مكتبة النفيس

عرض كتاب الحاكم بأمر الله تأليف الدكتور أحمد راسم النفيس الآن على (النفيس بوك)

الآن على مكتبة النفيس

الحاكم بأمر الله دكتور أحمد راسم النفيس

عرض كتاب الحاكم بأمر الله

تأليف الدكتور أحمد راسم النفيس

الآن على (النفيس بوك)

رغم أن الدولة الفاطمية حكمت مصر لمدة زادت عن القرنين فقد بقيت معارفنا عن هذه الدولة محدودة للغاية بل وقاصرة على أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله كان إنسانا غريب الأطوار وصل به الحال حسب زعمهم، حد إدعاء الألوهية!!.

الغريب في الأمر أننا لا نكاد نرى اهتماما بتسليط الضوء على هذه الحقبة التاريخية الهامة من تاريخ مصر خاصة وتاريخ المسلمين عامة اللهم إلا بعض السطور والقشور التي ترد هنا أو هناك والتي تكرر عبارات التشويه والتسقيط دون أدنى اكتراث بالبحث والتحقيق والتمحيص.

وعلى سبيل المثال فإن تاريخ الحاكم بأمر الله إن ذكر فلا يذكر إلا مرتبطا بمنعه للملوخية التي هي على ما يبدو عزيزة على قلوب مؤرخي الثريد والملوخية من أصحاب العقول الباذنجان فمن شرب الملوخية وأحبها (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ومن أعرض عنها فالنار مثواه وبئس مثوى الظالمين)!!!.

أما المؤرخ الحلمنتيشي إبراهيم عيسى صاحب متجر (ألف صنف وصنف) للتاريخ والسياسة والحلويات فلم يستنكف أن يخرج على الناس زاعما (أن الحاكم بأمر الله كان يصطحب معه عبدا فحلا يقوم بارتكاب فاحشة اللواط فيمن يتجاوز التسعيرة المقررة من التجار) وهي اسطورة انفرد بها مؤرخ بزرميط، رواها ذو عقل عبيط ممن ابتليت بهم أمتنا المنكوبة في عقلها قديما وحديثا.
هل كانت همة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله قاصرة على حربه على الملوخية بعد (انتصاره في حرب الفراولة)!! أم أنه كان صاحب دور تاريخي عظيم ما زلنا نلمس آثاره حتى يومنا هذا في أرض الواقع؟!.

هذا هو السؤال!!.

لماذا جرى ويجري تشويه تاريخ الفاطميين بعد محو دولتهم من وإزالة آثارها المادية والمعنوية من الوجود؟!.
لماذا يجد المؤرخون المتخصصون صعوبة بالغة في التأريخ لهذه الدولة حتى أن مؤرخا مصريا معاصرا هو الدكتور عبد المنعم ماجد يقول في أحد كتبه (لسوء الحظ لم تصلنا معظم المصادر الأصلية بعد أن بددتها الدولة الأيوبية السنية طواعية والتي قضت على كل ما يتصل بالشيعة فحددت لبيع الكتب التي كانت بالقصر الفاطمي في كل أسبوع يومين وكانت تقذف بعضها إلى جبل المقطم فأصبحت كيمانا تعرف بتل الكتب)[1].

كما يشير الدكتور ماجد إلى أن (الكثير من كتب الفاطميين ظل مستورا عند أتباع المذهب في أماكن متفرقة ومع ذلك فقد تسرب عدد لا بأس به من كتبهم إلى مكتبات الشرق وأوربا وأمريكا ولكن يجب أن نقرر أن عددا كبيرا من المخطوطات الفاطمية الخاصة بالحقبة الفاطمية لا تزال مجهولة ومستورة، كما يتعين علينا توخي الحذر في تلقي المصادر الأصلية عن الدولة الفاطمية في كتب غير شيعية لا سيما ما يكتبه المؤرخون السنة نظرا للعداوة المذهبية التي يكنها أغلبهم للدولة الشيعية وحرصهم على إظهارها بمظهر مزيف كما أنهم لم يكونوا يسمونها بالفاطمية بل يسمونها بالعبيدية نسبة إلى جدهم عبيد الله المهدي رغبة في نفي انتسابهم إلى علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء ولا نجد تاريخ دولة شوه من قبل مؤرخي السنة كما شوه تاريخ الفاطميين)[2].

لم يكن الحاكم بأمر الله ملكا من الملائكة ولا نبيا من الأنبياء لكنه كان بالتأكيد شخصية فذة لعبت دورا بالغ الخطورة والأهمية في تاريخ الأمة الإسلامية بل ونزعم كما سنثبت بعد قليل أنه قدم لهذه الأمة أعظم الخدمات وأجلها، لكن هذا لا ينفي كل ما نسب إليه من عجائب وغرائب ومن بينها حكاية الملوخية الشهيرة.

الحاكم بأمر الله كما يقول عباس العقاد في كتابه (فاطمة الزهراء والفاطميون): أن سيرة الحاكم هي أعجب السير وأوضح السير في وقت واحد. هي أعجبها في موازين النصوص والأوراق وهي أقلها عجبا في ميزان علم النفس الذي لم ينفصل عن التاريخ قط في الكلام عن دولة كما انفصل عنه في الكلام عن ملوك هذه الدولة.

واضح من تطبيق علم النفس (والكلام للعقاد) على أعراض هذا الرجل أنها حالة من حالات الهوس بالأسرار أو الحالات التي تعرف بهوس الغموض.

أصحاب هذه الحالة مستغمضون مولوعون بالأسرار يفرطون في التفاؤل والتشاؤم لإيمانهم بالرموز واعتقادهم أن الغيب يتحدث لهم عن مكنوناته بتلميح من الحوادث والمعاني المزدوجة التي تحمل في طياتها ما ينم عليه ظاهرها للعارفين وإذا غلا الظن بأصحاب هذه الحالة كانت من الحالات التي تختلط بمرض الاضطهاد فيقع في روع المريض أن الناس يضمرون له الشر ويتعقبهم بالتجسس والاستطلاع وينتقم منهم للوهم العارض والشبهة الكاذبة لأنه يصدق كل خبر عنهم غير الخبر الصراح[3].

هذه الأعراض كلها ظاهرة فيما روي عن الحاكم من شتى المصادر ولم يكن الحاكم بمعزل عن البيئة التي تندس فيها الآفات إلى نفس الطفل الناشئ، فقد نشأ في عهد دسائس القصور وسياسة الحريم وتركه أبوه وهو في الحادية عشرة من عمره وأقام على وصايته ثلاثة متنافسين هم المملوك برجوان والقاضي محمد بن النعمان والحسن بن عمار زعيم قبائل البربر من كتامة[4].

أفعاله لا تعالى!!

الحاكم كما وصفه المقريزي في خططه (كان يشتغل بعلوم الأوائل ويُنظر في النجوم وعمل رصدًا واتخذ بيتًا في المقطم ينقطع فيه عن الناس ويقال أنه كان يعتريه جفاف في دماغه فلذلك كثر تناقضه ومن أحسن ما قال فيه بعضهم: كانت أفعاله لا تعالى وأحلام وساوسه لا تؤوّل).

أما ابن خلدون فيقول عن الحاكم: (وكان حاله مضطرباً في الجور والعدل، والإخافة والأمن، والنسك والبدعة. وأمّا ما يرمى به من الكفر، وصدور السجلات بإسقاط الصلوات فغير صحيح، ولا يقوله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم بعض ذلك لقتل لوقته).

الحضارة الفاطمية

ونمضي مع رأي الكاتب الكبير عباس محمود العقاد في حضارة الفاطميين إذ يقول:

وإذا استثنينا الحضارات المصرية الأولى في عهد الفراعنة جاز أن يقال أن حضارة مصر في عهد الفاطميين لم يعرف لها نظير بعد الميلاد ولا استثناء لعهد البطالسة لأنه عهد غلبت عليه الصبغة الأجنبية على الصبغة الوطنية خلافا لحضارة الفاطميين فإن صبغتها المصرية كانت غالبة على كل صبغة، ومن ثم لم تتكرر في وطن آخر على هذه الصورة. وتصدق كلمة الحضارة على كل حضارة تقاس بمقياس الثقافة أو بمقياس الثروة أو بمقياس الشؤون الاجتماعية.

فلم توجد في مكتبة بعد مكتبة الإسكندرية خزائن للكتب كالخزائن التي وجدت في القصر الشرقي وتفاوت تقديرها بين ستمائة ألف ومليوني كتاب وقد كان فيها لبعض الكتب عشرات من النسخ للإعارة أو الاطلاع.

وتنافست القصور في اقتناء الكتب النادرة فكان في كل قصر مكتبة تحتوي عشرات الألوف من كتب الفقه والأدب والرياضة والطب وسائر العلوم.

وأنشئت دار الحكمة ودار العلم، هذه للمتعلمين وتلك للمعلمين وفتحت فيها مجالس المناظرة والمحاضرة يخصص منها قسم للرجال وقسم للنساء وتنقل المناظرة أحيانا إلى قصر الخليفة فيشترك فيها أو يشرف عليها ويأذن لكل ذي رأي أن يدلي برأيه فيها وإن خالف به إجماع الآراء.

وفي عهدهم أصلحت الدواووين ونظمت وسائل الري وأعيدت مساحة الأرض وفكروا في بناء الخزان عند أسوان.

وتقدمت الفنون والصناعات وتنافس الفنانون والصناع في هندسة البناء والنقش على الجدران والحفر على الأحجار الكريمة وشوهدت رسوم على النسيج تحكي اللوحات الفنية في دقة التصوير وجمال التلوين وبلغ فن التصوير البارز والتصوير الغائر غاية ما يبلغه في عصر من العصور وصيغت التماثيل من المعادن والجواهر فأوشكت قيمة المعدن المرتخص أن تناظر قيمة المعدن النفيس بفضل الصناعة والإتقان.

وقد ألف الوصافون إذا بالغوا في وصف العجائب أن يشبهوها بألف ليلة وليلة ولكن عجائب ألف ليلة وليلة كانت كالنسخة المنقولة من ذخائر القصور في تلك الحضارة لولا أن نسخة الحقيقة كانت هي الأعجب والأبدع من نسخة الخيال.

كانت التجارة مددا للصناعة لا ينقطع ولا يزال يعطيها كلما أخذ منها ويحثها على التوسع والمزيد: تأتي السفن من بحار المغرب وبحار الهند والصين بالخامات وتعود ببدائع المصنوعات أو تأتي ببدائع المصنوعات وتعود بما هو أبدع وأغلى دواليك في مواسم العام كله لا تني ذاهبة آيبة على مدى الصيف والشتاء.

وتناظرت محافل الليل ومحافل النهار لا سيما في شهر رمضان وليالي الأعياد وعَوَدَ الخلفاء الشعب أن يستضيفوه ويمدوا له أسمطة ويخرجوا لتحية الناس وتلقي التحية وأصبح الوافدون إلى مصر يحسبونها أمة فرغت للمواكب والمحافل والأسمار.

ولم يكن قصارى ما في تلك المواكب أنها مظاهر لهو وفراغ تعطل فيها الأعمال وتنسى فيها تكاليف المعيشة بل كانت في حقيقتها معارض للفنون والصناعات يسير فيها أصحاب كل فن وصناعى على نظام معلوم ويتقدم كل طائفة نقيبها وأستاذها يترنمون بمفاخر فنونهم وصناعتهم يعلنون عنها ومن هذه المواكب ما بقي إلى اليوم[5] في زفة رمضان والمحمل. لا جرم كانت مصر إبان هذه الحضارة ملتقى الرواد والقصاد وأن تحفل قصور الخلفاء والكبراء بمن يقصدون رحاب ذوي السلطان في كل زمان ومكان وأولهم السياح والشعراء[6].

ذهب المعز وسيفه!!

من ضمن الترهات التي يروجها مؤرخو الملوخية والبامية وما ألذها وأذهبها للعقل إذا اعتمدها الإنسان هدفا يتعين التضحية من أجله والنوم العميق بعد الفوز به أن المعز لدين الله الفاطمي أول خليفة فاطمي وطأت أقدامه مصر سؤل عن نسبه فرفع سيفه ولوح بذهبه… وحاجة كده!!.

ولا أدري من أين جاء هؤلاء البلهاء بهذه الأسطورة السمجة!!.

ولأنهم حمقى لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا يكتمون ويكتتمون ننقل إليهم ما ذكره المقريزي في الخطط:

فلما تغلب الإمام المعز لدين الله أبو تميم معد الفاطمي صارت عساكرها ما بين كتامة وزويلة ونحوها من طوائف البربر وفيهم الروم والصقالبة وهم في العدد كما قيل

ومنهم معد…. ولم تكن جيوشه تعد… ولما لما أوتيه حد… من كل ما يسعد فيه جد….

وحتى قيل أنه لم يطأ الأرض بعد جيش الإسكندر المقدوني أكثر عددا من جيوش المعز فلما قام في الخلافة بعده ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار استخدم الديلم والترك واختص بهم.

وذكر الأمير المختار عبد الملك المسيحي في تاريخه أن خزانة الخاص حملها لما خرج العزيز إلى الشام عشرون ألف جمل خارجا عن خزائن القواد وأكابر الدولة[7].

 

والمعنى أن الدولة الفاطمية كانت قوة عظمى تحكم مصر وما حولها وكانت تمتلك جيشا قويا جرارا (لم يطأ الأرض بعد جيش الإسكندر المقدوني أكثر منه عددا وعدة).

امتلكت الدولة الفاطمية أسطولا جبارا مكنها من الاستيلاء على جزيرة صقلية وهزيمة الروم في عدة معارك فاصلة مما أجبرهم على مصالحة الدولة الفاطمية المصرية وعقد صلح دائم معها.

هذا هو سيف المعز أما ذهبه فسنراه في ثنايا هذا الكتاب بين أيدي المصريين.

 

الهدنة بين الفاطميين والروم

نعود إلى الدكتور عبد المنعم ماجد:

في أعقاب ذلك اتجهت الأمور لعقد مصالحة بين الفاطميين والروم حيث أرسل باسيل إلى الفاطميين رسالة تحمل هذا المعنى.

تم عقد هدنة لمدة عشر سنوات سنة 391هـ/1001مـ وكان من شروط الصلح أن يتمتع الروم في بلاد الفاطميين بالحرية ويسمح لهم بتجديد كنائسهم[8].

ولعل باسيل فكر في نقض الهدنة حين هدم مسجد المسلمين في القسطنطينية فما كان من الحاكم إلا أن أصدر أمرا بهدم كنيسة القيامة سنة 400هـ.

وفي سنة 405هـ أرسل الروم وفدا إلى الحاكم الذي أحسن استقبالهم في قصره فاصطفت العساكر بعددها وأسلحتها وفرش الإيوان في مشهد مهيب[9]

يصف المقريزي المشهد في كتابه (اتعاظ الحنفا): وفي سادس عشر جمادى الآخرة من سنة 405هـ وصل رسول ملك الروم فحشدت له العساكر من سائر الأعمال ووقفوا صفين والحاكم واقف ليراهم‏.‏ وسار الرسول بين العساكر إلى باب الفتوح ونزل ومشى إلى القصر يقبل الأرض في طول المسافة حتى وصل إلى حضرة الحاكم بالقصر وقد فرش إيوان القصر وعلق فيه تعاليق غريبة يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحداً وعشرين عدلا ذكرت السيدة رشيدة بنت المعز أنها كانت في قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعز في جملة أعدال وأن كتاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا: الحادي والثلاثون والثلثمائة من عمل العبيد ديباج خز ومذهب ففرش منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعاً دليلا على عظمته وسعته‏.‏ وعلقت بصدر الإيوان العسجدة وهي درقة مطعمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه فأضاء لها ما حوله ووقعت عليها الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالاً‏.‏ فدخل الرسول وقبل الأرض[10]!!.‏

إنه من دون شك استعراض للقوة والعظمة حمل الروم على إعادة النظر في سياستهم العدائية ضد المسلمين.

سعى الحاكم أيضا للتقارب مع الأبخاز (سكان جورجيا) وكانوا في عداء مع باسيل الثاني الذي أرسل إليهم أسطولا فكاتب جرجس ملكهم الحاكم ليعاونه ويبدو أن خطوات الحاكم الانتقامية جعلت باسيل لا يتحرك.

هذه السياسة السلمية القائمة على اليقظة مع بيزنطة مكنت الحاكم من السيطرة على الشام بصورة تامة وهو ما لم يحدث من قبل حيث كان عرب الشام أعداء للفاطميين حتى بعد استيلاء العزيز على الشام.

وفي أول عهد الحاكم ثار كبير قبيلة طيئ المفرج بن مغفل بن الجراح فأرسل إليه وزيره برجوان جيشا طارده وأسره ثم أطلق سراحه[11].

ثم عاود عرب الشام التمرد لدرجة أنهم هاجموا مدن الساحل التي توجد بها حصون فاطمية واحتلوا المناطق من جنوب الشام إلى الفرما (شرق بور سعيد الآن) وساء الحال لدرجة أن عددا كبيرا من سكانه غير المسلمين خرجوا إلى بلاد الروم واستمر الحال عامان ونصف إلى أن أرسل إليهم الحاكم جيشا نجح في إخضاعهم بقيادة علي بن جعفر بن فلاح بعد أن استفحل خطرهم بدعوتهم عرب الحجاز للتضامن معهم.

كما تمكن الحاكم من أخذ حلب بعد أن استعصت على العزيز بالله[12].

كان الحاكم بأمر الله قد أرسل جيوشه لمساعدة لؤلؤ في مواجهة أبي الهيجاء الذي استعان بالروم لاستعادة حلب ورغم ذلك عاد لؤلؤ لموقف العداء فقطع الدعوة الفاطمية وحارب والي طرابلس من قبل الحاكم لذا شجع الحاكم قبائل بني كلاب المحيطين بحلب على مقاتلة لؤلؤ وابنه مرتضى من بعده مما دفعه للفرار إلى أرض الروم مما فتح الباب لدخول حلب في طاعة الحاكم الذي سارع لإعفاء أهلها من دفع المكوس قائلا: لتعلموا أن ضياء الدولة النبوية قد لمع وظهر وأن حندس الظلام قد انجاب واندثر[13].

ما كاد يتحقق الانتصار الفاطمي حتى انتفض الشام عليهم مرة أخرى وتوحد ضدهم فتصدى لهم جيش الفاطميين بقيادة أنوشتكين أو الدزبري وقد تمكن من هزيمتهم مجتمعين فقتل منهم من قتل وفر بعضهم إلى بلاد الروم[14].

 

كان الفاطميون هم العامل الرئيس الذي حال دون امتداد النفوذ البيزنطي من شمال الشام إلى جنوبه بعد أن نجحوا في فرض حكمهم على المنطقة وأقاموا حاجزا منيعا وقف أمام التقدم البيزنطي واضطرت الإمبراطورية البيزنطية للاعتراف بهذا الحاجز رسميا بمقتضى الاتفاقية التي عقدت بين الإمبراطور باسيل الثاني والحاكم بأمر الله سنة 1001 والتي كانت أول اتفاقية لتنظيم العلاقة بين البيزنطيين والفاطميين[15].

طويت إذا صفحة الغزوة الصليبية الأولى التي شنها المسيحيون الشرقيون على جيرانهم المسلمين بهدنة أبرمها الحاكم بأمر الله مع الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني وهي هدنة بقيت وامتدت وكان لها أثرها الحاسم في تشكيل العلاقة بين مسيحيي الشرق والمسلمين في القرون التي تلت هذه الحقبة التصادمية.

سنرى بعد ذلك في هذا الكتاب كيف وقف الروم البيزنطيون موقفا سلبيا من غزو الفرنج بل وحاولوا عرقلة هذا الغزو أكثر من مرة بل واشتبكوا مع الفرنج أكثر من مرة وهذا الموقف يمثل نقلة هامة وتصحيح لمسار العلاقات بين المسيحية الشرقية والمسلمين من الصراع إلى التعايش وهو الحالة القائمة حتى الآن.

 

 

التسامح المذهبي

يروي ابن خلدون في تاريخه:

رفع إلى الحاكم بأمر الله أنّ جماعة من الشيعة تعرّضوا لأهل السُنَّة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز فكتب في ذلك سجلاً قرىء على المنبر بمصر كان فيه:

أمّا بعد فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم آية من كتاب الله المبين {لا إكراه في الدين} [الآية].

مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه. معاشر المسلمين نحن الأئمة، وأنتم الأمّة. لا يحلّ قتل من شهد الشهادتين ولا يحلّ عروة بين إثنين، تجمعها هذه الأخوّة، عصمَ الله بها من عصمْ، وحرّم لها ما حرّم، من كل محرّم، من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد من العبّاد يستقبح.

يطوى ما كان فيما مضى فلا يُنْشَر، ويعرض عما انقضى فلا يُذْكَر. ولا يقبل على ما مرّ وأدبر من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية أيام آبائنا الأئمة المهتدين سلام الله عليهم أجمعين مهديهم بالله، وقائمهم بأمر الله، ومنصورهم بالله، ومعزّهم لدين الله، وهو إذ ذاك بالمهديّة والمنصوريّة، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفيّة، ليست بمستورة عنهم ولا مطويّة.

يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون. يخمّس في التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربّعون. يؤذّن بحيّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون. لا يسبّ أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف. لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده وإلى الله ربّه ميعاده، عنده كتابه، وعليه حسابه.

ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده. من جميع ما نصّه أمير المؤمنين في سجلّه هذا، وبعد قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون } والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.

إنها (وثيقة الوحدة والتعاون) كتبها الخليفة الحاكم بأمر الله وهي وثيقة لو أعلنت اليوم وطبقت لكانت كفيلة بقطع دابر السجالات والحروب الدائرة الآن بين المسلمين.

ويكفي العمل بتلك تلك العبارة التي وردت في آخر الوثيقة (لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده) لتنهي أي جدل عنيف بين الفريقين ما زال يعلو ويهبط إلى يومنا هذا.

ويكفي أيضا استشهاده بقوله تعالى (عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم) حجة عن الذين لا يكفون عن مجادلة غيرهم وتسفيه آرائهم وعقولهم من دون داع حقيقي لهذا الشقاق.

لا يعني أن المسلم الفقيه أن يبقى صامتا بل يعني أن عليه أن يختار متى يتكلم ومع من يتكلم وأن يوقن أن حساب الخلائق مرده إلى رب الخلائق ورحم الله امرئ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم وسلم مع الناس أجمعين.

كما يهمنا أن نشير لأن الإشكال الواقع بين بعض عوام الشيعة وغيرهم من المسلمين المعتقدين بصلاة التراويح لم يكن ليحصل لولا أن هؤلاء كان بوسعهم أن يفعلوا ما يعتقدون صحته وصوابه في دولة الفاطميين التي يزعم مؤرخو الملوخية والباذنجان الذين سيلحق بهم قريبا خبراء السبانخ الاستراتيجيين أنها كانت تخير المسلمين السنة بين التشيع أو الذبح!!.

 

 

معركة الملوخية: أم المعارك

علينا أن نبارك للأمتين العربية والإسلامية انتصارها الساحق في أم المعارك، معركة الملوخية بنوعيها (الأورديحي وبالأرانب) خاصة في بعدها الإنساني والثقافي.

هذا الانتصار الساحق هو الذي مهد لظهور أبطالها وومخليصها العظام مثل المحامي سيد بنوعيه: ملوخية وسبانخ فضلا عن الداعية الشهير محمود كشري صاحب فتوى وجوب البيعة مدى الحياة لأمير المؤمنين محمد حسني مبارك والآن لخليفته بالحق أمير المؤمنين محمد مرسي العياط.

نفهم أن يتحدث المؤرخون والمفكرون في أي مسألة مستدلين على آرائهم بما ثبت لديهم من وقائع التاريخ، أما أن يختصر تاريخ الفاطميين وتاريخ الحاكم بأمر الله في معركة الملوخية فهذا هو العجب العجاب.

في سنة 395هـ وكما يقول المقريزي في اتعاظ الحنفا ج2 (قرئ سجل في الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية التي كانت محببة لمعاوية بن أبي سفيان والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل‏.‏ وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل والمنع من أكل الدلنيس والمنع من ذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام الأضاحي وما سواها من الأيام لا يذبح منها إلا ما لا يصلح للحرث‏.‏  وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة ويؤذن لصلاة العصر في أول الساعة التاسعة‏.‏  وإصلاح المكاييل والموازين والنهي عن البخس فيهما والمنع من بيع الفقاع وعمله ألبتة لما يؤثر عن علي رضي الله عنه من كراهة شرب الفقاع‏.‏  وضرب في الطرقات بالأجراس ونودي ألا يدخل الحمام أحد إلا بمئزر وألا تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرج‏.‏ ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ولا يصطاده أحد من الصيادين‏.‏ وتتبعت الحمامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهروا)‏.‏

وفي سنة 401هـ (قرئ سجل في الجوامع فيه النهي عن معارضة الإمام فيما يفعله وترك الخوض فيما لا يعنى وأن يؤذن بحي على خير العمل ويترك من أذان الصبح قول‏:‏ الصلاة خير من النوم والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح وإعادة الدعوة والمجلس على الرسم‏.‏ وضرب جماعة وشهروا لبيعهم الملوخية والسمك الذي لا قشر له‏.‏ وقبض على جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا وكبست مواضع ذلك).‏

وفي سنة 402هـ (وتشدد الأمر في الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له‏.‏ وحرق زبيب كثير كان في مخازن التجار وجمع الشطرنج من أماكن متعددة وأحرق‏.‏ وجمع الصيادون وحلفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر ومن فعل ذلك ضربت رقبته وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود‏.‏ ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر بخلعه وقرئ سجله وفيه تشدده في المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له والمنع من الملاهي ومن اجتماع الناس في المآتم واتباع الجنائز والمنع من بيع العسل إلا أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها‏.‏ ومنع من الاجتماع على شاطىء النيل ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال‏.‏ ومنع من بيع العنب وألا يتجاوز في بيعة أربعة أرطال ومنع من اعتصاره فبيع كل ثمانية أرطال بدرهم وطرح كثير منه في الطرقات وأمر بدوسه ومنع من بيعه ألبتة وغرق ما حمل منه في النيل‏.‏ وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه وبعث بذلك إلى عدة جهات‏.‏ وتتبع من يبيع العنب واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه فاتفق أن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيق فقال له‏:‏ من أين أقبلت قال من أرض الله الضيقة‏.‏ فقال‏:‏ يا شيخ أرض الله ضيقة فقال‏:‏ لو لم تكن ضيقة ما جمعتني وإياك على هذا الجسر‏.‏ فضحك منه وتركه‏).‏

لم يكن منع الناس من أكل الملوخية شأنا منفصلا عن السياسة الصارمة لمنع الرذائل الأخلاقية (وإن لم يكن أكل الملوخية أو حتى شربها رذيلة!!)، فالثابت أنه كان ثمة تشدد في قضايا أهم وأخطر مثل المنع من صناعة النبيذ من العنب ومنع شرب الفقاع أو البيرة أو (السوبيا) التي تباع الآن في مصر جهارا نهارا وعلى الطرقات.

أما عن السمك الذي لا قشر له (مثل القراميط وثعبان البحر) فهو محرم في فقه أهل البيت عليهم السلام لتوافر روايات النهي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.

عن محمد بن مسلم قال: أقرأني أبو جعفر عليه السلام شيئا من كتب علي عليه السلام فإذا فيه أنهاكم عن الجري والزمير والمارماهي والطافي والطحال قال: قلت: يا ابن رسول الله يرحمك الله إنا نؤتى بالسمك ليس له قشر؟ فقال كُل ما له قشر من السمك وماليس له قشر فلا تأكله.

والشيء المؤكد أن هذه الأسماك ليست سمكا بل هي حيوانات بحرية تعيش في الماء وأن ذلك النوع المعروف بالجري هو حيوان سام يسمى بالإنجليزية Catfish أي قط السمك ودونكم ذلك البحث المنشور عنه في أحد المجلات العلمية لمن أراد أن يستزيد.

 

[1] ظهور الدولة الفاطمية وسقوطها. د عبد المنعم ماجد. ص15.

[2] المرجع نفسه ص 16.

[3] العقاد: فاطمة الزهراء والفاطميون ص 132-133.

[4] نفس المصدر ص 133.

[5] كان هذا قبل ستين عاما في عصر عباس العقاد وقبل أن تجهز الوهابية على ما تبقى من بقايا التراث الفاطمي الشعبي.

[6] فاطمة الزهراء والفاطميون عباس محمود العقاد. 137-139.

[7] خطط المقريز ج1 ص 152.

[8]  د عبد المنعم ماجد قيام الدولة الفاطمية وسقوطها. ص 125.

[9] نفس الصدر ص 126.

[10]  اتعاظ الحنفا للمقريزي ج2 ص 107-108. ط المجلس الأعلى للبشئون الإسلامية. مصر.

[11] نفس المصدر ص 127.

[12]  نفس المصدر ص 128.

[13]  المصدر السابق ص 129.

[14]  المصدر السابق ص 130.

[15]  مقدمات العدوان الصليبي على الشرق العربي

الإمبراطور يوحنا تزيمكس وسياسته الشرقية 969-976مـ, د عمر كمال توفيق ط2 1967 دار المعارف. ص 167- 173.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق