مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: من قتل رفيق الحريري؟

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: من قتل رفيق الحريري؟

ليس الغرض من هذا المقال تقديم فرضية جنائية مقابلة لتلك الأكذوبة الكبرى التي جرى توظيفها إعلاميا وسياسيا طيلة خمسة عشر عاما بل تقديم فهم عام لآليات إدارة السياسة الدولية خاصة في بعدها الإجرامي وكيف يمكن التضحية بطفل القوى الكبرى المدلل وصولا لتحقيق الغاية المرجوة.

السؤال الأول الذي يطرح في أعقاب أي حدث كبير سواء كان تفجير مرفأ بيروت أو قتل رفيق الحريري بهذه الطريقة البشعة: من المستفيد؟!.

الرد الساذج من وجهة نظري: إنه فؤاد السنيورة الذي استلم المنصب بعد اغتيال رفيق الحريري أو سعد الحريري الذي ورث أباه في المنصب!!.

قليل من التمعن يكشف أن المستفيد هو من خطط ودبر ويملك القدرة على توظيف الحدث إعلاميا وسياسيا وليس أولئك الذين استفادوا من التداعيات الجانبية ومن ضمنهم ذلك الصبي المسمى سعد.

السؤال التالي: هل استفاد حزب الله من اغتيال الحريري؟!.

صحيح أن رفيق الحريري كان مشاركا في المؤامرة الأم وهي القرار 1559 الذي طالب بانسحاب سوريا من لبنان وهي الصفقة الأمريكية الفرنسية التي أبرمت في النورماندي في يونيو 2004 والتي حظيت بمباركته وغايته مساعدة بوش الإبن في مشروع الشرق الأوسط الجديد.
عندما التقا الأشقيان استفاض شيراك في الكلام عن الشرق الأوسط مظهراً درايته الكبيرة بهذه المنطقة المعقّدة وشرح لنظيره الأميركي: «إذا قطعتم الرابط بين سوريا ولبنان فسيسقط النظام العلوي في دمشق». وجاء رد جورج بوش: «أنتم ضليعون بالملف فأعدّوا الخطة ونحن نتبعكم». ويختم مستشار الإليزيه قائلاً: «إن لقاء النورماندي سرّع نهاية التحضيرات للقرار 1559 الذي حرّر في نهاية شهر تموز في بيت رفيق الحريري في سردينيا بعدما أمّنت له قمة الدول العظمى الثماني التي عقدت في الولايات المتحدة دفعاً جديداً وأصبح لبنان حجر الأساس للمصالحة الفرنسية الأميركية». وهكذا بدأت القطيعة بين باريس ودمشق في الفترة نفسها أي بين نهاية تموز وبداية آب 2004.
في 17 آب 2004، أبلغ موريس غوردو مونتان جاك شيراك أن مسوّدة القرار 1559 جاهزة وأن رفيق الحريري وافق عليها ولم يبقَ عليه لتقديمه إلى مجلس الأمن إلا الحصول على رعاية واشنطن. فاتصل بكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي آنذاك واقترح عليها بتّ التفاصيل الأخيرة معها في واشنطن فسارعت إلى دعوته إلى الغداء وتوجّه إلى واشنطن على الفور. وجرى هذا الغداء في 20 آب 2004 وشرح خلاله مبعوث الرئيس الفرنسي لها أن الأمور تتسارع وأن دمشق تقوم بمبادرة تلو الأخرى للتجديد للحود وأن رفيق الحريري سيستدعى إلى دمشق قريباً ويوضع أمام الأمر الواقع وأنه إذا جدّدت سوريا لحليفها فستواصل سيطرتها على لبنان خلال السنوات الست المقبلة و«أن لبنان سيبقى ضحية الممارسات المافياوية نفسها وأن آفاق الإصلاح التي فتحها مؤتمر باريس 2 ستزول نهائياً». ثم دار النقاش حول أهداف مشروع القرار ألا وهي إزالة سلاح حزب الله وسلاح الميليشيات وانسحاب الجيش السوري من لبنان حتى الخط الأزرق شمالي إسرائيل.

اتخذ القرار 1559 إذا في سبتمبر 2004 وكان الشروع في تنفيذه يبدأ حكما بمنع التجديد للرئيس إميل لحود وتعيين رئيس آخر على هوى رفيق الحريري إلا أن البداية كانت فاشلة ولا تشير إلى إمكانية رضوخ السوريين أو انصياعهم لمخططات بوش وشيراك.

لم يعلن السوريون انسحابهم من لبنان إلا في مارس 2005 أي أن أشهرا مضت لم يرضخ فيها الأسد لإملاءات التحالف الغربي إلا بعد مقتل الحريري واندلاع ما يسمى بثورة الرابع عشر من آذار.

هدفان رئيسان سعى القرار المؤامرة لتحقيقهما:

الأول: إسقاط النظام السوري.

والثاني: نزع سلاح المقاومة.

أي أن القرار المؤامرة وضع بذرة الحرب الإسرائيلية على لبنان بعد ذلك بعامين من أجل نزع سلاح الحزب وهو ما لا يحتاج إلى ذكاء مفرط.

يبقى السؤال: لماذا كان يتعين على حزب الله اغتيال رفيق الحريري الذي كان مجرد مستشار للقوى الكبرى صاحبة القرار كما كان هدية من جاك شيراك لصديقه بوش لمعاونته في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يسمى الآن صفقة القرن!!.

الرجل كان مجرد أداة ليس إلا ولا شك أنه أحس بالندم لتورطه فيما ليس بوسعه القيام به فكان أن تراجع وقام بتحسين علاقاته بحزب الله والعهدة على المحكمة الدولية اليوم!!.

هل كان اغتيال الحريري سيمنع الحرب القادمة وبديهي أن الحرب كانت دائرة بالفعل في العراق والتهديدات متواصلة ضد سوريا؟!.

الجواب: قطعا لا وألف لا، بل سيسهل شنها وتبريرها.

المتآمرون الذين قرروا تفجير المنطقة إرضاء لرغبات المتوحش جورج بوش كانوا في أمس الحاجة لحدث كبير يهز لبنان والمنطقة ويستخدم كسيف مصلت على رقبة حزب الله وسوريا ولذا كان اغتيال الحريري ومعه بعض الرفاق!!.

لماذا بقيت المحكمة الدولية تمارس رياضة السير في المكان خمسة عشر عاما؟!.

السبب هو الاحتفاظ بالتهمة معلقة كورقة مساومة مع سوريا وحزب الله وإلا فالقرار الذي صدر اليوم لا يختلف عن محصلة عصير أطنان من الأحجار للحصول على قطرة ماء واحدة لا تغني ولا تسمن من جوع!!.

الذي قتل رفيق الحريري هو جاك شيراك وجورج بوش وقرار القتل صدر من مجلس الأمن تحت رقم 1559.

إن في ذلك لعبرة لمن يخشى…. الاغتيال وليس الآخرة!!.

تلك حكاية أخرى!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏18‏/08‏/2020

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق