مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: بين السيد عمر مكرم ومحمد علي باشا

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: بين السيد عمر مكرم ومحمد علي باشا

 

 

في إحدى الفضائيات أنكر المتحدث الشهير الدور الذي قام به نقيب الأشراف السيد عمر مكرم في تنصيب محمد علي واليا على مصر زاعما أن الأمر كله كان صناعة فرنسية.

إن هذا الإنكار والجحود يدفعنا للتساؤل عن الكيفية التي يجري بها تداول التاريخ المصري في بورصة السياسة الإقليمية وكيف تحاول بعض النظم عبر وسائل إعلامها تزوير التاريخ المصري وشراء تاريخ لها تارة عن طريق توظيف الورقة القومية وتارة أخرى باستخدام الدعاية العقائدية والهدف في النهاية هو تخريج طبقة خادمة لتلك النظم تحب وتكره وفقا للمعايير المقررة فضائيا ولكن أبدا ليس وفقا للمعايير المقررة أخلاقيا أو وطنيا.

من حقنا أن نتهم بعض السادة المتآرخين بأنهم يبيعون تاريخنا خدمة لأغراض الآخرين أما الطامة الكبرى أنه يباع عبر وسائل إعلامنا وما على القوم سوى دفع أجر المؤرخ!!!.

ليس عجبا أن ينكر الأستاذ دور النقيب عمر مكرم وهو من عمل في خدمة الزعيم (الأوحد) الذي جرؤ على إصدار قرار حل نقابة الأشراف وهو ما لم يفعله المماليك البحرية بل فعله المماليك الفضائية.

من ناحية أخرى فنحن لا نقول أن محمد علي باشا كان (من أفضل حكام العالم وأقربهم إلى العدل والحكمة) مثلما وصف شيخنا القرضاوي معاوية بن أبي سفيان ولكننا نعتقد أن محمد علي كان الخيار الوحيد المتبقي أمام مصر لتخرج من ذلك النفق الطويل المظلم الذي دخلت فيه عام 564 هـ 1168 م وبقيت فيه حتى عام 1805 م أي منذ استيلاء يوسف بن أيوب وأزلامه من المماليك على السلطة في مصر والشام.

أكثر من 600 عام في هذا الخراب ومصر بلا قيادة أو سلطة مركزية تحفظ حقوق المصريين البسطاء حتى بعد أن خرجت الحملة الفرنسية من مصر وإذا بنفس الوجوه المشئومة تسعى مرة أخرى لاعتلاء السلطة وتكرر نفس أساليبها القذرة التي أدمنتها أكثر من 600 عام وهي الأساليب التي يمكن لها أن تمحو أمما من الوجود.

دخل والي مصر قبل محمد علي أحمد خورشيد باشا في صراع على السلطة مع المماليك فاستعان بجماعة من المفسدين جاء بهم من الشام يقال لهم الدلاتية الذين عاثوا في الأرض فسادا حتى ضج الناس من أفعالهم وجرائمهم ورفعوا شكواهم إلى الوالي (بأن الدالاتية قد أخرجوهم من مساكنهم وأوطانهم قهرًا ولم يتركوهم يأخذون ثيابهم ومتاعهم بل ونساءهم أيضًا وما خلص منهم إلا من تسلق ونط من الحيطان وركب المشايخ إلى الباشا وخاطبوه في أمرهم فكتب فرمانًا خطابًا للدالاتية بالخروج من الدور وتركها إلى أصحابها فلم يمتثلوا لذلك وخوطب الباشا ثانيًا وأخبروه بعصيانهم فقال أنهم مقيمون ثلاثة أيام ثم يسافرون وزاد الضجيج واجتمع المشايخ بالأزهر وتركوا قراءة الدروس وخرجت سربة من الأولاد الصغار يصرخون بالأسواق ويأمرون الناس بغلق الحوانيت).

ثم تفاقمت الأوضاع وازدادت سوءا بسبب (حروب المماليك وانقطاع الطرق برًا وبحرًا وتسلط العربان واغتنامهم فشل الحكام وانفكاك الأحكام وجهل القائمين المتآمرين بطرائق سياسة الإقليم ولا يعرفون إلا أخذ الدراهم بأي وجه كان وتمادى قبائح العسكر بما لا تحيط به الأوراق والدفاتر بحيث أنه لا يخلو يوم من زعجان ورجفات وكرشات في غالب الجهات إما لأجل امرأة أو أمرد أو خطف شيء أو تنازع وطلب شر بأدنى سبب مع العامة والباعة أو مشاحنة بسبب إبدال دنانير ذهب ناقص بدراهم فضة كاملة المصارفة من صيارف أو باعة أو غير ذلك وتعطل أسباب المعايش وغلو الأسعار في كل شيء وقلة المجلوب ومنع السبل ووصل سعر الأردب القمح ستة عشر ريالًا والفول والشعير أكثر من ذلك لقلته وعزته وإذا حضر منه شيء أخذوه لاحتياج العليق قهرًا بأبخس الثمن).

أو كما قال الجبرتي.

اللي اختشوا ماتوا!!

كما شهدت تلك الفترة المظلمة من تاريخ مصر تلك الواقعة التي أدت إلى ظهور ذلك المثل الشعبي المصري الشهير حيث (وقع ربع بجهة الكعكيين على الحمام فهُدم ومات به 13من النساء والأطفال والبنات وخرج الأحياء من داخله وهم عرايا ينفضن غبار الأتربة والموت وحضر الآغا والوالي ومنعوا من رفع القتلى إلا بدراهم ونهبوا متاع النساء ثم أن القاضي كلم الباشا في أمر المردومين وذكر له طلب الحاكم دراهم على رفعهم واجتماع مصيبتين على أهليهم والتمس منه إبطال ذلك الأمر فكتب فرمانًا بمنع ذلك ونودي به في البلدة وسجل)‏.‏ أي أنه موت وخراب ديار!.

(وانقضت السنة 1804 وما حصل بها من الغلاء وتتابع المظالم والفرد على البلاد وإحداث الباشا له مرتبات وشهريات على جميع البلاد والقبض على أفراد الناس بأدنى شبهة وطلب الأموال منهم وحبسهم واشتد الضنك في آخر السنة وعدم القمح والفول والشعير وغلا ثمن كل شيء ولولا اللطف على الخلائق بوجود الذرة حتى لم يبق سواه واستمرت السواحل خالية من الغلال من العام الماضي وبطول هذه السنة امتنع الوارد من الجهة القبلية ومع ذلك اللطف حاصل من المولى جل شأنه ولم يقع قحط ولا موت من الجوع كما حدث سابقا من عدم الخبز في الأسواق وخطف أطباق العيش والكعك وأكل القشور وما يتساقط من قشور الخضروات وغير ذلك)‏.‏

أما الوالي العثماني فلم يكن له من هم يومها إلا الاستيلاء على أموال الناس بالباطل لسد أفواه المماليك الجراد ولو اقتضى الأمر تحصيلها من الأموات ومن سقط عليهم الحمام بل وزاد طينه بلة عندما استدعى جماعة أخرى من المفسدين هم الدلاتية لإسناده في وجه منافسه المحتمل محمد علي باشا.

(ومنع الباشا المشايخ والوجاقلية من الذهاب إلى محمد علي والسلام عليه واستمر الأمر على القلقلة واللقلقة والتوحش وأخذ محمد علي في التدبير على أحمد باشا وخلعه).‏

(وفي كل وقت يقع التشاحن بين أفراد العسكر في الطرقات ويقتلون بعضهم بعضًا والدالاتية جهة مصر القديمة وقصر العيني والآثار ودير الطين يأكلون الزروعات ويخطفون ما يجدونه مع الفلاحين والمارين ويخطفون النساء والأولاد ويلوطون في الرجال(.

 

دور الأزهر؟؟!!

لا زال البعض مصرا على إثبات دور كبير للأزهر في قيادة تلك النهضة الشعبية بينما يحكي لنا الجبرتي أن ذلك الدور لم يكن له وجود اللهم إلا من خلال دعم تحركات النقيب السيد عمر مكرم‏ (وحضر سكان مصر القديمة نساء ورجالًا إلى جهة الجامع الأزهر يشكون ويستغيثون وحصل بالبلدة ضجة ووصل الخبر إلى الباشا بذلك فأرسل كتخداه إلى الأزهر فلم يجد أحدًا وكان المشايخ انتقلوا بعد الظهر إلى بيتهم لأغراض نفسانية وفشل مستمر فيهم وبقي الأمر على السكوت إلى يوم الجمعة عاشره والمشايخ تاركون الحضور إلى الأزهر وغالب الأسواق والدكاكين مغلقة واللغط والوسوسة دائران).

(ثم اجتمعوا ببيت القاضي ومعهم كثير من العامة وحضر إليهم أيضًا سعيد آغا والجماعة وركب الجميع وذهبوا إلى محمد علي وقالوا له أنا لا نريد هذا الباشا حاكمًا علينا ولا بد من عزله من الولاية فقال ومن تريدونه يكون واليًا قالوا له لا نرضى إلا بك وتكون واليًا علينا بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير فامتنع أولًا ثم رضي وأحضروا له كركًا وعليه قفطان وقام إليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له وذلك وقت العصر ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة وأرسلوا إلى أحمد باشا بذلك فقال إني مولى من طرف السلطان فلا أعزل بأمر الفلاحين ولا أنزل من القلعة إلا بأمر من السلطنة وأصبح الناس وتجمعوا أيضًا فركب المشايخ ومعهم الجمع الغفير من العامة وبأيديهم الأسلحة والعصي وذهبوا إلى بركة الأزبكية حتى ملؤها ثم أن محمد علي باشا والمشايخ كتبوا مراسلة إلى عمر بك وصالح آغا قوش المعضدين لأحمد باشا المخلوع يذكرون لهما ما اجتمع عليه رأى الجمهور من عزل الباشا ولا ينبغي مخالفتهم وعنادهم لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم وخراب الإقليم فأرسلا يقولان: أرونا سندًا شرعيًا في ذلك فاجتمع المشايخ في يوم الخميس ببيت القاضي ونظموا سؤالًا وكتب عليه المفتون وأرسلوه إليهم فلم يتعقلوا ذلك واستمروا على خلافهم وعنادهم) .‏

(واستمر الباشا المخلوع ومن معه على الخلاف والعناد وعدم النزول من القلعة ويقول لا أنزل حتى يأتيني أمر من السلطان الذي ولاني واجتهد السيد عمر أفندي النقيب وحرض الناس على الاجتماع والاستعداد وركب هو والمشايخ إلى بيت محمد علي باشا ومعهم الكثير من المشايخ والعامة والوجقلية والكل بالأسلحة والعصي والنبابيت ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات ويسرحون أحزابًا وطوائف ومعهم المشاعل ويطوفون بالجهات والنواحي وجهات السور ثم اتفقوا على محاصرة القلعة فأرسل محمد علي باشا عساكره في جهات الرميلة والحطابة والطرق النافذة مثل باب القرافة والحصرية وطريق الصليبية وناحية بيت آقبردى وجلسوا بالمحمودية والسلطان حسن وعملوا متاريس في تلك الجهات ومنعوا من يطلع ومن ينزل من القلعة وأغلق أهل القلعة الأبواب ووقفوا على الأسوار يبكت بعضهم بعضًا بالكلام ويترامون بالبنادق وصعدوا على منارة وركب السيد عمر أفندي والمشايخ ومعهم جمع كبير من الناس إلى الأزبكية وبعد ركوبهم حضر الجمع الكثير من العامة والعصب وطوائف الأجناد والوجاقلية وعصب النواحي وأهل الحسينية والعطوف والقرافة والرميلة والحطابة والصليبة وجميع الجهات ومعهم الطبول والبيارق حتى غصت بهم الأزقة).

إنها ثورة شعبية حقيقية بدا فيها للمرة الأولى منذ قرون أن مصر بها شعب يغضب لكرامته ويحلم بالعدالة والأمان مثل بقية خلق الله ولأنه وجد قيادة تعبر عن إرادته هو السيد عمر مكرم فقد التف حولها بكافة طوائفه.

(ثم ركب السيد عمر مكرم في قلة من الناس وذهب إلى بيت حسن بك أخي طاهر باشا وكان هناك عمر بك الذي نزل من القلعة فوقع بينه وبين السيد عمر مناقشة طويلة ومن جملة ما قال: كيف تعزلون من ولاه السلطان عليكم وقد قال الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقال له أولو الأمر العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل وهذا رجل ظالم وجرت العادة من قديم الزمان أن أهل البلد يعزلون الولاة وهذا شيء من زمان حتى الخليفة والسلطان إذا سار فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه ثم قال وكيف تحصرونا وتمنعون عنا الماء والأكل وتقاتلونا هل نحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك قال نعم قد أفتى العلماء والقاضي بجواز قتلكم ومحاربتكم لأنكم عصاة فقال أن القاضي هذا كافر فقال‏:‏ إذا كان قاضيكم كافرًا فكيف بكم وحاشاه الله من ذلك إنه رجل شرعي لا يميل عن الحق وانفصل المجلس على ذلك وخاطبه الشيخ السادات في مثل ذلك فلم يتحول عن الخلاف والعناد والأمر مستمر من اجتماع الناس وسهرهم وطوافهم بالليل واتخاذهم الأسلحة والنبابيت حتى أن الفقير من العامة كان يبيع ملبوسه أو يستدين ويشتري به سلاحًا وحضرت عربان كثيرة من نواحي الشرق وغيره)‏.‏

ثم تحولت الثورة الشعبية إلى حرب حقيقية قادها نقيب أشراف مصر انتهت بإنزال خورشيد باشا من القلعة وتولية محمد علي باشا واليا على مصر.

إن هذه المحاورة تكشف عن درجة عالية من الوعي السياسي والفقه الديني حظي بهما نقيب أشراف مصر السيد عمر مكرم الذي كان له الدور الأساس في نقل مصر سياسيا من العصر المملوكي المظلم إلى عصر الدولة ورغم هذا فإن أحدا لا يهتم بإبراز هذا الدور بل ويسعى الأستاذ إلى طمسه وإنكاره.

الدور الفرنسي من وراء الكواليس ربما كان موجودا ونحن لا نملك دليلا على عدمه ولا نرى قيمة لنفيه والمهم أن ما جرى على الأرض كانت له اليد الطولى في إحداث ذلك التحول التاريخي ولا أدري لماذا يرغب البعض في طمس دور النقيب والادعاء بأن يوليو وتوابعه كان بداية التاريخ وليس مجرد جملة اعتراضية.

محمد علي أم عمر مكرم؟؟!!.

إنه إذا عمر مكرم هو من يتعين علينا الاحتفاء به وهو الذي أهدى مصر نظاما سياسيا وحاكما مختلفا عليه مثل آلاف الحكام الذين جاءوا ثم ذهبوا.

وإذا كان يوسف بن أيوب قد أدخل مصر والعالم الإسلامي إلى متاهة الفوضى والضياع المملوكي لأكثر من ستة قرون فإن السيد/ عمر مكرم هو من أعاد وضع القاطرة على القضبان ويبقى أن ما نعاني منه حتى الآن هو مسئولية مشتركة بين الحكام المختلف عليهم وقوى المجتمع المدني التي كان عليها أن تنتبه منذ أمد بعيد أن مسئوليتها في إعادة بناء ما فككه المخربون لا تقل عن مسئولية النظم الحاكمة إن لم تزد عليها.

دكتور أحمد راسم النفيس

14-8-2005

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق