية من دون أن يتكرم علينا أحد من كهنة السياسة أو الإعلام العربي بتقديم تعريف محدد لتلك التي يسمونها طائفية فلا بأس أن نعيد مناقشة القضية لعلنا نذكر أو نخشى.

الطائفية نسبة للطائفة كما أن المصري نسبة لمصر.

كما وردت كلمة طائفة في القرآن الكريم مرارا:

(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)[1].

(وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[2].

(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ)[3].

الطائفة إذا هي جماعة من البشر يجمعهم جامع مشترك مثل المهنة أو العرق أو الانتماء الديني أو الموقف سواء كان موقفا جيدا كهؤلاء الذين ينفرون لطلب العلم أو موقفا رديئا كهؤلاء المنافقين المتذبذبين بين الطاعة والمعصية كما أن هذا الموقف يمكن ألا يكون ثابتا أو مستمرا.

الطائفية كما يقول الدكتور طه جابر العلواني مفهوم مشتق من جذر متحرك هو (طاف، يطوف، طواف، فهو طائف) فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه بل يتحرك في إطاره وربما لصالحه وبالتالي فإن المفهوم في حد ذاته يتضمن فكرة الأقلية العددية المتحركة في إطار الكل المشدود إليه بغض النظر عن دينها أو عرقها أو لغتها، لذلك ظل المفهوم يستخدم ليشير إلى كيانات مختلفة في خصائصها والقاسم المشترك بينها هو القلة العددية[4].

الانتماء إلى طائفة أو الطائفية لا يعني شيئا في حد ذاته والمهم هو موقف هذه الطائفة ومدى انحيازها للحق والعدل والصواب من عدمه وربما عدم انحيازها لأي موقف ووقوفها موقف المتفرج مما يجري في هذا الكون.

كما أن القيمة العددية للطائفة لا يجعل من موقفها معيارا للصواب والخطأ ولا يمنحها حق التصرف المطلق رغم أن هذا يبدو وكأنه مناقض للديموقراطية لأن إرادة الأغلبية لا يمكن لها أن تصادر الحقوق الثابتة للأقليات التي تضمنها الدساتير والاتفاقات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان التي تمتلك الآن قوة تتفوق في كثير من الأحيان على قوة القوانين المحلية بل وحتى الدساتير.

من ناحية أخرى يرى الدكتور برهان غليون أن أحد أهم الأسباب  التي حالت دون فهم الطائفية وتجنب آثارها هو اختلاط المفهوم وعدم ضبطه مما أساء إلى فهمنا لها كظاهرة اجتماعية وسياسية وبناء تعريف واضح وصحيح لها. فقد مال معظم الذين أثاروا المسألة في الأدبيات العربية القومية المعاصرة إلى الخلط بشكل كبير بين التعددية الدينية، أي انطواء المجتمع على تنوع ديني كبير يتسم إلى حد أو آخر من الانسجام أو الصراع, وسيطرة إحدى هذه الفرق أو الجماعات الدينية على مقاليد السلطة أو على مواقع رئيسية منها في سبيل تأمين منافع استثنائية لا يسمح بها القانون. أي أنهم يخلطون بين طائفية المجتمع وطائفية الدولة، وهما من طبيعتين مختلفتين تماما وليس لهما النتائج ذاتها. الأول يتعلق بطريقة اشتغال المجتمع والثاني بطريقة اشتغال الدولة الحديثة، ولا قيمة له إلا من منظور بناء هذه الدولة[5].

في نفس الوقت يعرف الماركسيون الماويون الطائفية Sectarianism بأنها حالة انقسام وتشتت داخل الدين الواحد وأنها مؤشر على الصراع القائم بينهم مثلما جرى في أيرلندا.

ويرى الماركسيون أن الانتماء إلى طائفة يعد أمرا معيبا في المجتمع الاشتراكي لأن الانتماء إلى طائفة يعني وضع مصلحتها فوق مصلحة الطبقة العاملة كما أنه يثير الانقسامات بينها بدلا من إبقائها موحدة لتحقيق أهدافها المشتركة[6].

الطائفية والفراعنة

(الطائفية) الواردة في سورة القصص هي طائفية من صنع فرعون ذلك الزمان الذي جعل من تقسيم المجتمع إلى طوائف متناحرة سلاحا يمكنه من إدامة سيطرته وتحكمه في مصير العباد.

الآية الكريمة تكشف عن سياسة قديمة جديدة هي سياسة تقريب بعض الفئات والطوائف والإغداق عليها بالمنح والجوائز لتكون عونا لهذا الفرعون على قمع غيرها من الطوائف المضطهدة.

ولا شك أن سلاح شراء الضمائر ليس قاصرا على زمان دون زمان أو دين دون دين أو أهل مذهب دون غيرهم بل هو أسلوب سلطوي عتيق وعريق وهو سلاح (فرق تسد) الذي استخدمته الأقلية المحتلة لتتمكن من قهر الشعوب والتحكم في مصائرها.

الطائفية هي حالة يمكن إنشاؤها وترسيخها بواسطة الديكتاتوريات الفرعونية القديمة والمعاصرة لتحقيق غرض سياسي انتهازي ولو أدى هذا إلى إشعال بعض الحرائق لإنضاج بعض الطبخات السياسية الفاسدة ولا يهم بعد ذلك أن تبقى هذه الحرائق وتمتد لتلتهم أجيالا قادمة من البشر فداء لتحقيق هذا الهدف الانتهازي المرحلي.

الانتماء إلى طائفة أو جماعة من البشر ليس جرما في حد ذاته فقد عرف تاريخنا الطوائف المهنية التي تحولت الآن إلى نقابات مهنية كما عرف نقابة الأشراف المسئولة عن رعاية المنتمين إلى السلالة النبوية الشريفة ولم يزعم أحد أن تأسيس هذه النقابات والطوائف وإيجاد زعماء أو نقباء لها كان تهديدا لوحدة الأمة بل على العكس من ذلك فقد كان هذا النوع من الطائفية تنظيما للأمة ومنعا للفوضى والاضطراب الحادث عن حرمان الجماعات الدينية أو العرقية أو المهنية من وجود من يمثلها ويتحدث باسمها ويدافع عن مصالحها المشروعة.

الاندفاع الأعمى نحو إدانة الطائفية من دون تعريفها والتمييز بين ما هو حق مشروع وما هو عدوان على حقوق الغير يكشف عن نزعة تسلطية عربية قديمة للاستفراد بالمواطن وإبقائه وحيدا تحت رحمة نظام ظالم ومستبد (يستضعف طائفة منهم) عبر حرمانه من حق التضامن السياسي والاجتماعي والإنساني في إطار المشترك الطائفي ومن ثم يصبح الخيار الوحيد أمام الإنسان هو اللجوء إلى حماية النظام الفرعوني والإذعان لشروطه مهما كان عدم أخلاقيتها وإجحافها بحقوقه الفردية والجماعية.

لو كانت الطائفية كلها شر لما قال سبحانه وتعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ)[7] ولما أرسل موسى إلى فرعون يطالبه بالكف عن ظلم بني إسرائيل واستضعافهم (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى)[8] باعتبار أن هذا الطلب يشكل إضعافا لكيان الدولة الفرعونية وشقا لصفوفها كما يزعم فلاسفة الطغيان والاستبداد الأموي.

الاندفاع الببغائي الأعمى نحو إدانة الطائفية كما هو الحال الآن يكشف عن جهل بشع وتجاهل أبشع لحقيقة أن الإنسان هو كائن جماعي لا يستطيع أن يعيش بمفرده ولا يستطيع أن يحل مشاكله بمعزل عن الجماعة البشرية المحيطة به وبمعزل عن اختياراته الأخلاقية والدينية التي لا يحق لأي نظام أن يفرضها عليه من دون موافقته ورضاه.

من ناحية أخرى يرى برهان غليون أن الفكرة القومية التي انتقلت إلى الثقافة العربية من الأدبيات الغربية ذات الصبغة الأحادية، ارتبطت بقوة بفكرة التجانس الاجتماعي. ونظر القوميون العرب، كغيرهم في العالم، إلى التعددية الدينية والإثنية في المجتمع كعقبة أمام نشوء وعي قومي يتجاوز الطوائف والانتماءات الدينية الفرعية. بل اعتقدوا أن استمرار عصبيات أو انتماءات جماعية فرعية لا بد أن يغذي ولاءات غير وطنية من داخل الدولة وخارجها، وبالتالي يضعف سيطرة الدولة على إقليمها وسكانها ويعرضها لتدخل القوى الأجنبية[9].

ورغم وجاهة ما طرحه برهان غليون سابقا عندما ألقى عبء رفض التعددية الدينية والعرقية على دعاة الفكرة القومية إلا أننا نتحفظ على إطلاق هذا الطرح وتعميمه لأن التعصب الأعمى لم يبدأ مع اختراع (النظرية القومية) وهو مكون أساس لجينات العرب العقلية التي ورثوها عن آبائهم الأولين والذين فرحوا باختراع القومية (العجيب) ظنا منهم أن قولبة جاهلية داحس والغبراء في (نظرية) يطرحها (منظرون ومفكرون) يمكن أن يصعد بها إلى القمر تماما كما فعل دعاة التداوي بالقديم الذين وضعوا روث البهائم والأعشاب السامة في كبسولات وقاموا بالدعاية لها من خلال الفضائيات ثم انتهى الأمر بهم إلى لا شيء.

الطائفية وثقافة الاستئصال

من المفيد أيضا أن نسلط الضوء على طريقة نشأة الطوائف في عالمنا الإسلامي حيث جعلت النظم الحاكمة من أولى مهامها منع نشأة طوائف خارجة عن (القانون القراقوشي) الأساسي الذي (ينظم المجتمع) وصولا إلى محاولة إبادة الجماعات العرقية المغضوب عليها (الأكراد نموذجا) وهي طائفة لم تنشأ بقرار من لجنة أحزاب ولم تحتج إلى موافقة وزارة شئون اجتماعية ولو كان وجود الأكراد متوقفا على قرار من هذا النوع لما سمح النظام العربي المسمى بالإسلامي بخلقهم من الأساس.

خذ عندك ما يسمى بلجنة (منع تكوين الأحزاب) في مصر لتدرك بسهولة ويسر أن العقل العربي الجاهلي المعاصر يرى أن الأصل في الكون هو الانفرادية السلطوية الاجتماعية حيث يتعين حرمان أي كيان غير مطابق للمواصفات من حق الوجود والحياة حتى ولو كان حزبا فما بالك إن كان طائفة تملك تصورا اعتقاديا أو جماعة عرقية يمكنها التكاتف فيما بينها والاصطفاف من أجل نيل حقوقها.

الأسوأ من هذا أن دور النظم السياسية كان حاكما وحاسما في ظهور بعض الطوائف ومنحها الأغلبية العددية واستئصال بعض الطوائف الأخرى وإلغاء وجودها كليا (الشيعة في مصر نموذجا) فضلا عن ملاحقة كل محاولات الإحياء والقضاء عليها في مهدها من خلال ترسانة القوانين القمعية.

من يعتقد أن رفع منسوب الحديث عن (الطائفية) يرتبط بنشوء الدولة القومية يمكنه أن يقرأ هذا النص (الأعجوبة) الذي كتبه أسامة شحادة في (مجلة العصر) نقلا عن كمال حبيب وهو لمن لا يعرف أحد قادة تنظيم الجهاد في مصر وواحد من أبرز قتلة الرئيس الراحل أنور السادات حيث يتحدث عن علاقة الدولة العثمانية بالدولة الصفوية، مسجلا هذه الملاحظات:

1ـ أن الدولة العثمانية لم تبادر إلى اتخاذ موقف استئصالي تجاه شيعة الأناضول ولا تجاه الدولة الصفوية، إلا بعد تعاظم الخطر الشيعي، ممثلاً في وجود دولة، كان ظهورها أقوى بكثير من مجيء الفاطميين إلى مصر، وأن هذه الدولة بدأت تمارس أعمالاً وحشية تجاه السنة المقيمين في إيران وعملت على تثوير الشيعة المقيمين بالأناضول عن طريق بث الدعاية السرية بينهم، بل حاولت تحويل السنة في الأناضول والقوقاز إلى المذهب الشيعي.

تراوح أسلوب الدولة العثمانية في التعامل مع المسألة الشيعية، بين استخدام القوة في عهد سليم الأول بغرض التخلص من المشكلة الشيعية (؟!) برمتها، ولذا فقد توسع في قتل الشيعة بالأناضول كجزء من حماية الجبهة الداخلية لتحقيق الحسم في المواجهة العسكرية، وذلك بالقضاء على الدولة الصفوية قضاء نهائياً، وكانت لهجة الخطاب الحاد بين السلطان والشاه، تعكس عمق التحدي الصفوي للدولة العثمانية، كما تعكس رؤية علماء الدولة العثمانية للصفويين باعتبارهم مرتدين، ويحتمل أن تكون العقائد الصفوية في هذه المرحلة لا تزال مشبعة بالأفكار “المهرطقة”، التي لا تعبر عن صحيح الدين الإسلامي لكن قتال الشيعة في إيران وقتلهم في الأناضول بشكل واسع لم يكن بسبب ردتهم بقدر ما كان بسبب امتناعهم على الدولة وتهديدهم لأمنها إلى حد التحالف مع الكفار على الجبهة الأوروبية. أما في عهد سليمان، فإنه قد أصبح واضحاً أن الوجود الشيعي لا يمكن القضاء عليه، وبالتالي فإن الحروب ضد إيران كانت بسبب إصرارها على استمرار الدعاية للمذهب الشيعي داخل الدولة العثمانية والمناطق السنية الأخرى في القوقاز، أي أن حروب سليمان القانوني كانت بقصد حماية المذهب السني دخل الدولة العثمانية ومناطق نفوذها الأخرى المتاخمة لإيران ولم يعمد إلى التوسع (؟؟!!) في القتل لأتباع المذهب الشيعي. وكانت الحروب عادة تنتهي بمعاهدات تقرر الوضع القائم. أي أن آلية المعاهدات برزت في عهد سليمان كأحد آليات التعامل مع المسألة الشيعية وستبقى الحرب والحرب المضادة هي الصيغة الغالبة في العلاقات الإيرانية ـ العثمانية منذ القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، وذلك من أجل نشر الدعاية الشيعية من قبل إيران وحماية المذهب السني من قبل الدولة العثمانية[10].

ولك أن تلاحظ تلك المفردات التي نقلها وأشاد بها باحث معاصر يرى البعض فيه الآن رمزا من رموز الاعتدال (رغم أنه أدين وسجن عشر سنوات في جريمة قتل) وهي نفس العقليات المريضة التي نفذت فتوى ابن تيميه بإبادة الشيعة في كسروان ثم عادت وهللت لإبادة الشيعة على يدي (حامي حمى البُوابة الشرقية للأمة العربية) صدام التكريتي وما زالت تهلل لعمليات التدمير والإبادة الواسعة التي قام بها صلاح الدين للحضارة المصرية الفاطمية وهي هي نفسها التي تبكي الآن مر البكاء على الطائفية في العراق وغير العراق!!!!!!!.

وتلك هي الطامة الكبرى بل هي قمة النفاق.

الطائفية إذا ليست جريمة في حد ذاتها والإدانة ينبغي أن تنصرف للتعصب الأعمى للطائفة الدينية أو العرقية أو حتى المهنية كونه يعبر عن ردة إلى الجاهلية إذ ليس هناك دين أو مذهب يمنح صاحبه الحق في إعلان تميزه وأفضليته على بقية العباد من دون أن يقدم الدليل الأخلاقي على هذه الأفضلية.

الإدانة ينبغي أن تتوجه لتلك النظم التي كانت ولا زالت تقدم الولاء الطائفي على الكفاءة والتفوق الأخلاقي بل وتمادت أخيرا في التمييز بين أبناء الوطن الواحد وفقا لهذه المعايير الجاهلية التي حضنا الإسلام على نبذها والتخلص منها.

الإدانة ينبغي أن توجه لهؤلاء الذين أنفقوا المليارات على حملات التحريض الطائفي والقتل على الهوية المذهبية لا إلى ضحايا هذه السياسات البالية المنحطة الذين لا يحلمون بشيء سوى الحفاظ على هويتهم الدينية وتراثهم الثقافي والديني.

الإدانة ينبغي أن توجه لأصحاب الوجوه المكشوفة الذين يطالبون بحصة (عادلة) من الثروة لإحدى الطوائف في العراق في حين أن أسرة بمفردها تتصرف بالكامل في ثروة وطن بأكمله تصرف المالك في تراث آبائه وأجداده.

من يدير اللعبة؟؟

لأننا لم نسمع قبل سقوط طاغية العراق في حفرته التاريخية شيئا عن الطائفية ولا عن تعريفها ولا عن جذرها لا وعن ثمارها المرة بل كانت الأرض شاغرة لرموز الهمجية العنصرية الطائفية بشتى صنوفها العرقية والمذهبية والقبلية والطبقية يفعلون ما يحلو لهم من دون رقيب ولا حسيب ولا ضابط ولا رابط ولا وازع أخلاقي ولا مانع قانوني أو دستوري, لذا نرى من الضروري أن نرد الأمور إلى أصولها منعا لمزيد من الخداع وقطعا لدابر الجدل السوفسطائي الذي يصر رموز الدجل الديني على مواصلته.

ولأن أحد رموز العنصرية الهمجية المتسربلة بالإسلام هو ذلك المدعو ابن تيميه فمن الضروري فضح هؤلاء خاصة وأن تلامذته ومريديه يتحدثون الآن باسم القطاع الأكبر عددا من المسلمين.

كما يتعين علينا أن نلاحظ أن (القطعة الأدبية الرائعة!!) التي نقلناها عن (عن أسامة شحاذة عن كمال حبيب رضي الله عنهما) تمثل اقتباسا حرفيا من الفكر التيموي ومفرداته الإرهابية عن (الطائفة الممتنعة التي يتعين ذبحها وانتهاك أعراضها وقطع أشجارها) والأمر من وجهة نظرهم السوداء ليس إرهابا ولا عدوانا بل (تهذيب مشروع للمارقين عن عقيدة أهل السنة والجماعة)!!.

في أوائل القرن الثامن الهجري انقضت جحافل العبيد المماليك التابعين للمدعو الناصر قلاوون على المسلمين الشيعة القاطنين في جبل لبنان (كسروان) بفتوى وتأييد من (شيخ الإرهاب) وفي رواية (شيخ الإسلام) ابن تيميه, حيث يذكر المقريزي في كتاب السلوك ما يلي:

وفيها‏:‏ توجه شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في ذي الحجة 704 هـ من دمشق ومعه الأمير بهاء الدين قراقوش المنصوري إلى أهل جبل كسروان يدعوهم إلى الطاعة فلم يجيبوا‏.‏ فجمعت العساكر لقتالهم‏.‏ وفي المحرم 705هـ‏:‏ سار الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب الشام من دمشق في عساكرها لقتال أهل حبال كسروان ونادى بالمدينة من تأخر من الأجناد والرجالة شنق‏.‏ فاجتمع له نحو خمسين ألف راجل وزحف بهم لمهاجمة أهل تلك الجبال ونازلهم وخرب ضياعهم وقطع كرومهم ومزقهم بعدما قاتلهم أحد عشر يوماً قتل فيها الملك الأوحد شادي بن الملك الزاهر داود وأربعة من الجند وملك الجبل عنوة ووضع فيهم السيف وأسر ستمائة رجل وغنمت العساكر منهم مالاً عظيماً وعاد إلى دمشق في رابع عشر صفر[11]‏.‏

أما عن مبررات شيخ الإرهاب (الذي يصر محمد عمارة على وصفه برمز التسامح) التي دعته للتحريض على شن حملة إبادة طائفية فيمكن التعرف إليه من خلال رسالة (شيخ الإسلام) لسيده العبد (الناصر قلاوون) والتي قال فيها:

أما بعد، فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وأنعم الله على السلطان وعلى المؤمنين في دولته نعما لم تعهد في القرون الخالية، وجدد الإسلام في أيامه تجديدا بانت فضيلته على الدول الماضية، وتحقق في ولايته ما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين، من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان: أهل الفجور والطغيان، وذوو الغيّ والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلبا للعلو في الإحن والفساد، وتركا لسبيل الهدى والرشاد، وهؤلاء هم التتار ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام. وان تمسك بالشهادتين.
والصنف الثاني: أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة، مثل هؤلاء الذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجبيل والجرد وكسروان. فإن ما منّ الله به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغام، هو من عظائم الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام. وذلك لأن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين، في أمر الدنيا والدين، فإن اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان. وأئمة الإسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك الإسلام وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون أكفر من اليهود والنصارى لأنهم مرتدون عندهم والمرتد شرّ من الكافر الأصلي، لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو مرتد ومن استحل الفقاع فهو عندهم كافر. ومن مسح الخفين فهو عندهم كافر. ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضى عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو كافر. ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو كافر. بل عندهم من قال :” الله يرى في الآخرة” فهو كافر. ومن قال: “أن الله تكلم بالقرآن حقيقة” فهو كافر ومن قال “أن الله فوق السماوات” فهو كافر ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: “أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن الله يقلب قلوب عباده. وأن الله خالق كل شيء” فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، فهو عندهم كافر. وهذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم مثل” بني العود” فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل، وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين ويفتونهم بهذه الأمور. وقد حصل بأيدي المسلمين عدة من كتبهم تصنيف “ابن العود” وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم. لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق، ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلهم منهم، وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية، فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق.
فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان، وهمته في إقامة شرائع الإسلام، وعنايته وجهاده المارقين أن غزوا غزوة شرعية كما أمر الله ورسوله بعد أن كشفت أموالهم، وأزيلت شبهتهم، وبذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به. ولم نجد في جبلهم مصحفا، ولا فيهم قارئ للقرآن وإنما عندهم عقايدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، واستحلوا بها دماء المسلمين فإذا كان علي ابن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج مع أنه قتلهم جميعا، كان هؤلاء أحق بأخذ أموالهم، وليس هؤلاء بمنزلة المتأولين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل أنه لا يقتل مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يغنم لهم مال، ولا يسبي لهم ذريّة لأن مثل أولئك لهم تأويل سائغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل سايغ، ومثل أولئك إنما يكون خارجا عن طاعة الإمام، وهؤلاء خرجوا عن شريعة الله وسنته، وهم شر من التتار من وجوه متعدد وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه، فليس ذلك بأولى من قتل النفوس. وما أمكن غير ذلك، فإن القوم لم يحصر كلهم من الأماكن التي اختفوا فيها ويئسوا من المقام في الجبل إلا حين قطعت الأشجار، وإلا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم لأن التركمان إنما قصدهم الري وقد صار لهم مرعى وساير الفلاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيئون إليه.
فالحمد لله الذي يسر بهذا الفتح في دولة السلطان، وبهمته وعزمه وأمره، وإخلاء منهم، وأيضا فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق، ما يرفع الله به درجات السلطان، ويعز به أهل الإيمان.
تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان لحسم مادة أهل الفساد وإقامة الشريعة في البلاد، فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة من يقتدون به وينتصرون وفي قلوبهم غل عظيم فإذا أمسك رؤوسهم الذين يضلونهم مثل “بني العود” زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله، ويتقدم إلى قراهم، وهي قرى متعددة بأعمال دمشق وصفد وطرابلس وحمص وحماة وحلب، بأن يقام فيهم شرائع الإسلام: الجمعة والجماعة، وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذنون كسائر قرى المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتنشر فيهم المعالم الإسلامية[12].

ولك أن تتأمل في هذه الرسالة التي فاضت (بالرحمة والتسامح وحرية الاعتقاد) على الطريقة التيموية بكل تأكيد!! والتي يرى محمد عمارة ورفاقه من (الإسلاميين الجدد) أن خلاص الأمة مما هي فيه لا يتحقق إلا بالعودة إلى ما كان عليه ابن تيميه وأصحابه (رضوان الله عليهم أجمعين)!!.

كان من الضروري أن نعرج على الأب المؤسس لفكر الاستئصال الطائفي والمذهبي خاصة وأن صوت أتباعه الآن هو الأعلى في الساحتين العربية والإسلامية كما أن هذه الواقعة الجريمة لها آثار وتداعيات يعرفها جيدا أبناء تلك المناطق حتى هذه اللحظة ولكنها وللأسف الشديد حدثت قبل أن يعرف العالم المتحضر القانون الجنائي الدولي ومحاكمة المتهمين بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية مثل صدام حسين وميلوسيفيتش ونحن نعتقد أن من الضروري عقد محكمة ضمير لهؤلاء السفاحين حتى ولو كان هذا بعد سبعة قرون من حدوث تلك الفاجعة!!.

المهم أنه في غيبة قانون أساسي ينظم الحوار بين الأفكار والعقائد ويلزم المختلفين بعدم استخدام القتل الجماعي لحسم الجدل الدائر بين من يعتقدون أن الله (تبارك وتعالى) يتحدث كما يتحدث البشر وأنه فوق سماواته كما يزعم ابن تيميه وبين من يعتقدون أن الله منزه عن العرض والصوت والجهة, وجد (شيخ الإسلام) نفسه ضحية لهذا القانون الهمجي الذي أسس له وقام بتطبيقه على شيعة كسروان في اللحظة التي تصور فيها أن مباركته لهذه البربرية تجعله فوق المساءلة!!.

ويا للمفارقة!!

ففي (سنة 704 للهجرة) والعهدة على المقريزي: قام شمس الدين محمد بن عدلان بالقاهرة وأنكر على تقي الدين أحمد بن تيمية فتوى رآها قي مسالة الاستواء ومسألة خلق القرآن‏ فنودي بدمشق من ذكر عقيدة ابن تيمية شنق فاشتد حينئذ ابن عدلان وقام معه قاضي القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكي‏.‏ وحرض الأمراء عليه‏.‏  ومازال بهم حتى خرج الأمير ركن الدين العمري الحاجب على البريد بحمله وحمل أخيه شرف الدين عبد الرحمن إلى القاهرة‏. فاجتمع القضاة والفقهاء بقلعة الجبل وحضر الأمراء فادعى ابن عدلان على ابن تيميه فلم يجبه وقام يخطب فصاح عليه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي‏:‏ نحن أحضرناك للدعوى عليك ما أحضرناك خطيباً وألزمه بالجواب‏.‏ فقال له‏:‏ أنت عدوي لا يجوز حكمك على فأمر باعتقاله فأخذ وسجن بحارة الديلم من القاهرة هو وأخوه‏.‏ وخلع على ابن صصري وأعيد إلى دمشق ومعه كتاب ليقرأ على الجامع بالمنع من الكلام في العقائد والنهي عن اعتقاد شيء من فتاوى ابن تيمية وأن يكتب على الحنابلة محاضر بالرجوع[13].

كما يذكر الذهبي في كتابه (العبر في خبر من غبر) نفس الواقعة فيقول: وفيها (704هـ) فتنة الشيخ تقي الدين بن تيمية وسؤالهم عن عقيدته فعقد له ثلاثة مجالس وقرئت عقيدته الملقبة بالواسطية وضايقوه وثارت الغوغاء والفقهاء له وعليه ثم طلب إلى مصر وصورت عليه دعوى عند المالكي ثم‏ سجن الشيخ وأخواه بالجب بضعة عشر شهرًا ثم أخرج ثم حبس بحبس الحاكم ثم أبعد إلى الإسكندرية فلما تمكن السلطان سنة تسعٍ طلبه واحترمه وصالح بينه وبين الحكام وكان الذي ادعى عليه به بمصر أنه يقول‏:‏ إن الرحمن على العرش حقيقة وإنه يتكلم بحرف وصوت‏.‏ ثم نودي بدمشق وغيرها‏:‏ من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه‏[14].

نحن إذا أمام سلالة (strain) خبيثة من المهووسين العنصريين المصابين بشبق دموي لإبادة المخالفين في الرأي والمعتقد بأوهى شبهة وأدنى دليل وهي سلالة لم تنقرض ولن تنقرض من دون مواجهتها مواجهة حازمة وفضحها فكريا وتعريتها أخلاقيا خاصة وأنها مصممة على إعادة إنتاج نفسها واستعادة مواقعها المفقودة بعد الضربة الكبرى التي تلقتها يوم أن سقط صدام في الحفرة ليخرج منها إلى بئر الإعدام.

ما عادت تجدي المجاملات الفارغة بل يتعين فضح أصحاب هذا المنهج ليس فقط حرصا على الأرواح والأعراض والأموال من انتهاك حرمتها من دون وازع من ضمير من قبل أوباش الإنسانية بل حرصا على هؤلاء المهووسين من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم لأن سلاح الإبادة على الهوية العرقية والمذهبية لم يعد حتى سلاحا ذو حدين وهو سلاح انشطاري لا يختلف عن القنابل العنقودية التي أغرقت بها إسرائيل نفس المناطق التي استهدفها شيخ الإسلام قبل سبعمائة عام في مقاربة لا تمر هكذا من دون تأمل إلا على البلهاء من الغوغاء المستعدين للقتال تارة مع ابن تيميه وتارة مع ابن عدلان حسب المناخ العاطفي والسياسي واتجاه الريح في المنطقة!!.

الطائفية المذهبية

كانت العصبية الجاهلية القبلية واحدة من أخطر الأمراض التي ضربت كبد الأمة منذ نشأتها الأولى وحالت دون ترسيخ القيم الحضارية للدين في أرض الواقع.

تلك العصبية التي سعى النظام الأموي للاستفادة منها وتحويلها إلى عصبية (ضد المذهب) قبل أن تستقر نهائيا لتصبح عصبية مذهبية والمعنى أنها بدأت كعصبية قبلية ضد بني هاشم وانتهى بها الأمر لتصبح عصبية جاهلية ضد كل الموالين لأهل البيت.

لم يكن العرب أو المسلمون يعرفون حالة الانقسام المذهبي السائدة الآن إلى سنة وشيعة إلى أن قام النظام السياسي الأموي ثم العباسي بإنشاء تلك الحالة بعد ذلك ليستفيد منها لترسيخ بقائه ووصم معارضيه بالكفر والزندقة والخروج من الملة.

قام النظام السياسي الأموي أولا على (شرعية دينية ملفقة) جرى جمع أشلائها من الأمر الواقع المفروض ومن خلال وضع الأحاديث ونسبتها إلى رسول الله حيث كان باب الحذف والإضافة يومها ما زال مفتوحا ومن ثم وضعت تلك الروايات التي توجب الإذعان لبني أمية ثم جرى إثباتها في كتب جرى تقديسها بعد ذلك إلا أن هذا لم يف بالغرض وقد بدا ذلك واضحا عندما اكتشف النظام العباسي في مراحله الأولى أهمية الدور الذي لعبه الفقهاء في دعم وتأييد ثورة النفس الزكية محمد بن عبد الله الحسن من خلال إصدارهم الفتاوى التي تحض على الانضمام إلى الثوار أو تلك التي تبيح نقض بيعته الباطلة القائمة على الإكراه ومن هنا ظهرت بدعة تأميم الفقهاء وعولبة الفقه والفقيه في مذهب غير قابل للنقد ومن ثم مصادرة الفتوى لصالح النظام السياسي المتسلط.

في البداية كان العبء كله يقع على (المحدثين) مثل أبي هريرة وأبي موسى وعبد الله بن عمر الذين كانوا يجلسون وسط الناس ويقولون قال رسول الله (اسمعوا وأطيعوا) قبل أن تظهر صناعة الفتوى ويبرز دور الفقيه.

نماذج من الروايات المنسوبة للرسول الأكرم ص.

روى البخاري قال:

6723 – حدثنا مسدد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي التيَّاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة).

6724 – حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا حمَّاد، عن الجعد، عن أبي رجاء، عن ابن عباس يرويه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا مات ميتة جاهلية).

6725 – حدثنا مسدد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله: حدثني نافع، عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).
مع بداية العصر العباسي والدعم الواسع الذي حظيت به ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) من الفقهاء ومن بينهم مالك بن أنس الذي كان يفتي ببطلان البيعة لأبي جعفر المنصور تبين أن روايات السمع والطاعة الملفقة لا تكفي ولا تفي بالغرض وأن المصلحة السياسية الانتهازية توجب تأميم المؤسسة الدينية بأسرها وإنشاء مؤسسة دينية رسمية ذات صبغة مذهبية تجعل الداخل فيها مولود والخارج منها خارج عن الملة التي أصبحت هي النظام السياسي وأصبح كل من تمرد على التبعية الكاملة للنظام السياسي حتى في مجال الفقه والأحكام والمواريث معارضا سياسيا حتى ولو لم تسول له نفسه الاشتغال بالسياسة ولو للحظة واحدة.

توظيف مالك بن أنس:

ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (أن أبا جعفر لما استقامت له الأمور واستولى على السلطان (!!) خرج حاجا إلى مكة وذلك سنة 148 فلما كان بمنى أتاه الناس يسلمون عليه ويهنئونه بما أنعم الله عليه وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم وفقهائهم وعلمائهم ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث فكان فيمن دخل عليه منهم مالك ابن أنس فقال له أبو جعفر يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا “يبدو أن رؤيا الملوك وحي من الله!!” فقال مالك يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ويلهمه الرشاد من القول ويعينه على خير الفعل فقال أبو جعفر رأيت أني أجلسك في هذا البيت فتكون من عمار بيت الله الحرام وأحمل الناس على علمك وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وافدهم ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق إن شاء الله وإنما العلم علم أهل المدينة وأنت أعلمهم فقال مالك أمير المؤمنين أعلى عينا وأرشد رأيا وأعلم بما يأتي وما يذر وإن أذن لي أن أقول قلت فقال أبو جعفر نعم فحقيق أنت أن يسمع منك ويصدر عن رأيك فقال مالك يا أمير المؤمنين إن أهل العراق “أي الشيعة” قالوا قولا تعدوا فيه طورهم ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية وأما أهل مكة فليس بها أحد وإنما العلم علم أهل المدينة كما قال الأمير وإن لكل قوم سلفا وأئمة فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل فقال أبو جعفر أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا وإنما العلم علم أهل المدينة وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها فقال مالك فأعفني يعف الله عنك فقال أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه). ج2 ص170.

ونمضي مع تلك القصة المذهلة التي نقلها لنا ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) والتي تصلح من دون أدنى شك كدليل يمكن لوزراء الداخلية والأوقاف العرب أن يستدلوا بها على أصالة وعمق حرية الفكر والاعتقاد ورسوخ تقاليد التسامح المذهبي في وجدان الأمة وأن هذه الأسس شكلت وما زالت تشكل تقليدا عربيا راسخا علم العالم حرية الفكر والعقيدة!!…

قال ابن قتيبة (وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر فبعث إليها ابن عمه جعفر بن سليمان ليسكن هيجها وفتنها ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم فأظهر الغلظة والشدة وسطا بكل من ألحد في سلطانهم (!) وأشار إلى المنازعة لهم وأخذ الناس بالبيعة… وكان مالك لفيض علمه وورعه محسودا (؟!) فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له أن مالكا يفتي الناس أن البيعة لا تحل ولا تلزمهم لأنهم مكرهين عليها وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه” فعظم ذلك على جعفر بن سليمان واشتد الأمر عليه فدس لمالك من يتحقق من صحة الخبر فأفتاه بنفس الفتوى فقبض عليه جعفر بن سليمان وضربه سبعين سوطا وبلغ الخبر إلى أبي جعفر المنصور فعظم عليه الأمر وأرسل إلى مالك من يستدعيه إلى بغداد للقائه فاعتذر إليه مالك فكتب إليه أبو جعفر ليلتقي به في موسم الحج المقبل)[15].

(فلما وصل أبو جعفر إلى الحج عام 163هـ التقى مالكا ورحب به وقربه إليه قال له والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذي كان ولا عملته قبل أن يكون ولا رضيته إذ بلغني قال مالك حمدت الله على كل حال ثم قال يا أبا عبد الله ما زال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وإني أخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها قاتلهم الله أنى يؤفكون قال مالك ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء فوجدته أعلم الناس بالناس ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اُجتمع عليه حافظا لما روى واعيا لما سمع ثم قال يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتبا وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشواذ ابن مسعود واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم لنحمل الناس على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها فقلت أصلح الله الأمير إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا فقال أبو جعفر يحملون عليه ونضرب على هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط فتعجل ذلك وضعها فسيأتيك ابني محمد المهدي العام المقبل ليسمعها منك فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله قال مالك ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا وكسوة عظيمة وأمر لابني بألف دينار ثم انصرف مالك) ص 179.

وهكذا تمت الصفقة التي تردد مالك بن أنس في قبولها أول الأمر ويبدو أنه تلكأ في تنفيذ ما طلب منه عام 148 فكانت تلك (العلقة الساخنة) التي تلقاها الرجل حتى لا يعاود الإفتاء ببطلان الغصب والإكراه لأن الغصب والإكراه أصل راسخ من أصول حياة المسلمين السياسية ومن ثوابتهم القومية التي يصرون على الحفاظ عليها لتبقى لهم الريادة والسيادة على عقول الناس ومن أبى (ضربناه على هاماتهم بالسيوف وقطعنا طي ظهورهم بالسياط)!!.

أخذ ذلك الخط بعد ذلك صورة تصاعدية وقلما عرف المسلمون ما يمكن وصفه بالتسامح حيث كان يجري دوما اختلاق المبررات للبطش والتنكيل بكل من يعارض هيمنة تلك المؤسسة التي جرى اختلاقها وفرضها إرادتها على الناس من خلال القضاء المكلف بإدارة الحياة الاجتماعية والفكرية والدينية في نفس الوقت الذي تقوم فيه المؤسسة الأمنية بالتعاون مع فقهاء القضاء بملاحقة كل من تسول له نفسه التمرد على السياق المفروض بقوة السياط التي ذاقها مالك بن انس وأجبرته على قبول ما رفضه من قبل.

يقول المقريزي في خططه الجزء الرابع: لما قام هارون الرشيد بالخلافة وولى القضاء أبا يوسف صاحب أبي حنيفة بعد سنة سبعين ومائة لم يقلد ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر إلاّ من أشار به القاضي أبو يوسف. وكذلك لما قام بالأندلس الحكم المرتضى بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بعد أبيه في سنة ثمانين ومائة اختص بيحيى بن كثير الأندلسيّ فنال من الرياسة والحرمة ما لم ينله غيره وعادت الفتيا إليه وانتهى السلطان والعامّة إلى بابه فلم يُقَلد في سائر أعمال الأندلسَ قاض إلا بإشارته فصاروا على رأي مالك بعدما كانوا على رأي الأوزاعيّ وكانت إفريقية الغالب عليها السنن والآثار إلى أن قدم عبد الله بن فروج أبو محمد الفارسيّ بمذهب أبي حنيفة ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان قاضي إفريقية بمذهب أبي حنيفة ثم لما ولي سحنون بن سعيد التنوخيّ قضاء أفريقية بعد ذلك نشر فيهم مذهب مالك وصار القضاء في أصحاب سحنون دولًا يتصاولون على الدنيا تصاول الفحول على الشول إلى أن تولى القضاء بها بنو هاشم وكانوا مالكية فتوارثوا القضاء كما تتوارث الضياع‏ ثم إن المعز بن باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه من المذاهب فرجع أهل إفريقية وأهل الأندلس كلهم إلى مذهب مالك رغبة فيما عند السلطان وحرصًا على طلب الدنيا إذ كان القضاء والإفتاء لا يكون إلاّ لمن تسمى بالفقه على مذهب مالك فاضطرّت العامّة إلى أحكامهم وفتاواهم ففشا هذا المذهب هناك.

انتصار الأحناف في العراق!!

كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق حيث أن أبا حامد الاسفراينيّ لما تمكن من الدولة أيام الخليفة القادر بالله اتفق معه على استخلاف أبي العباس أحمد بن محمد البارزيّ (الشافعي) بدلا من ابن الأكفاني الحنفيّ قاضي بغداد فأجيب إليه بغير رضى الأكفانيّ فصار أهل بغداد حزبين وقدم بعد ذلك أبو العلاء صاعد بن محمد قاضي نيسابور ورئيس الحنفية بخراسان فثارت بينهم وبين أصحاب أبي حامد فتنة ارتفع أمرها إلى السلطان فجمع الخليفة القادر الأشراف والقضاة وأخرج إليهم رسالة تتضمن‏:‏ أن الاسفراينيّ أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النصح والشفقة والأمانة وكانت على أصول الدخل والخيانة فلما تبين له أمره ووضح عنده خبث اعتقاده فيما سأل فيه من تقليد البارزيّ (الشافعي) الحكم بالحضرة من الفساد والفتنة والعدول بأمير المؤمنين عما كان عليه أسلافه من إيثار الحنفية وتقليدهم واستعمالهم صرف البارزيّ وأعاد الأمر إلى حقه وأجراه على قديم رسمه وحمل الحنفيين على ما كانوا عليه من العناية والكرامة والحرمة والإعزاز وتقدّم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد ولا يقضوا له حقًا ولا يردوا عليه سلامًا وخلع على أبي محمد الأكفاني وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة وظهر السخط عليه والانحراف عنه وذلك في سنة 393 هـ‏.‏

الوضع في مصر!!

وما زال مذهب مالك ومذهب الشافعيّ يعمل بهما أهل مصر ويولى القضاء من كان يذهب إليهما أو إلى مذهب أبي حنيفة إلى أن جاء القائد جوهر من بلاد إفريقية في سنة 358هـ بجيوش المعز لدين الله أبي تميم معدّ وبنى مدينة القاهرة‏.

فمن حينئذ فشا بديار مصر مذهب الشيعة وعُمِلَ به في القضاء والفتيا وأنكر ما خالفه ولم يبق مذهب سواه وقد كان التشيع بأرض مصر معروفًا قبل ذلك‏.‏

قال أبو عمرو الكنديّ في كتاب الموالي عن عبد الله بن لهيعة أنه قال‏:‏ قال يزيد بن أبي حبيب‏:‏ نشأت بمصر وهي علوية فقلبتها عثمانية‏.‏ وما زالت شيعة عليّ بمصر إلى أن ورد كتاب المتوكل على الله إلى مصر يأمر فيه بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق فأخرجهم إسحاق بن يحيى الختليّ أمير مصر فخرجوا لعشر خلون من رجب سنة 236هـ وقدموا العراق فأخرجوا إلى المدينة في شوّال منها واستتر من كان بمصر على رأي العلوية حتى أن يزيد بن عبد الله أمير مصر ضرب رجلًا من الجند في شيء وجب عليه فأقسم عليه بحق الحسن والحسين إلا عفا عنه فزاده ثلاثين درة ورفع ذلك صاحب البريد إلى المتوكل فورد الكتاب على يزيد بضرب ذاك الجنديّ مائة سوط فضُر بها وحُمل بعد ذلك إلى العراق في شوّال سنة 243هـ وتتبع يزيد الروافض فحملهم إلى العراق ودل في شعبان على رجل يقال له محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أنه بويع له فأحرق الموضع الذي كان به وأخذ فأقرّ على جمع من الناس بايعوه فضُرب بعضهم بالسياط وأخرج العلوي هو وجمع من آل أبي طالب إلى العراق في شهر رمضان‏.‏

ومات المتوكل في شوّال فقام من بعده ابنه محمد المستنصر فورد كتابه إلى مصر بأن لا يقبل علويّ ضيعة ولا يركب فرسًا ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد ومن كان بينه وبين أحد من الطالبيين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة وكتب إلى العمال بذلك ومات المستنصر في ربيع الآخر وقام المستعين فأخرج يزيد ستة من الطالبيين إلى العراق في رمضان سنة 250هـ  ثم أخرج ثمانية منهم في رجب سنة  251هـ. ‏

العهد الفاطمي

وفي صفر سنة 365هـ جلس عليّ بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت ويعرف هذا المختصر بالاقتصار وكان جمعًا عظيمًا وأثبت أسماء الحاضرين‏.‏

ولما تولى يعقوب بن كلس الوزارة للعزيز بالله نزار بن المعز رتب في داره العلماء من الأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمين وأجرى لجميعهم الأرزاق وألف كتابًا في الفقه ونصب له مجلسًا وهو يوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلمين وأهل الجدل وتجري بينهم المناظرات وكان يجلس أيضًا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه ويحضر عنده القضاة والفقهاء والقراء والنحاة وأصحاب الحديث ووجوه أهل العلم والشهود فإذا انقضى المجلس من القراءة قام الشعراء لإنشاد مدائحهم فيه وجعل للفقهاء في شهر رمضان الأطعمة وألف كتابًا في الفقه يتضمن ما سمعه من المعز لدين اللّه ومن ابنه العزيز باللّه وهو مبوب على أبواب الفقه يكون قدره مثل نصف صحيح البخاريّ ملكته ووقفت عليه وهو يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية وكان يجلس لقراءة هذا الكتاب على الناس بنفسه وبين يديه خواص الناس وعوامّهم وسائر الفقهاء والقضاة والأدباء وأفتى الناس به ودرّسوا فيه بالجامع العتيق وأجرى العزيز باللّه لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير ويلازمونه أرزاقًا تكفيهم في كلّ شهر وأمر لهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر فإذا كان يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تُصلّى صلاة العصر وكان لهم من مال الوزير أيضًا صلة في كلّ سنة وعدّتهم خمسة و ثلاثون رجلًا وخلع عليهم العزيز بالله في يوم عيد الفطر وحملهم على بغال‏.‏

وفي شهر ربيع الأوّل سنة 385هـ  جلس القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر في القاهرة لقراءة علوم أهل البيت على الرسم المتقدّم فمات في الزحمة أحد عشر رجلًا‏.‏

وفي جمادى الآخرة من هذه السنة فتحت دار الحكمة بالقاهرة وجلس فيها القرّاء وحُملت الكتب إليها من خزائن القصور ودخل الناس إليها وجلس فيها القرّاء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأطباء وحصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم يُر مثله مجتمعًا وأجرى على من فيها من الخدّام والفقهاء الأرزاق السنية وجُعل فيها ما يُحتاج إليه من الحبر والأقلام والمحابر والورق.‏

الأيوبيون

ولما قدمت عساكر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي من دمشق عليها أسد الدين شيركوه ولي وزارة مصر للخليفة العاضد لدين اللّه أبي محمد عبد اللّه بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين اللّه ومات فقام في الوزارة بعده ابن أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة وشرع في تغيير الدولة وإزالتها وحجر على العاضد وأوقع بأمراء الدولة وعساكرها وأنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشافعية ومدرسة للفقهاء المالكية وصرف قضاة مصر الشيعة كلهم‏:‏ وفوّض القضاء لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارانيّ الشافعيّ فلم يستنب عنه في إقليم مصر إلا من كان شافعيّ المذهب فتظاهر الناس من حينئذ بمذهب مالك والشافعيّ واختفى مذهب الشيعة والإسماعيلية والإمامية حتى فقد من أرض مصر كلها وكذلك كان السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر حنفيا فيه تعصب فنشر مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ببلاد الشام ومنه كثرت الحنفية بمصر وقدم إليها أيضا عدة من بلاد الشرق وبنى لهم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب المدرسة السيوفية بالقاهرة ومازال مذهبهم ينتشر ويقوى وفقهاؤهم تكثر بمصر والشام من حينئذ‏.‏

وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة الشيخ أبي الحسن عليّ بن إسماعيل الآشعريّ تلميذ أبي علي الجبائيّ وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر.‏ فاستمرّ الحال على عقيدة الأشعري بديار مصر وبلاد الشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضًا لإدخال محمد بن تومرت رأي الأشعريّ إليها حتى أنه صار هذا الاعتقاد بسائر هذه البلاد بحيث أن من خالفه ضرب عنقه والأمر على ذلك إلى اليوم ولم يكن في الدولة الأيوبية بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ثم اشتهر مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في آخرها‏.‏

فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ‏.‏ فاستمرّ ذلك من سنة 665هـ حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعري وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدًا لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها والعمل على هذا إلى اليوم. انتهى النقل عن المقريزي.‏

المذهبية والتعصب

يبدو واضحا من النقل السابق أن المذهبية هو مكون مستحدث من مكونات المجتمع الإسلامي لا يتزامن ظهوره مع ظهور الدين ذاته وأن السياسة وأهوائها لعبت دورا أساسيا في تغليب بعض المذاهب على بعض واندثار البعض الآخر وضياعه أبد الآبدين مثل مذهب الأوزاعي المشار إليه.

أضف إلى ذلك أن الانقسام المذهبي في العالم الإسلامي لم يكن يوما ما انقساما ثابتا بل كان وما زال انقساما متحركا فشلت السياسة في تثبيته.

آن الأوان لأن تقلص الدولة المدنية (الحديثة) تدخلها في ضمائر الناس وأن تكتفي بدور الحكم المحايد بين أصحاب المذاهب المختلفة وأن تركز على مهامها الأساسية في حفظ الأمن والسياسة الخارجية ودفع عملية التنمية الاقتصادية.

آن الأوان لأن يدرك كهنة السياسة العرب أن تدخلهم الفظ في ضمائر البشر ومحاولة فرض خياراتهم على المجموع العام قد أدى إلى سلسلة من الكوارث أهمها غلق باب الإبداع الفكري وتنامي التطرف والإرهاب كما يتعين عليهم أن يدركوا أن النفخ في كير التعصب المذهبي كما يجري هذه الأيام لن يقود تلك المجتمعات إلا إلى مزيد من الكوارث والنكبات.

آن الأوان لكي يدرك المهووسون بما توصلوا إليه من استنتاجات في العقيدة والفقه أنه ليس بوسعهم فرضها على سائر البشر بمنطق القوة مهما كانت درجة اقتناعهم بصحتها.

نرفض بشدة القبول بمنطق ابن تيميه وهو نفسه منطق صدام حسين وميلوسيفيتش الداعي لإبادة أهل كسروان كما نرفض أيضا المنطق المضاد القائم على شنق كل من اعتنق معتقد ابن تيميه.

اللهم لا ذا ولا ذاك.

سيكولوجية التعصب عند العرب

يقول الإمام علي بن أبي طالب: (وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْء مِنَ الأشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّة تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلاَءِ، أَوْ حُجَّة تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لأمْر مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلاَ عِلَّةٌ. أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لأصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَأَنْتَ طِينِيٌّ).
التعصب في الغالب الأعم هو حالة انفعال غير منطقية ولا ضرورية تكشف عن ضعف الأسس التي يقوم عليها المعتقد أو المذهب والخوف من تعرضه للمنافسة الشريفة والحرة.

لا نعتقد أن الحجج والأدلة التي قام عليها إسلامنا ضعيفة كما أن ديننا ليس بحاجة لاستخدام القوة دفاعا عن بقائه.

تبدو المشكلة الكبرى في التعاطي الأحمق مع القضية المذهبية وكيف أجج هذا الحمق نيران التعصب الطائفي وقاد إلى حروب أخذت من رصيد الأمة الإسلامية البشري والحضاري والأخلاقي.

التعصب للأصل الشريف أو لأمجاد التاريخ حالة يمكن فهم أسبابها حتى ولو كانت دون جدوى أو فائدة.

الآن تبدو حالة التعصب المذهبي الطائفي فضلا عن لا منطقيتها فهي تمثل كارثة سياسية تهدد وجود الأمة الإسلامية حيث لا غالب في هذا النوع من الصراعات والكل مغلوب وأول هؤلاء من زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لهم أنتم الأعلون والله معكم!!.

إن كان لا بد من الحمية والتعصب فليكن كما قال الإمام علي:

فَإنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ وَمَحَامِدِ الأفْعَالِ وَمَحَاسِنِ الأمُورِ الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ بِالأخْلاَقِ الرَّغِيبَةِ، وَالأحْلاَمِ الْعَظِيمَةِ وَالأخْطَارِ الْجَلِيلَةِ وَالآثَارِ الَمحْمُودَةِ. فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَام، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالأخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ، وَالإعْظَامِ لِلْقَتْلِ وَالإنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَالْكَظْمِ لِلْغَيْظِ وَاجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ.

أي خلق أو دين يسمح لهؤلاء أو غيرهم بترويج التعصب المذهبي والعرقي زاعمين في نفس الوقت استنادهم للكتاب والسنة؟!.

ألم يوصي كتاب الله المسلمين بالسعي لتوحيد الأمة ورص الصف ونبذ الفرقة والتكبر بغير الحق والجدال بالتي هي أحسن؟.

إنه النقيض المطلق للإسلام حيث يقول تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. القصص 83.

نبذ التعصب الأعمى

يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[16].

(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[17].

الطائفية المقيتة أن تنصر أخاك ظالما كان أم مظلوما فتعينه على ظلمه للآخرين والافتئات على حقوقهم المشروعة.
الانتماء إلى فرقة أو طائفة دينية أو مذهبية أو عرقية لا يبيح لأحد ممارسة الظلم والعدوان دفاعا عن انتمائه بل العكس تماما هو الصحيح.

العلة التي ضربت وما زالت تضرب العقل العربي هي التعصب الأعمى للجماعة العرقية أو القبلية وهو ما جرى توظيفه بعد ذلك أمويا من أجل إدامة الهيمنة على السلطة من خلال تحويله إلى صراع مذهبي باسم الدين والعقيدة.

لا نعتقد بإمكانية الخروج من نفق التعصب المذهبي المظلم الذي دخلت إليه الأمة الإسلامية بفضل هؤلاء الشيوخ المهووسين مثل ابن تيميه الحراني ما لم تتبدل العقول ويوقن سدنة الهوس الطائفي بعدمية هذا الصراع ويقرروا العودة إلى أصل الإسلام لا إلى فروعه.

الأصل الإسلامي هو قوله تعالى (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[18] وقوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ)[19].

اعملوا ما شئتم واعتقدوا ما شئتم حتى ولو كنا على يقين أن ما يهذي به ابن تيميه لا يعدو كونه خرافات وأضاليل نطق بها شيخ خرف إلا أننا لا نعتقد بصحة ذلك القانون الذي أصدره المماليك (أن من اعتقد رأي ابن تيميه قتل) تماما كما نعتقد أن من الضروري عقد محاكمة ضمير لهذا السفاح على جريمة كسروان وعلى كل الجرائم المشابهة التي ارتكبها المهووسون مذهبيا أو عرقيا.

أما قاعدة السلوك الإنساني التي لا نرضى عنها بديلا فهي قوله تعالى (لا تعتدوا) وهي من المحكم القرآني الذي لا يحتمل التعليل أو التأويل.

يروي نصر بن مزاحم في كتابه عن واقعة صفين أن مالك بن حبيب اليربوعي وكان صاحب شرطة الإمام علي بن أبي طالب ع  قال له: والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا (لمن تخلف عن الإمام). والله لئن أمرتنا لنقتلنهم . فقال علي: سبحان الله يا مال، جزت المدى، وعدوت الحد، وأغرقت في النزع! فقال: يا أمير المؤمنين، لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الأعادي . فقال علي: ليس هكذا قضى الله يا مال، قتل النفس بالنفس فما بال الغشم. وقال: (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً)[20] والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك، فقد نهى الله عنه، وذلك هو الغشم.
الطائفية العنصرية هي البلاء الحقيقي الذي يتعين علينا مواجهته وهي عائق رئيسي في مواجهة التقدم الحضاري والأخلاقي للأمة.

وبينما قطع العالم أشواطا من أجل تجميد خلافاته المذهبية والعرقية والتوحد حول المصالح المشتركة ما زال البعض منا يصر على رفع شعار (وداوني بالتي كانت هي الداء)!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

Arasem99@yahoo.com

‏15‏/10‏/2019

[1] النساء 81.

[2] التوبة 122.

[3] القصص 4.

[4] http://www.elmokhtar.net/modules.php?name=News&file=print&sid=547

 

[5] نقلا عن مجلة الآداب البيروتية يناير 2007

http://critique-sociale.blogspot.com/2007/02/blog-post_3119.html

 

[6]  http://www.etext.org/Politics/MIM/faq/sectarian.html

 

 

[7] القصص 5.

[8] طه 47.

[9] http://critique-sociale.blogspot.com/2007/02/blog-post_3119.html

 

[10] http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8729

 

[11] السلوك في أخبار الدول والملوك ج2 المقريزي.

http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=259&CID=42#s1

[12] http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=25&book=764

[13] السلوك في أخبار الدول والملوك للمقريزي. ج2.

http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=259&CID=42#s1

[14] http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=238&CID=68#s1 العبر في خبر من غبر للذهبي ج4.

[15] الإمامة والسياسة لابن قتيبة 177-178.

[16] المائدة 8.

[17] الأنعام 152.

[18] فصلت 40.

[19] البقرة 190.

[20] الإسراء 33.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق