مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: عمرو وأبو موسى والإسلام السياسي!! اخلع أنت لكنني لن أخلع!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: عمرو وأبو موسى والإسلام السياسي!! اخلع أنت لكنني لن أخلع!!

هذا هو ملخص الاشتباك الدائر الآن بين من يطالبون الشيعة بفك الارتباط بين الديني والسياسي.

من بين المصطلحات التي ابتلينا بها تزامنا مع تكرار مطالبة بعض السذج بما يسمى بالعلمانية، مصطلح الإسلام السياسي وكأن هناك إسلام سياسي وآخر ليس بسياسي وهي مزحة سخيفة وسمجة!!.

ليس الإسلام فقط هو الذي لا يمكن تفكيكه إلى سياسي وغير سياسي بل المسيحية أيضا –في ثوبها الأصلي- التي قال نبيها عيسى عليه السلام (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا.  فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا).

أما عن التدين اليهودي السياسي الذي يرفع راية أرض الميعاد ويسعى لإقامة مملكة الرب فالأمر واضح وجلي ولا أدري لماذا يطلب من المسلمين وحدهم التعري وخلع إسلامهم السياسي والركض وراء ما يسمى بالمصالح واعتبار ذلك عين الحكمة والصواب!!.

لا يعني كلام نبي الله عيسى أنه جاء رافعا راية الحرب فأحد من الأنبياء لم يفعل هذا بمن فيهم نبينا محمد بن عبد الله الذي انقسم العالم من حوله فلم يجد الجاحدون وسيلة لإسكاته سوى السيف ولم يكن من خيار لديه سوى الدفاع عن النفس (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).

أما الزعم أن عيسى عليه السلام جاء رافعا راية الفصل بين الدين والسياسة استنادا لقوله عليه السلام (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) فلا تعدو كونها مغالطة كبرى.

النص الوارد في إنجيل متى يقول: (ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ قَوْمًا مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْهِيرُودُسِيِّينَ لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكِلْمَةٍ فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟ نُعْطِي أَمْ لاَ نُعْطِي؟» فَعَلِمَ رِيَاءَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟ اِيتُونِي بِدِينَارٍ لأَنْظُرَهُ». فَأَتَوْا بِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» فَقَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ».  فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ». فَتَعَجَّبُوا مِنْه)ُ.

المعنى الواضح من هذا الحوار أن اليهود الخبثاء أرادوا جر المسيح عليه السلام لصدام مع القيصر رغم أن هذا لم يكن من أولوياته فجل همه كان موجها لمحاربة الوثنية بأشكالها المختلفة وعلى رأسها عبادة الدنيا والمال والتشبث بها ولو على حساب العدل والتراحم الإنساني.

من الناحية الواقعية فالانتماء الديني ومن ثم الأخلاقي كفيل باندلاع المواجهة ليس فقط بين السلطة الزمنية المتجبرة وما تفرضه على الناس من تصرفات منافية للخلق القويم وبين من يرعى كلمة الله ويعطي كل ذي حق حقه ولو ضمن الأسرة الواحدة.

لو قرأنا سورة البروج سنرى أن السلطة المتجبرة لم تنقم من هؤلاء إلا إيمانهم بالله العزيز الحميد (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)، فالقوم لم يؤسسوا حزبا ولا سعوا لاستلام السلطة ولم تتجاوز جريمتهم سوى الانتقال من الإسلام الفردي إلى الإسلام الجمعي (ولا نعني به جماعة الإخوان!!!).

لماذا أعلنت الحرب على نبي الله لوط ولماذا طالبت (الجماهير) بنفيه؟!.

هل لأنه شكل حزبا سياسيا أو قرر تزعم دولة؟!.

(وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).

الذين يطالبون بالفصل بين الشأنين الديني والسياسي يتجاهلون حقيقة بالغة الأهمية وهو أن الشأن القيمي والأخلاقي لا يقل أهمية عن إدارة أمور الناس أو إعلان الحرب وعقد المعاهدات وأن الدور غير المعلن لأي نظام سياسي في إقامة العدل الاجتماعي أكبر بكثير من الدور المعلن.

القيم الأخلاقية المجردة مثل العدالة ترتبط ارتباطا وثيقا بما يسمونه سياسة ويكفي أن تكون رسالة موسى عليه السلام التي بعث بها إلى فرعون (أن أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم)، بدلا من أن يدعوه مباشرة لعبادة الله وتوحيده!!.

العدالة ليست فقط نظام قانوني تقوم الدولة بإنفاذه فهو أيضا نظام معنوي يرتكز على قوامة الضمير الإنساني الذي يخضع بدوره للرقابة الإلهية ولا يمكننا أن نتصور أبدا أن عدالة كاملة يمكنها أن تنهض دون منظومة أخلاقية تحصنها وترعاها بعيدا عن القيم الدينية.

يقول الكاتب الروسي الكسندر سولجنيتسين: ظهور كاتب عظيم في بلد كظهور حكومة ثانية. وذلكم هو السبب في أنه لم يوجد البتة نظام سياسي أحب الكتاب الكبار، وإنما اقتصرت محبته على الصغار.

وإذا كان ظهور كاتب كبير أو عظيم في بلد ما ينظر إليه كحكومة منافسة، فما بالك بدور الدين الذي يتربع على قمته نبي من أنبياء الله بكل ما يحمله من ثقل معنوي وأخلاقي مستمد من ارتباطه بخالق الكون سبحانه وتعالى.

كان من المتعين أن يجري تدقيق مصطلح (الإسلام السياسي) الذي درج على الألسنة قبل استخدامه عشوائيا وبلا تبصر وأن توصف تلك الجماعات الإرهابية الوهابية بوصف مغاير بدلا من تعميم المصطلح الزائف وتقسيم الإسلام إلى قسمين سياسي ولا سياسي وكأنها أضحت حقيقة ثابتة!!.

هي جماعات وهابية إرهابية إجرامية!! اختر أي إسم شئت!!.

العدالة واحدة من أسمى المعاني وهي ليست مجرد قوانين تطبقها الشرطة والقضاء بل هي نظام قام على أساسه الكون بأسره وإذا اختلت اختل النظام الاجتماعي والدولي بل والنظام الطبيعي الذي يحفظ وجود الحياة على هذه الأرض.

كيف يقال أن مفهوم العدالة يتعين فصله عن النظام السياسي وأي نظام سياسي يبقى لنا إذا جرى التغافل عن العدالة؟!.

عندها فقط يتحول الوجود الإنساني إلى عالم الوحوش حيث يأكل القوي الضعيف، فلا دين ولا دنيا ولا سياسة.

التوظيف السياسي للدين

يعرف الجميع أن الزعيم المصري الراحل أنور السادات هو من أطلق العنان لجماعة الإخوان وأنه استعان بهم لمواجهة عدوهم المشترك، رجال عبد الناصر!!.

شتان بين (أطلق العنان لهم) وبين (صنعهم) كما يردد المنحازون للناصرية المصابون بالكسل العقلي!!.

حتى انقلاب 1952 الذي انفرد ناصر بزعامته منذ عام 1954 كان ثمرة تزاوج بين الديني والسياسي وعلاقة سرية بين الزعيم القومي فيما بعد، الاشتراكي فيما بعد البعد وجماعة الإخوان المسلمين المطالبين بالدولة الإسلامية!!.

كيف يقال أن عبد الناصر والسادات كانا من المطالبين بالفصل بين الدين والسياسة؟!.

حظي السادات بدعم الإخوان ضد رجال عبد الناصر كما حظي بدعمهم في مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان إلا أنهم لم يتوافقوا معه حول الموقف من اتفاق كامب ديفيد، ناهيك أن المسافة الفاصلة بينه وبين (التيارات الإسلامية) قد اتسعت حول هذا الملف ولم تعد الساحة تحت هيمنة الإخوان وحدهم بل برزت مجموعات أخرى مثل الجماعة الإسلامية والجهاد وووو!!

عندها أطلق السادات عبارته المشهورة: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين!!.

نموذج واضح لا تخطئه عين لتوظيف الشعار خدمة لرؤية سياسية ضيقة وبعد أن كانت جماعة الإخوان ومشتقاتها ركنا من الأركان الداعمة للنظام تحولت إلى خصم وجرى اعتقال كوادرها في سبتمبر 1981 والأزمة التي تلتها وهي أزمة لم تنته إلا بقتل السادات وبدء عهد جديد برئاسة حسني مبارك أي أنهم تخلصوا من الآثار السلبية للاتفاق لينتقلوا إلى عهد جديد… على بياض كما يقولون!!.

الإسلام السياسي الشيعي

ليس لدينا تاريخ محدد لبروز مصطلح الإسلام السياسي (السني) ويقصد به الإسلام (الجماعاتي) وهو مصطلح صكه كاتب هذه السطور فالإسلام (السني) تأسس على قاعدة السمع والطاعة (لولي الأمر) بدءا من أبي بكر مرورا بابن أبي سفيان وصولا إلى الأسر الحاكمة الآن في العالم العربي.

فجأة ظهرت جماعة الإخوان ومعها ادعاءاتها العريضة ومن بينها إعادة إنشاء الأمة الإسلامية ولا شك أن (الفضل) في هذا الاختراع يعود إلى سيد قطب!!.

مؤخرا بدأ البعض وفي جرأة يحسد عليها يتحدث عن الإسلام السياسي بشقيه (السني والشيعي)!!.

المقصود قطعا هو حزب الله وهو في جوهره منظمة نهضت بمهمة مقاومة الاحتلال في لبنان أولا ومن الطبيعي أن يكون لذلك تبعات سياسية واجتماعية شأنه شأن أي حزب من الأحزاب الكبرى في العالم إلا أن أحدا لم يزعم أنه يدعو لإعادة إنشاء لأمة لا إله إلا الله أو أنه الحزب الوحيد الذي فهم الإسلام فهما صحيحا شاملا كاملا مثلما تزعم جماعة الإخوان.

 

المعضلة التي تواجهنا هنا لا ترتبط بقيمة المفهوم الديني، بل بسبب من يدعي أنه الأقدر على تطبيقه، حيث يرى من يسمون أنفسهم بالإسلاميين أنهم الأجدر والأعلم بمفاهيم الدين وأنهم وحدهم المدافعون عنه وعن قيمه ويطلبون من الآخرين التنحي وإخلاء الساحة لهم والثمرة الوحيدة التي أنتجها هؤلاء حتى هذه اللحظة هو مزيد من الخراب والدمار كما نرى الآن بأم أعيننا في سوريا وليبيا.

في مصر التي اشتغل عليها الوهابيون منذ إقامة الدولة الوهابية الثالثة بداية القرن العشرين تمهيدا للانقضاض على أسرة محمد علي عبر اختراقها بتنظيم الإخوان وتوابعه ووصف مؤسسها بالعلمانية واللا دينية أي أن الدولة الوهابية استخدمت جماعة الإخوان كحصان طروادة لنيل ثأرها التاريخي ممن قضى على دولتهم الأولى ليس إلا!!.

دعك إذا من الشعارات الفضفاضة التي رفعها الإخوان الوهابيون في مواجهة محمد علي باشا قاهر الوهابيين ووصفه بمؤسس العلمانية وهي شعارات لا تختلف شيئا عن الشعارات التي رفعت لحشد المقاتلين ضد الاتحاد السوفيي في أفغانستان أو ضد النظام السوري الآن، إذ لا يليق بنا أن نصبح مجرد مكبرات للصوت تنقل ما يخترعه الوهابيون من شعارات حتى وإن كنا نحتفظ بحقنا في تعديلها أو تحويرها مثلما يفعل (البلهاء منا).

دكتور أحمد راسم النفيس

‏18‏/01‏/2020

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق