Uncategorized

المماليك البحرية والظاهر بيبرس: القاتل الذي قتل نفسه!!

المماليك البحرية والظاهر بيبرس: القاتل الذي قتل نفسه!!

 

عرفت هذه الجماعة من المماليك بالبحرية نظرا لسكناهم في قلعة الروضة التي أنشأها الصالح أيوب في جزيرة الروضة بنيل القاهرة تجاه مدينة الفسطاط وأنفق فيها أموالاً جمة وأسكن بها ألف مملوك من الترك سماهم البحرية.

 

شارك المماليك البحرية ومنهم بيبرس البندقداري في قتل الملك المعظم توران شاه (آخر السلاطين الأيوبيين) ثم تولية عز الدين أيبك الذي قتل في )معركة القباقيب الشهيرة(!! بيد (سيدة مصر الأولى آنئذ) شجر الدر سنة 655هـ وفي تلك الفترة أحدث هؤلاء كما هائلا من الفساد واشتدت شوكتهم قبل أن يقتل كبيرهم فارس الدين أقطاي بيد عز الدين أيبك سنة 652هـ فهرب أكثرهم إلى الشام.

في سنة 557هـ تولى الملك المظفر سيف الدين قطز السلطنة فصالح المماليك البحرية الفارين إلى الشام وأعادهم إلى مصر ومن بينهم بيبرس البندقداري الذي كان له دور مشهود في معركة عين جالوت 658هـ التي هزم فيها التتار.

بعد فراغ سيف الدين قطز من حرب التتار بدأ في ترتيب أحوال البلاد فخرج في شوال يريد مصر فبلغه تنكر الأمير بيبرس له وعزمه على محاربته ‏فخاف منه وأضمر له السوء وسار إلى مصر‏ واحترس كل منهما من الآخر وتربص به.‏

اتفق بيبرس مع جماعة من الأمراء على قتل قطز فلما وصل إلى مصر طلب منه امرأة من سبي التتر فأنعم بها عليه‏ فأخذ يده ليقبلها وكانت إشارة بينه وبين الأمراء‏ الذين‏ بادروه بالسيوف فقتلوه في شهر ذي القعدة فكانت مدة ملكه أحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً‏..‏

كان ركن الدين بيبرس البندقداري تركيا اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب وترقى في خدمته فلما قتل قطز اتفق الأمراء على سلطنة الأمير بيبرس‏ وتلقب بالملك الظاهر ثم توجه إلى القلعة فتسلمها ليلة الاثنين 19 ذي القعدة سنة 668هـ.

تميزت حقبة الظاهر بيبرس التي دامت قرابة سبعة عشر عاما بالاستقرار وارتفاع منسوب العدل وانخفاض منسوب الظلم مقارنة بالفترات السابقة واللاحقة حيث كان العصر المملوكي من أسوأ العصور في التاريخ الإسلامي بأسره نظرا لكثرة الاضطرابات والقلائل والصراعات بين المماليك وإهمال شئون البلاد والعباد.

اهتم الظاهر بيبرس بإعمار البلاد حيث أمر بعمارة القناطر وأمر بعمارة أسوار الإسكندرية وبنى بثغر رشيد برجا لمراقبة البحر‏.‏ وفي عصره أمر بردم فم ميناء دمياط فخرج جماعة الحجارين وألقوا فيه القرابيص حتى تمتنع السفن الكبار من دخوله وبقي الميناء مغلقا حتى إحياؤه نهاية القرن العشرين كما اهتم بتطهير الترع والقنوات التي أهمل صيانتها في الفترات السابقة ومن بينها بحر أشموم فأحضر الولاة وأزال منه الأطيان المتراكمة حتى رد إليه الماء‏.‏

كما أمر بعمارة ما خربه التتار من قلاع الشام‏ ومن بينها قلعة دمشق فعمرت ونظفت خنادقها ووسعت أبراجها وشحنت بالعدد وجرد إليها المماليك والأجناد وخزنت بها الغلات والأزواد,‏ وبنى مشهداً في عين جالوت عرف بمشهد النصر‏.‏

ورتب السلطان البريد في سائر الطرقات حتى صار الخبر يصل من قلعة الجبل إلى دمشق في أربعة أيام ويعود في مثلها‏ فصارت الأخبار ترد إليه مرتين في الأسبوع وأنفق في ذلك مالاً عظيماً حتى تم ترتيبه‏.‏

ونظر في أمر السفن الحربية وكان أمر الأسطول قد أهمل بمصر‏ وأنشأ عدة سفن بدمياط والإسكندرية ونزل بنفسه إلى دار الصناعة ورتب ما يجب ترتيبه وتكامل عنده ببر مصر ما ينيف على أربعين قطعة كبيرة وعدة كثيرة من الحراريق والطرائد ونحوها‏.‏

كما اهتم السلطان بأمر المياه وأحضر الرجال لحفر الآبار‏.‏

كما أمر بتنصيب أربعة قضاه نواباً لقاضي القضاة تاج الدين‏‏ ابن بنت الأعز فاستناب حنفياً ومالكياً وشافعياً ولم يجد من يستنيبه من الحنابلة فولى نائباً حنبلياً‏.‏

كما اهتم بعمارة الحرمين الشريفين حيث جهز جماعة من البنائين والنجارين والنشارين والعتالين وعدة أخشاب وغيرها من الآلات برسم عمارة الحرم النبوي‏ وعملت كسوة الكعبة على العادة وحملت على البغال وطيف بها في القاهرة ومصر وركب معها الخواص وأرباب الدولة والقضاة والفقهاء والقراء والصوفية والخطباء والأئمة‏.‏

وفي سنة 662هـ رتب‏ بمدينة الخليل السماط والرواتب للمقيمين والواردين وكان قد بطل ذلك من مدة أعوام كثيرة‏.

كما كان الظاهر بيبرس مهتما بتفقد أحوال الرعية حيث سار إلى الغربية منفردا في خفية يسأل عن والي الغربية الأمير بن الهمام وعن سيرة نوابه وغلمانه ومباشريه فذكرت له عنه سيرة سيئة فقبض عليه وأدبه وأقام غيره.‏

ورفعت إليه شكوى بأن على باب المشهد الحسيني مسجدا بجواره موضع من حقوق القصر قد بيع بستة آلاف درهم حملت إلى الديوان‏ فأمر بردها وعمل الجميع مسجدا وأمر بعمارته.‏

وفي يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر‏665هـ :‏ أقام الجمعة بالجامع الأزهر من القاهرة وكانت قد بطلت منه منذ ولي قضاء مصر صدر الدين عبد الملك بن درباس عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وقد ظل كذلك إلى أن سكن الأمير عز الدين أيدمر الحلي بجواره فانتزع كثيرا من أوقاف الجامع كانت مغصوبه بيد جماعة وتبرع له بمال جزيل وأطلق له من السلطان مالا وعمر الواهي من أركانه وجدرانه وبيضه وبلطه ورم سقوفه وفرشه واستجد به مقصورة وعمل فيه منبرا ‏.‏

ثم ذهب إلى الحج سنة 667 هـ ووصل إلى المدينة النبوية وأحرم منها فدخل مكة وسار وحده لا يحجبه أحد وهو منفرد وسط الخلائق.‏

كما كان حريصا على إراقة الخمور وإزالة المنكرات.‏

وفاته: كانت وفاته يوم الخميس 17 محرم سنة 676هـ وقد تجاوز الخمسين سنة ومدة ملكه سبع عشرة سنة وشهران واثنا عشر يوما وقيل في سبب ذلك أنه شرب سما كان قد أعده لقتل أحد منافسيه. ‏

ينقل المقريزي عن الشَّيْخ قطب الدّين اليونيني فِي تَارِيخه: إِن الظَّاهِر كَانَ مُولَعا بِعلم النُّجُوم فَقيل لَهُ أَنه يَمُوت بِدِمَشْق فِي سنة سِتّ وَسبعين هَذِه ملك بالسم فاهتم من ذَلِك فَلَمَّا دخل مَعَه إِلَى بِلَاد الرّوم الْملك القاهر بهاء الدّين عبد الْملك بن الْملك الْمُعظم عيسي بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب أبلي فِي المصاف بلَاء عَظِيما أنكي بِهِ الْعَدو وتعجب النَّاس لعظم شجاعته فأثر ذَلِك عِنْد السُّلْطَان.

وَاتفقَ أَن السُّلْطَان كَانَ مِنْهُ ذَلِك الْيَوْم فتور وَظهر عَلَيْهِ الْخَوْف والندم على مَا فعله من تورط نَفسه وعساكره بِبِلَاد الرّوم فَأنْكر عَلَيْهِ الْملك القاهر وقبح فعله فَأسر لَهُ السُّلْطَان ذَلِك إِلَى أَن قدم فِي دمشق فَسمع السُّلْطَان النَّاس تلهج مِمَّا فعله الْملك القاهر فِي وَقت المصاف فَاشْتَدَّ حنقه وَأخذ يتحيل فِي سمه ليَصِح فِيهِ مَا دلّت عَلَيْهِ النُّجُوم من موت ملك بِالشَّام فَإِنَّهُ يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْملك فَعمل دَعْوَة لشرب القمز[1] حضرها الْملك القاهر وَقد أعد السُّلْطَان سما من غير أَن يشْعر بِهِ أحد. وَكَانَ لَهُ ثَلَاث هنابات تخْتَص بِهِ مَعَ ثَلَاثَة سقاة لَا يشرب فِيهَا غَيره أَو من يُكرمهُ فيناوله أَحدهَا بِيَدِهِ فَلَمَّا قَامَ الْملك القاهر لقَضَاء حَاجته جعل السُّلْطَان السم الَّذِي أعده فِي هناب وأمسكه بِيَدِهِ فَلَمَّا عَاد الْملك القاهر نَاوَلَهُ إِيَّاه فَقبل الأَرْض وَشرب جَمِيع مَا فِيهِ وَقَامَ السُّلْطَان لقَضَاء حَاجَة وَأخذ الساقي المناب من يَد الْملك القاهر وملأه على الْعَادة من غير أَن يشْعر بِمَا عمله السُّلْطَان من السم فِيهِ وأمسكه بِيَدِهِ ووقف مَعَ السقاة فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان من الْخَلَاء تنَاول ذَلِك المناب بِعَيْنِه وَشرب مَا فِيهِ وَهُوَ لَا يعلم إِنَّه المناب المسموم فعندما شربه أحس بالتغير وَعلم إِنَّه قد شرب بقايا السم الَّذِي كَانَ فِي المناب فتقيا فَلم يفد وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى مَاتَ[2].

(مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ).

دكتور أحمد راسم النفيس

‏26‏/05‏/2020

[1] حليب الخيل.

[2] السلوك للمقريزي ج1 ص 103.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق