مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: نقد العقل العربي: برنارد لويس وتقسيم العالم الإسلامي!!

نقد العقل العربي: برنارد لويس وتقسيم العالم الإسلامي!!

فليسامحني القارئ الكريم على نقدي الموجه للعقل (العربي)، ذلك العقل الذي يفكر على الطريقة العربية ولو كان اللسان يتكلم بلغة مغايرة.

العقل العربي يبدأ عادة من نقاط ثابتة مثل (إنتهاء الكيان السياسي للدولة العثمانية) معتبرا ذلك (قضاء على الوحدة الإسلامية) التي مثلتها (الخلافة العثمانية) ثم يؤسس عليها محاولا تفسير مسار التاريخ بصورة تلفيقية وبأثر رجعي إذ يتوقف عند نقطة بعينها ولا يتجاوزها، رغم أن من الحتمي على العقل السوي أن يراجع القضية برمتها منذ البدء.

هل كانت هناك وحدة إسلامية حقيقية أنجزها السلاجقة على أساس المساواة بين المسلمين؟!، أم أنها كانت دولة سلطوية تمارس القمع والإرهاب وإبادة المخالفين في الدين (الأرمن مثلا) أو في المذهب مثل الشيعة؟!.

الجواب لا وألف لا.

هل أقامت الدولة العثمانية نظاما يرفع أو حتى يتاجر بشعارات إسلامية مثل الخلافة أم أنها كانت سلطنة دنيوية متغلبة رفعت شعار الخلافة متأخرا في محاولة لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه بعد فوات الأوان؟!.

الجواب هو الثاني.

متى سقطت (الخلافة) التي ما زال البعض يتغنى بها؟!.

هل كان هذا يوم أن أعلن أتاتورك فك الارتباط مع الدول التابعة أم يوم دخل التتار إلى بغداد سنة 656هـ وقاموا بطرد فلول العباسيين منها، وهل هناك عاقل يصدق أن هذه الخلافة بقيت في القاهرة حتى دخول الغز السلاجقة إليها؟!.

يتداول البعض تسجيلا لأحد الشخصيات المصرية يلقي فيه باللائمة على إعلامنا العاجز عن توعية الناس بالأخطار المحدقة بهم مبديا دهشته لأن (شبابنا لا يعرف شيئا عن وثيقة برنارد لويس لتقسيم العالم الإسلامي التي أقرها الكونجرس الأمريكي عام 1983)!!.

ولمن لا يعرف برنارد لويس فهو مؤرخ يهودي بريطاني ولد عام 1917 ثم انتقل في أواخر عمره ليصبح مستشارا لجورج بوش الإبن قبيل وفاته عام 2018 عن 101 عام.

أن يولد الرجل عام 1917 يعني أنه لم يساهم في صياغة وعد بلفور الذي صدر نفس العام ولا في اتفاق سايكس بيكو الذي أبرم بعد عدة أعوام!!.

ولأن الرجل يهودي فهذا يعني أنه ليس مطالبا أن ينظر للإسلام بمودة وحب أو أن ينتفض مدافعا عنه بالحق أو بالباطل على طريقة الدبة التي قتلت صاحبها تأسيا بالشيخ القرضاوي الذي قدم الشكر والامتنان لأمريكا والناتو على تمزيق ليبيا مطالبا إياها أن تكرر فعلتها السوداء في سوريا (والأجر والثواب عند الله ثم أمير قطر)!!.

لاحظ أننا استخدمنا (ثم) بدلا من الواو تجنبا للوقوع في شرك التوحيد!!.

ولاحظ أيضا أن العقل الوهابي يراك مستحقا لدخول النار بسبب (واو) ولا يرى حرجا في إحراق أمة لا إله إلا بالله بنيران الناتو ويعد ذلك اجتهادا يثاب فاعله بأجر واحد إن أخطأ وأجرين إن أصاب!!.

العقل العربي يبحث دوما عن حلول سهلة للمعضلات الفكرية والسياسية تضمن عدم توجيه أي اتهام لسلفهم (الصالح) أو تحميلهم أي مسئولية عن استقرار الأمة في الدرك الأسفل بين الأمم وعجزهم عن مواجهة  مسلسل النكبات التي يعانون منها باعتبارها حوادث طارئة ناجمة عن التآمر الغربي عليهم!!. ليس إلا!!.

لماذا وقع السادات في فخ الكامب؟!

وفقا (للعقل العربي) فالمشكلة تتلخص في أن الرجل كان لديه طائرة خاصة، قرر في ليلة غبراء أن يصعد بها إلى السماء ليمارس التفكير في الفضاء (على رواق) فركبها وقال للطيار (طير يا أسطى… على فين يا ريس؟! طير يا اسطى لحد الصبحية طير وخلاص وسنعرف فيما بعد إلى أين نحن ذاهبون)!!.

المعنى أن العرب لا يعرفون معنى التخطيط ولا إلى أين هم ذاهبون ودليل ذلك هو زعمهم أن (خطة أو وثيقة برنارد لويس) غيرت مسار التاريخ وحبذا لو استعادت ذاكرتهم كلام هيكل الذي قال فيه أن نابليون بونابرت هو مؤسس إسرائيل، (ربما كان له إسهام ما في التأسيس!)، أما إذا قلنا نحن أن التأسيس العملي للكيان الصهيوني بدأ مع إسقاط الدولة الفاطمية تزامنا مع الحملات الصليبية فكلامنا لا يؤبه له ومطرب الحي لا يطرب ولن تجد أحدا يهتم بنشر كتابك إلآ إذا قررت أنت أن تتحمل كامل المسئولية باعتبار أننا نعيش في عالم يرفع شعار (ذنبه على جنبه).

عقلية الصُرة!!

ولأننا صدقنا أن هناك وثيقة صادق عليها الكونجرس وأنها تلك التي غيرت المسار رغم أن التآمر والتدمير الذاتي مستمر ومتواصل منذ يوم السقيفة يلتهب أحيانا ويبرد أحيانا أخرى وربما يتوقف ويبقى تحت الرماد لأننا لسنا كلنا موتى فنحن نفكر بعقلية الصُرة التي غيرت وجه التاريخ ومساره.

يقولون أن العثمانيين السلاجقة القتلة المجرمين الذين تشهد عليهم الآن أفعالهم في سوريا سقطوا بسبب تآمر يهود الدونمة عليهم (فقط لا غير)!!.

والسلطان عبد الحميد فكان من الصحابة لأنه رفض عرضا قيمته كذا وكذا للقبول بإقامة إسرائيل، لذا أسقطوه!!.

لا بأس أن نشير إلى أن وجهة النظر هذه تتبناها بعض المراكز العلمية غير الإخوانية ومفادها أن دولة السلاجقة سقطت بسبب دفاعها عن الإسلام والمسلمين!!.

قد يكون بعض ذلك صحيحا إلا أن هذا لم يكن سبب فناء العثمانيين ففي هذه المرحلة سقطت مصر في براثن الاحتلال البريطاني بالتواطؤ مع هؤلاء الأوباش ليس فقط لأنهم لم يحركوا ساكنا بل لأنهم باركوا الغزو!!.

في العام 1805 وافق الأوباش العثمانيون على بيع مصر لمحمد بك الألفي مقابل صرة من الذهب (ألف وخمسمائة كيس) حيث تمت المفاوضات بوساطة الإنجليز والقصة ذكرها الجبرتي في تاريخه.

على مستوى التجربة الذاتية فقد تعلمنا من الإخوان أن سقوط دولة السلاجقة كان سقوطا للإسلام ذاته قبل أن يتمادى بهم الهوس ليصبح إعادة الخلافة العثمانية واجبا شرعيا يتعين على كل مسلم أن يقوم به عبر الانضمام للجماعة ومبايعة إمامها الذي تبين مؤخرا أنه رجب طيب أردوجان الذي هو أيضا إمام داعش الحقيقي وليس ذلك الشيء المسمى أبو بكر البغدادي الذي كان مجرد واجهة حيث يخوض (أبو بكر الأردوجاني) إحدى آخر معاركه الآن في إدلب!!.

ليس هناك سبب واحد للذلة والمسكنة التي يعيشها العالم الإسلامي الآن بل هناك أسباب من ضمنها قطعا التآمر الاستكباري على وجودهم ومصالحهم الذي بنى جهده على الاستفادة من تآمر بعضهم على بعض وكيد بعضهم لبعض وليس هناك أوضح من صفقة القرن التي لولا دور بعض من ينتمون للعروبة والدين لما رأت النور ولما تمكن الصهاينة من إقامة دولتهم والحفاظ عليه لأكثر من سبعين عاما.

التآمر الصهيوني الصليبي على عالمنا الإسلامي قديم وطويل ممتد إلا أننا نحن من قدم له الفرص والأعوان وقلنا له هيت لك وهو أوسع وأكبر مما يدور في تخيلنا!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏07‏/02‏/2020

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق