مقالات النفيس

تركيا ومصر: من يسيطر على الإقليم ومتى تعود (الخلافة) العثمانية؟!

تركيا ومصر: من يسيطر على الإقليم ومتى تعود (الخلافة) العثمانية؟!

مع ظهور بوادر تراجع الهيمنة الأمريكية على العالم – قبل كورونا بزمن- بدا واضحا أن التركي بدأ يعد نفسه لتسيد المنطقة وملء الفراغ!، ولم لا فالبعض يرى أن ممارسات المحتل السلجوقي في مصر لا تفسد للود أي قضية!! فليس هناك من الأساس أي قضية!! على طريقة:

نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِن الهَوى — ماالحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ
كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى — وحَنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنزِلِ

هل درسوا لنا في المدارس جرائم البغاة العثمانيين؟!.

ألم يقولوا أنها كانت خلافة إسلامية أسقطها العلماني أتاتورك وقد ناح عليها أمير الشعراء شوقي قائلا:

ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ           وَبَكَت عَلَيكَ مَمالِكٌ وَنَواحِ

الهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ            تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ

وَالشامُ تَسأَلُ وَالعِراقُ وَفارِسٌ    أَمَحا مِنَ الأَرضِ الخِلافَةَ ماحِ

وَأَتَت لَكِ الجُمَعُ الجَلائِلُ مَأتَمًا     فَقَعَدنَ فيهِ مَقاعِدَ الأَنواحِ

 

الثابت والمؤكد أن الغز السلاجقة الآن وقبل الآن لم يكن لهم من هدف ولا غاية إلا الاستحواذ على السلطة والثروة وليس أبدا الحفاظ على مصالح المسلمين ووجودهم وهم لا يختلفون عن غيرهم.

هذا المقال ليس لبيان خستهم ودناءتهم، بل لبيان بعض العوامل الفاعلة في الصراع الإقليمي والدولي الملتهب الآن.

لدينا عالم إسلامي يتجاوز عدده المليار ونصف في القلب منه ما يسمى بالشرق الأوسط مهبط النبوات وبؤرة التفاعل الحضاري.

من ناحية القوة البشرية والعقائدية والمركز الحضاري فهناك دول الصف الأول: إيران وتركيا ومصر وهناك دول الصف الأول مكرر العراق والشام والآن اليمن الذي يمر بمرحلة تحول كبرى.

أما الجزيرة العربية وتوابعها فلم تعد مركزا من مراكز القرار منذ غادرها الإمام علي عليه السلام واستقر بدولته في الكوفة.

حاول آل سعود امتلاك هذا المركز بالتعاون مع إسرائيل بعد هزيمة مصر عام 1967 إلا أن الغالب على دورهم كان القيادة من الخلف والتآمر خاصة بعد هزيمتهم في سوريا والآن في اليمن.

نركز هناك على التنافس المصري التركي.

استمر الاحتلال السلجوقي لمصر أربعة قرون لم تكن كلها هادئة مستقرة وكان أخطر وأهم أحداثها هو الاندفاعة المصرية بقيادة محمد علي باشا للقضاء على الدولة العثمانية بعد قضائه على الدولة الوهابية الأولى وكان أن تدخل الغرب بكل جبروته لإجبار مصر على العودة إلى حدودها وتحجيم الجيش المصري إلى ما لا يتجاوز الأربعين ألفا عبر معاهدة لندن 1840.

شكل هذا التدخل الاستكباري العالمي مقدمة لنشوء الكيان الصهيوني وتوأمه الوهابي، إذ لو بقي محمد علي حاكما لمصر والشام لما كان هناك إسرائيل ولا غيرها.

لم يكن هذا يعني أن السلطنة العثمانية قد استعادت دورها المتآكل قدر ما يعني أن الممسك بقرار رسم الحدود هو عواصم الاستكبار العالمي.

الاستكبار العالمي لم يتخل نهائيا عن السلطنة العثمانية وهو الذي يرسم دورها ويحدد لها ما هو مسموح وما هو غير ذلك.

استعادة الإمبراطورية العثمانية؟!

الآن بدأ العثمانيون الجدد في استعادة الذاكرة ونعتقد جازمين أن تحركات أردوجان الحالية ليست مجرد نزوة أخوانية كما يتصور البعض أو من أجل غاز المتوسط كما يقول البعض الآخر.

لم يكن التباعد التركي السعودي (الظاهري) الذي ظهر مؤخرا ناجما عن امتعاض أردوجاني من تصرفات مبس الهوجاء بل تمهيدا للأخطر القادم وهو تفكيك المملكة الوهابية عقابا لها على أحداث سبتمبر خاصة بعد عجزها عن الخروج من حرب اليمن بالحد الأدنى من ماء الوجه.

السعودي فقد القدرة على فرض قراراته وخياراته على العالم وقد بدا هذا واضحا في تراجعه عن قرار تخفيض أسعار النفط في الآونة الأخيرة.

يقول صامويل هنتجتون في كتابه (صراع الحضارات)، نهاية ثمانينات القرن الماضي:

لقد تركت نهاية الإمبراطورية العثمانية الإسلام دون دولة مركز وتم تقسيم أراضيها بين قوى غربية وعندما انسحبت تلك القوى خلفت وراءها دولا مؤسسة على نموذج غربي بعيد كل البعد عن تقاليد وتراث الإسلام، وهكذا فإنه في معظم القرن العشرين لم يكن لدى أية دولة إسلامية قوة ولا ثقافة كافية ولا شرعية دينية للاضطلاع بهذا الدور كي تصبح مقبولة من الدول الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية الإسلامية كزعيم للحضارة الإسلامية.

إن غياب دولة مركز إسلامية عامل مساعد وأساسي لإزكاء الصراعات الخارجية والداخلية المستمرة التي تميز الإسلام وعلى الوعي المفتقر للتماسك، كما أنه مصدر ضعف بالنسبة للإسلام ومصدر تهديد للحضارات الأخرى.

فهل هناك احتمال أن تستمر الحال هكذا؟.

إن دولة مركز إسلامية يجب أن يكون لديها موارد اقتصادية وقوة عسكرية وكفاءة تنظيمية وهوية إسلامية والتزام أن تكون قيادة سياسية ودينية للأمة وهناك ست دول يتردد ذكرها كزعامات ممكنة للحضارة الإسلامية وفي الوقت الحالي لا تتوفر لأي منها الشروط اللازمة كي تجعل منها دولة مركز ذات فعالية.

أخيرا تركيا: لديها التاريخ وعدد السكان والمستوى المتوسط من النمو الاقتصادي والتماسك الوطني والتقاليد العسكرية والكفاءة كي تكون دولة مركز.

لقد حرم أتاتورك تركيا من أن تخلف الإمبراطورية العثمانية في أداء هذا الدور وذلك بسبب تحديدها بوضوح كمجتمع علماني حتى أنها لم تتمكن حتى من أن تكون عضو ميثاق في منظمة المؤتمر الإسلامي بسبب دستورها العلماني.

وطالما أن تركيا ستستمر في تعريف نفسها دولة علمانية، فلن تكون لها زعامة الإسلام.

ولكن.. ماذا لو أعادت تركيا تعريف نفسها؟ عند نقطة ما يمكن أن تكون تركيا مستعدة للتخلي عن دورها المحبط والمهين كمتسول يستجدي عضوية نادي الغرب واستئناف دورها التاريخي الأكثر تأثيرا ورقيا كمحاور رئيسي باسم الإسلام، وخصم للغرب.

الأصولية في صعود في تركيا، في عهد أوزال بذلت الدولة جهودا ضخمة لتوحيد نفسها بالعالم العربي وأفادت من العلاقات العرقية واللغوية لتلعب دورا متواضعا في آسيا الوسطى وقدمت الدعم والتأييد لمسلمي البوسنة وتنفرد تركيا بين الدول الإسلامية بصلاتها التاريخية بمسلمي البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى.

من المتصور فعلا أن (تقلد تركيا جنوب أفريقيا) فتتخلى عن العلمانية كشيء غريب عن وجودها كما تخلت جنوب أفريقيا عن الاضطهاد العنصري وبالتالي تحول نفسها من دولة منبوذة في حضارتها إلى دولة زعيمة لها وعندها يمكن أن تكون مؤهلة لزعامة الإسلام بعد أن خبرت الجيد والردئ في الغرب بالنسبة للعلمانية والديموقراطية.

إلا أنها كي تفعل ذلك لا بد لها أن تتخلى عن تراث أتاتورك على نحو أشمل مما تخلت به روسيا عن تراث لينين كما عليها أيضا أن تجد زعيما بحجم أتاتورك يجمع بين الدين والشرعية السياسية ليعيد بناء تركيا وتحويلها من دولة ممزقة إلى دولة مركز. انتهى النقل.

الخلاصة أن عبقرية أردوجان أو إخوانيته ليست هي التي تؤزه أزا لشن غزواته المتنوعة في ليبيا وسوريا وغيرها من الأماكن بل الدور المرسوم له والذي بدأ تنفيذه بالفعل في عهد (العلماني) تورجوت أوزال!!.

الأمر الثاني: أن إعادة الإمبراطورية السلجوقية للحياة وإن بأسلوب جديد يستدعي حتما إضعاف المنافسين وتفكيك دولهم وعلى رأسهم المملكة الوهابية كما الدور المصري في الإقليم!!.

أما الإخوان المساكين فهم مجرد أدوات جرى توظيفهم في معركتهم القديمة التي أعلنها حسن البنا منذ مائة عام: استعادة الخلافة العثمانية!!.

القضية أكبر بكثير من أردوجان والإخوان.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏12‏/06‏/2020

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق