مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: صديقي الملحد (رحمه الله)!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: صديقي الملحد (رحمه الله)!!

لست ممن يصدقون أن ثمة انتشار واسع للإلحاد في عالمنا الإسلامي والإلحاد الذي أعنيه هو الإنكار المطلق للخالق.

ليس هناك تعريف متفق عليه (للإلحاد) ولا حتى لمصطلح (الكفر) الذي يرد عادة في القرآن مقترنا بجريمة كبرى تستحق هذا الوصف ومثال ذلك (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) النساء 167-168.

كان صديقي زميلا في الجامعة بداية سبعينات القرن الماضي وكان مؤمنا بالمادية الماركسية وحاول إقناعي بأن الحياة أصلها مادة وليس هناك ما يعرف بالروح ومن الطبيعي أننا لم نتفق ومضى كل إلى غايته.

تفرقت بنا السبل إلى أن التقينا مؤخرا قبل أن يصيبه مرض خطير أودى بحياته ولاحظت أنه كان يطلب من الناس الدعاء له بالشفاء.

المعنى أن منكري قدرة الخالق هم ندرة في هذا العالم والأيام كفيلة بتبديل قناعاتهم وإعادتهم إلى جادة الصواب.

شتان بين المنكر والمتشكك فالمنكر يجزم بنفي الوجود أما المتشكك فهو تائه متحير حتى وإن أظهر (صلابة) في تشككه!!.

أما مصطلح الإلحاد فمعناه مختلف عن كلمة الكفر ولا يعني بالضرورة إنكار وجود الخالق حيث يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن:

– اللحد: حفرة مائلة عن الوسط، ولحد بلسانه إلى كذا: مال. قال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه} [النحل/103] وقرئ: {يلحدون} (وهي قراءة الباقي) من: ألحد، وألحد فلان: مال عن الحق، والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب. فالأول ينافي الإيمان ويبطله.
والثاني: يوهن عراه ولا يبطله. ومن هذا النحو قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج/25]، وقوله: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف/180]، والإلحاد في أسمائه على وجهين:
أحدهما أن يوصف بما لا يصح وصفه به.
والثاني: أن يتأول أوصافه على ما لا يليق به، والتحد إلى كذا: مال إليه. قال تعالى: {ولن تجد من دونه ملتحدا} [الكهف/27] أي: التجاء، أو موضع التجاء. وألحد السهم الهدف: مال في أحد جانبيه.

المنكرون للخالق قلة وهم من وصفهم رب العزة بقوله (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، أما الملحدون خاصة من النوع الثاني (الإلحاد إلى الشرك بالأسباب الذي يوهن عرى الإيمان ولا يبطله) فهم الكثرة الآن وقبل الآن وهم الذين يستهينون بالدين وأحكامه ولا يرون له اعتبارا في تنظيم السلوك الإنساني.

أئمة أهل البيت والحوار العقلي مع المتشككين:

يقول تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

ويقول الإمام الصادق عليه السلام (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم، وكونوا لنا زينا ولا تكونوا شينا).

الشاهد أن هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور هي المهمة التي من أجلها بعث الأنبياء والرسل وهي المهمة التي ورثها أئمة أهل البيت عليهم السلام وكذا علماء الإسلام الكبار.

يروي الطبرسي في الاحتجاج عن هشام بن الحكم قال: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه السلام علم، فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، وقيل: هو بمكة، فخرج إلى مكة ونحن مع ابي عبد الله عليه السلام، فانتهى إليه – وهو في الطواف – فدنا منه وسلم. فقال له أبو عبد الله: ما اسمك؟ قال: عبد الملك. قال: فما كنيتك؟ قال: أبو عبد الله. قال أبو عبد الله عليه السلام: فمن ذا الملك الذي أنت عبده، أمن ملوك الارض ام من ملوك السماء؟ واخبرني عن ابنك أعبد إله السماء، أم عبد إله الارض؟ فسكت. فقال أبو عبد الله: قل! فسكت. فقال: إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام من الطواف أتاه الزنديق، فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده. فقال أبو عبد الله عليه السلام: اتعلم ان للأرض تحتا وفوقا؟ فقال: نعم. قال: فدخلت تحتها؟ قال: لا. قال: فهل تدري ما تحتها؟ قال: لا أدري إلا أني أظن ان ليس تحتها شئ. فقال أبو عبد الله: فالظن عجز ما لم تستيقن. ثم قال له: صعدت إلى السماء؟ قال: لا. قال: افتدري ما فيها؟ قال: لا. قال: فاتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما ؟ قال: لا. قال: فالعجب لك، لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت الارض، ولم تصعد إلى السماء، ولم تخبر ما هناك فتعرف ما خلفهن، وانت جاحد بما فيهن، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! فقال الزنديق: ما كلمني بهذا غيرك. قال أبو عبد الله عليه السلام: فانت من ذلك في شك، فلعل هو ولعل ليس هو. قال: ولعل ذلك. فقال أبو عبد الله عليه السلام: ايها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم، ولا حجة للجاهل على العالم، يا اخا اهل مصر، تفهم عني، اما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يستبقان، يذهبان ويرجعان، قد اضطرا ليس لهما مكان الا مكانهما، فان كانا يقدران على ان يذهبا فلم يرجعان، وان كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا اخا اهل مصر ان الذي تذهبون إليه وتظنون من الدهر، فان كان هو يذهبهم فلم يردهم؟ وان كان يردهم فلم يذهب بهم؟ اما ترى السماء مرفوعة، والارض موضوعة، لا تسقط السماء على الارض، ولا تنحدر الارض فوق ما تحتها، امسكها والله خالقها ومدبرها. قال: فآمن الزنديق على يدي ابي عبد الله.

ماذا عن (موجة الإلحاد) الحالية؟!

قطعا هناك هجمة شرسة على الإسلام المحمدي إسلام أهل البيت وليس على الإسلام السلطوي المستأنس الذي يحظى بعناية ورعاية أصحاب السلطة في كل مكان.

ليس الإلحاد مطلوبا في حد ذاته فالخمارات ودور اللهو على مدى التاريخ لم ولن تعاني كسادا ولا إفلاسا قبل الإسلام أو بعده.

الآن يبدو واضحا أن الهجمة الحالية تسعى لإخراج الإسلام العلوي من الساحة وهم يفعلون ذلك بجرأة ووقاحة تارة تحت عنوان محاربة الشيعة وتارة أخرى بخبث ودهاء تحت عنوان محاربة (الإسلام السياسي)!!.

يحتاج الأمر أيضا إلى توجيه الهجوم لعلماء الدين وتجريحهم كلما أمكن وهو أمر يشترك في تحمل مسئوليته أولئك الذين شاركوا في حملات التسقيط المتبادلة التي يذكرها الجميع.

بعض نتائج حملات التسقيط المتبادلة نراها الآن في العراق حيث يبدو بوضوح تراجع مكانة الشيعة في الساحة السياسية وطبعا لم يكن الشعار المطروح الدعوة للإلحاد بل شعارات مراوغة مثل العلمانية وغيرها.

الذي نخلص إليه أن المعضلة الحقيقية التي يواجهها المسلمون من شيعة أهل البيت ليست انتشار ما يسمى بالإلحاد بل تراجع مكانة المعتقد ودوره ولكي نكون أكثر إنصافا أن النتائج التي حققها الشيعة في العراق بعد سقوط الطاغية لم تكن في مستوى الطموحات أو الإمكانات.

لا شك أن أخطر ما يواجهنا هو الهدم الذاتي!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏19‏/07‏/2020

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق