مقالات النفيس

الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الخديوي إسماعيل وإصلاح الأزهر

الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الخديوي إسماعيل وإصلاح الأزهر

 

إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي, ثاني أنجال محمد علي.

ولد في 31 ديسمبر سنة 1830مـ وتوفي في 2 مارس 1895مـ.

عني أبوه بتربيته فتعلم العربية والتركية والفارسية ثم أرسله إلى باريس ضمن البعثة المصرية الخامسة حيث نال حظا من العلوم الهندسية والطبيعية والرياضية وأتقن اللغة الفرنسية كلاما وكتابة ومن هنا نشأت ميوله الباريسية ودفعته للسعي لجعل القاهرة باريسا ثانية.

بعد أن مات إبراهيم تولى الحكم عباس الأول بن عمه طوسون وكانت علاقته سيئة بعمه إبراهيم فاشتد الخصام بينهما وارتحل إسماعيل وبعض الأمراء إلى الأستانة ولم يعد إلى مصر إلا أثناء حكم عمه سعيد باشا  الذي عهد إليه برئاسة مجلس الأحكام أعلى هيئة قضائية في البلاد كما أوفده سنة 1855 في مهمة لدى الإمبراطور نابليون الثالث سعيا لتوسيع نطاق استقلال البلاد.

لم يكن من المتوقع أن يؤول العرش إلى إسماعيل إذ كان أخوه الأكبر أحمد رفعت يسبقه في ولاية العهد إلا أن وفاته في حادث قطار جعلت منه وليا للعهد بدلا من أخيه.

لما أدركت سعيد الوفاة خلفه إسماعيل على عرش مصر في 18 يناير سنة 1863.

تميزت سياسة إسماعيل بالسعي لتوسيع نطاق استقلال مصر واكتساب أكبر ما يمكن اكتسابه من الحقوق والمزايا من الدولة العثمانية وعلى العكس من ذلك كانت سياسته المفرطة في الثقة بالبلدان الأوربية وإفراطه في الاقتراض منها مما أدى إلى غرق مصر في الديون وفقدانها لما اكتسبته من استقلال.

تمكن الخديوي إسماعيل من استصدار فرمان عثماني عبر دفع الرشاوى بتغيير نظام ولاية العرش وجعله لأكبر أبنائه سنا بدلا من أكبر أبناء الأسرة العلوية وكان هذا بسبب التنافس القائم بينه وبين بقية أفراد الأسرة.

بلغ النفوذ الفرنسي في مصر ذروته في عهد الخديوي إسماعيل بسبب تربيته الفرنسية وصداقته للإمبراطور نابليون الثالث وقد بدا هذا واضحا في حفلات افتتاح قناة السويس سنة 1869 التي تصدرتها إمبراطورة فرنسا أوجيني ثم أخذ هذا النفوذ الفرنسي في التدني والاضمحلال بعد هزيمتهم أمام الألمان في حرب 1870-1871 مما أفسح المجال لتقدم النفوذ الإنجليزي.

حاول الخديو إسماعيل تخفيف الشروط المجحفة التي التزمت بها مصر في اتفاق إنشاء قناة السويس إلا أن أداءها السياسي الضعيف وصداقته للفرنسيين أبقت أغلب هذه الشروط كما هي وتسببت في خسائر مالية فادحة لمصر.

افتتحت القناة في نوفمبر سنة 1869 وأقام الخديو إسماعيل عدة حفلات تميزت بالبذخ الشديد ويكفي أنها كلفت مصر 1,400,000 جنيه بأسعار ذلك الزمان وكان أن انتهى ذلك الإسراف السفيه ببيع مصر لأسهمها في شركة القناة التي قاربت نصف الأسهم.

اعتنى الخديو إسماعيل بتوسيع حدود مصر حيث نجح في إتمام فتح السودان ووصلت حدود مصر إلى الحبشة وخط الاستواء ومنابع النيل كما بسطت حمايتها على أوغندة.

اهتم الخديوي إسماعيل بتقوية الجيش والبحرية وأسس عدة مدارس عسكرية ولكن أغلب هذه المدارس أغلق في نهاية عهده بسبب اضطراب الأوضاع المالية.

كما عهد إلى طائفة من الضباط الأمريكيين بتأسيس هيئة لأركان الجيش المصري.

 

إصلاح الأزهر

كما بدأ في عهد الخديوي إسماعيل إصلاح أوضاع الأزهر حيث جرى إنشاء نظام الإمتحانات لتخريج العلماء والمدرسين عام 1870 حيث لم يكن هذا النظام معمولا به فوضع الشيخ العباسي نظاما لامتحان العلماء وألفت لجنة برئاسته مؤلفة من ستة من كبار العلماء تكون مهمتها امتحان المرشحين للعالمية وإعطائهم الإجازة وكانت هذه اللجنة أساس نظام الأزهر الجديد.

كما عاود الخديوي إسماعيل إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا وأنفق بسخاء على التعليم وأعاد ديوان المدارس (وزارة المعارف) وعين علي باشا مبارك وزيرا لها بعد أن ألغيت في عهد سعيد.

وإليه يرجع الفضل في إنشاء دار الكتب سنة 1870.

وظهر في عهده العديد من الصحف السياسية.

ومن أهم أعماله إنشاء شبكة واسعة للري حيث جرى حفر ترعة الإبراهيمية التي انطلقت من أسيوط جنوبا وتصل إلى محافظة بني سويف بطول 267 كيلومتر وتعد من أعظم مشاريع الري في العالم بأسره فضلا عن ترعة الإسماعيلية وتصل إلى قناة السويس عند مدينة الإسماعيلية وطولها 129 كيلومترا وتروي مناطق واسعة من محافظتي القليوبية والشرقية.

وقد أدت هذه المشاريع إلى زيادة مساحة الأراضي المنزرعة بأكثر من مليون فدان.

كما ابتدأ في عهده إنشاء مصانع السكر والنسيج والزجاج.

كما اضاف إسماعيل إلى السكك الحديدية في مصر أكثر من 1200 ميل إضافة إلى ما أنشأه سعيد في حكمه والذي لم يتجاوز 245 ميل.

أما الإنجاز الأبرز والأهم في عصر إسماعيل فهو بدء الحياة النيابية وتأسيس مجلس منتخب للنواب سنة 1866 رغم أنهم لم يكونوا منتخبين من الشعب مباشرة كما أن قراراته لم يكن لها صفة الإلزام إلا أن إنشاؤه يعد نقلة سياسية وحضارية هائلة في تاريخ البلاد.

 

إقصاء الخديوي إسماعيل من الحكم (26 يونيو 1879)

شكلت الديون الباهظة التي أثقل بها الخديوي إسماعيل ذريعة للتدخل الغربي في شئون مصر والمطالبة بخلعه وإقصائه من الحكم إلا أن السبب الحقيقي لخلعه هو مناصرته للحركة القومية واستجابته لمطالب أحرار الأمة وقبوله بمبدأ مسئولية الوزارة أمام مجلس نواب الأمة فضلا عن شعوره بأخطائه وسعيه لمقاومة التدخل الأجنبي ولذا فقد سعت تلك الدول لكسر شوكته.

لم يقتصر التدخل الغربي على فرنسا وانجلترا بل كان لألمانيا التي خرجت منتصرة في حربها الأوربية بقيادة بسمارك ورغبة منها في إبراز دورها وتنامي نفوذها في السياسة الدولية دورا كبيرا في التحريض على خلع إسماعيل حيث وجدت تلك الدول آذانا مصغية في الأستانة التي غلب على رؤيتها سوء التقدير وانعدام الرؤية السياسية فاتفق هؤلاء على مطالبته أولا بالتنازل عن العرش فرفض أولا ولكن الدول الغربية واصلت مساعيها لدى الباب العالي الذي أصدر فرمانا يوم الخميس 26 يونيو 1879 بخلع إسماعيل وتعيين توفيق باشا خديويا لمصر.

رحل الخديو إسماعيل عن مصر يوم الإثنين 30 يونيو 1879 من الإسكندرية عبر الباخرة المحروسة.

المصدر: عصر إسماعيل. عبد الرحمن الرافعي (ج1&2). دار المعارف المصرية.

 

 

الخديوى عباس حلمى الثانى: إبن الخديوى محمد توفيق بن إسماعيل باشا ابن إبراهيم ابن محمد على باشا وهو أكبر أولاد الخديو توفيق, ولد 1874.

اعتلى عرش مصر من 8 يناير 1892 إلى أن عزل فى 19 سبتمبر 1914.

كأن أول قرار أصدره الخديو عباس حلمي الثاني هو قرار العفو العام عمن اشتركوا فى ثورة عرابى وعلى رأسهم خطيب الثورة عبدالله النديم الذى كان منفياً إلى الشام وربما كان هذا سببا في الإطاحة به من العرش.

كان الخديو عباس حلمي في الآستانة وقت نشوب الحرب بين ألمانيا وإنجلترا فتردد في العودة إلى مصر رغم إلحاح رئيس وزرائه رشدي باشا وحين اعتزم العودة أظهر الاحتلال البريطاني ممانعة لذلك إذ كان النية مبيتة على خلعه.

في تلك الأثناء أصدر الإنجليز قرارهم بزوال السيادة التركية وفرض الحماية على مصر وفي اليوم التالي لإعلان الحماية صدر قرارا بخلعه وتنصيب حسين كامل سلطانا للبلاد[1].

بقي ملف الخديوي عباس حلمي الثاني مفتوحا حتى عام 1931 حين أبرم اتفاق بين الملك فؤاد والخديوي عباس جرى الاتفاق بموجبه على تنازله عن المطالبة بالعرش واعترافه بالملك فؤاد مقابل راتب سنوي قدره ثلاثون ألف جنيه مصري كما تنازل عن الدعوى المرفوعة منه على الحكومة البريطانية والتي طالب فيها بتعويض عن خلعه وتصفية أملاكه[2].

[1] عبد الرحمن الرافعي. ثورة 1919. دار المعارف. ص 31-32.

[2] عبد الرحمن الرافعي. مصر بعد ثورة 1919. ص 165-166. ج2.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق