دراسات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الإمام الحسن رجل الحوار والسلام الجزء الثالث والأخير

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الإمام الحسن رجل الحوار والسلام الجزء الثالث والأخير

خطبة معاوية ورد الإمام الحسن:

فلمّا تمّتِ الهُدنةُ على ذلكَ سارَ معاويةُ حتّى نزلَ بالنُّخَيْلةِ وكانَ ذلكَ يومَ جمعةٍ فصلّى بالنّاسِ ضحى النّهارِ، فخطَبَهُم وقالَ في خطبتهِ: إِنِّي واللهِّ ما قاتلتُكم لتُصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكُّوا، إِنّكم لتفعلونَ ذلكَ ولكنِّي قاتلتُكم لأتأمّرَ عليكم وقد أعطاني اللهُّ ذلكَ وأنتم له كارِهونَ ألا ِوإنِّي كنتُ منَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياءَ، وجَمِيعُها تحتَ قَدَمَيَّ لا أفي بشيءٍ منها له.

ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياماً فلما تمت البيعة له من أهلها صعد المنبر فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فنال منه ونال من الحسن وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما حاضرين فقام الحسين ليرد عليه فأخذ بيده الحسن فأجلسه ثم قام فقال: «أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي عليوأنت معاوية وأبوك صخر وأمي فاطمة وأمك هند وجدي رسول الله وجدك حرب وجدتي خديجة وجدتك قتيلة فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرنا قدماً وأقدمنا كفراً ونفاقاً» فقال طوائف من أهل المسجد: آمين آمين.

المصدر (الإرشاد للمفيد والمقاتل للأصفهاني).

الخلافة والإمامة

بانتهاء خلافة الإمام الحسن بن علي عليه السلام ونزوله عن السلطة لمعاوية بن أبي سفيان انتهى ذلك اللقاء المؤقت بين الخلافة والإمامة والذي لم يدم سوى خمسة أعوام ونصف هي فترة حكومة الإمام علي والإمام الحسن من بعده.

بقي الإمام إماما للدين وهو الأحق بإمامة الدنيا إلا أن إمامة الدنيا تحتاج إلى أدوات تختلف عن تلك التي تحتاجها إمامة الدين!!.

إمامة الدين هبة وفضل إلهي يمن بها الله على من يشاء من عباده.

أما السلطة الدنيوية فيمكن أن تكون بالقوة والغصب الجبري!!.

وكما ورد في الأثر (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن يحب).

قال تعالى: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ*وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ *وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)[1].

رأينا إذا كيف ساد التخاذل صفوف المسلمين وتفرقت كلمتهم وضعفت نيتهم عن وأد الفتنة في مهدها مما حتم على الإمام الحسن إعادة النظر في الموقف كله والبحث عن خيارات أخرى تحفظ دماء المسلمين وتحول دون فناء تلك القلة المؤمنة العارفة بفضل أئمة أهل البيت ووجوب طاعتهم.

لم يكن الأمر كما يصوره البعض الآن إقرارا بشرعية النظام الأموي ولا تسليما بصحة السلطة القائمة على الجبر والغصب والإكراه ولكنها حكمة التعامل مع الأمر الواقع ولذا فقد اشترط عدة شروط أوردها الشيخالصدوق في كتاب (علل الشرائع) قال (بايعالحسن بن علي صلوات اللّه عليهمعاوية على ألا يسميه أميرالمؤمنين ولا يقيم عنده شهادة، وعلى ألا يتعقب علىشيعة على شيئا، وعلى أن يفرق فيأولاد من قتل مع أبيه يوم الجملوأولاد منقتل مع أبيه بصفين ألفَألف درهم، وعلى أن يجعلذلك من خراج دار أبجرد).

كما يروي أبو الفرج الأصفهاني عن سفيان بن أبي ليلى قال أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال وعليك السلام يا سفيان ونزلت فعقلت راحلتي ثم جلست إليه فقال كيف قلت يا سفيان؟ قلت السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال لم جرى هذا منك إلينا؟؟ قلت أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك فقد جمع الله عليك أمر الناس, فقال يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به وإني سمعت عليا يقول لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرة ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع لا ينظر الله إليه ولا يموت حتى لا يبقى له في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر وإنه لمعاوية بن أبي سفيان وإني عرفت أن الله بالغ أمره ثم قال ما جاء بك يا سفيان؟؟ قلت حبكم والذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق, قال أبشر يا سفيان فإني سمعت عليا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين يعني السبابة والوسطى أحداهما تفضل على الأخرى أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد.

إنها رواية لا تختلف كثيرا عن تلك التي رواها ابن الأثير في الكامل قال: ولماسارالحسنمنالكوفةعرضلهرجلفقالله‏:‏يامسودوجوهالمسلمين‏!‏فقال‏:‏لاتعذليفإنرسولاللهـصلىاللهعليهوسلمـرأىفيالمنامبنيأميةينزونعلىمنبرهرجلًافرجلًافساءهذلكفأنزلاللهعزوجل إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَاأَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُالْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) يملكهابعدكبنوأمية)‏.‏

الآن مر على هذه الواقعة 1400 عام (أطمأن)فيها المجرمون أو توهموا أن يد العقاب الإلهي لن تطالهم وأن الدنيا معقولة عليهم تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا وَلَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَلَا سَيْفُهَا وَكَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً.

 

ذهبت السلطة (مؤقتا) لمن أرادها وسعى لها سعيها من أهل الدنيا ولحق به من لحق طمعا في فضلاته وغنائمه وبقيت الإمامة عند أهل الإمامة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وصدق الله العلي العظيم (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا *وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا *كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا *انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)[2].

إمامة الدين كانت ولا زالت حاضرة في ضمائر المؤمنين, أما السلطة الدنيوية فهي ظل زائل وعرض لا يدوم حيث يروي ابن الأثير أيضا أن معاويةلما دخل الكوفةأشار عليهعمروبنالعاصأن يأمرالحسنأنيقومفيخطبالناسليظهرلهمعيه‏.‏فخطبمعاويةالناسثمأمرالحسنأنيخطبهم‏.‏فقامفحمداللهبديهةًثمقال‏:‏أيهاالناسإناللههداكمبأولناوحقندماءكمبآخرناوإنلهذاالأمرمدةوالدنيادولٌوإناللهعزوجلقاللنبيه (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)[3]‏‏فلماتكلم قاللهمعاوية‏:‏اجلسوحقدهاعلىعمرووقال‏:‏هذامنرأيك‏.‏ولحقالحسنبالمدينةومعه أهلبيتهوجعلالناسيبكونعندمسيرهممنالكوفة‏.‏

كتب بعض الكتاب عن صلح الإمام الحسن مع معاوية بن أبي سفيان متجاهلين كل تلك الوقائع التي ذكرناها والتي ساقت الإمام الحسن لاتخاذ قراره التاريخي بوضع الحرب زاعمين أن الأمر كان إقرارا منه بشرعية النظام الأموي المتغلب.

كما كتب البعض الآخر يدعي أن الإمام الحسن أبرم هذا الصلح ليتفرغ للزهد والعبادة وكأنه سلام الله عليه لم يكن يؤدي الصلاة بسبب انشغاله بالحروب وسفك الدماء!! رغم أنه من أهل بيت مدحه الله عز وجل بقوله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)[4].

إنها جماعة الراضين بأفعال وجرائم بني أمية تلك الجماعة التي لا هم لها إلا تبرير هذه الجرائم والدفاع عنها والتشكيك في مواقف أئمة أهل البيت ومحاولة نزع الشرعية عنها وتقديمهم في صورة الشكاك في أمرهم وقد نال إمامنا الحسن بن علي عليه السلام قسطا لا يستهان به من تلك السهام الشيطانية!!.

محاولات تشويه صورة الإمام الحسن

حاول هؤلاء القوم وبعضهم ممن يلبس العمائم والبعض الآخر ممن يرتدي ثياب الاستنارة المزعومة )وكأن الاستنارة العقلية لا تختلف عن الإنارة الكهربائية إلا في موضع تعليق المصابيح هذه فوق الرءوس وتلك فوق الجدران!(، إلقاء ظلال من الريبة على مواقف الحسن زاعمين أنه كان من الرافضين لموقف إمام الأمة وأبي الأئمة علي بن أبي طالب في قتال الفئة الباغية وأن أمير المؤمنين علي ع شتمه قائلا (ما زلت تحن حنين الأمة)!!.

تجاهل هؤلاء أو جهلوا الأدوار التي قام بها الحسنان (الحسن والحسين) في نصرة الإمام وقتال الفئة الباغية وتجاهلوا أن الإمام علي بن أبي طالب لم يكن راغبا ولا حريصا على سفك قطرة دم واحدة من دماء المسلمين حتى ولو كانت دماء الفئة الباغية وأنه فعل ما في وسعه وفوق ما في وسعه للحيلولة دون نشوب مثل هذا القتال وأن المسئولية الكاملة في كل ما جرى تقع على عاتق هؤلاء الذين انتهكوا كل القيم والأعراف والتقاليد من أجل تحقيق أهدافهم الدنيوية الرخيصة والتافهة.

أما عن اندفاع الحسن عليه السلام نحو القتال والشهادة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام فيكفي للتدليل عليها ما قاله الإمام علي ع في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن(عليه السلام) يتسرع إلى الحربامْلِكُوا عنِّي هذَا الْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهذَيْنِ ـ يَعْنِي الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ(عليهما السلام) عَلَى الْمَوْتِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله). خطبة 207 نهج البلاغة.

إنه الحسن بن علي بن أبي طالب الذي قال: (فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ) وهو أيضا من قال (وَاللهِ لاَبْنُ أَبي طَالِب آنَسُ بالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ).

دعك إذن من تلك التفسيرات الخبيثة أو المتخابثة التي لا يكف أدعياء العلم والاستنارة عن ترويجها في حق إمام عظيم من أئمة آل محمد ضحى بنفسه من أجل إحياء أمر الدين والأمة ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت!!.

لم يكن الإمام الحسن بن علي عليه السلام أقل مضاء ولا عزما على إحقاق الحق وإبطال الباطل من أبيه علي ع ولا من أخيه الحسين والفارق بين هؤلاء الأئمة لم يكن سوى اختلاف الظرف الذي عاشه وعاينه كل منهم وتبقى المبادئ والأسس التي ساروا عليها كلهم واحدة.

السعي الحثيث الخبيث لإثبات مفارقة وهمية بين الإمامين علي بن أبي طالب وابنه الإمام الحسن من خلال تصوير الإمام علي ع وكأنه كان وحشا متعطشا لسفك الدماء بينما كان الحسن ع رافضا لقتال أهل القبلة ينفيه تماما تريث الإمام علي طويلا قبل اللجوء إلى استخدام القوة يوم صفين حتى أن البعض تذمر من هذا الانتظار فرد عليهم قائلا: (أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ.وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: شَكّاً في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي، فهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا)[5].

أما الرواية التي حاول البعض من خلالها الدس والزعم بأنه سلام الله عليه كان رافضا لمواقف الإمام علي عليه السلام فهي رواية ركيكة لا تصمد أمام النقد والتمحيص خاصة بالعودة إلى نصها.

روى الطبري في تاريخه ج3 : عن السري عن شعيب عن سيف عن خالد بن مهران البجلي عن مروان بن عبد الرحمن الخميسي عن طارق بن شهاب قال خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان رضي الله عنه فلما انتهينا إلى الربذة وذلك في وجه الصبح إذا الرفاق وإذا بعضهم يحدو بعضا فقلت ما هذا فقالوا أمير المؤمنين فقلت ماله قالوا غلبه طلحة والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه فهو يريد أن يخرج في آثارهما فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون آتي عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو أخالفه إن هذا لشديد فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال قد أمرتك فعصيتني فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك فقال علي إنك لا تزال تحن حنين الجارية وما الذي أمرتني فعصيتك قال أمرتك يوم أحيط بعثمان رضي الله عنه أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ثمأمرتك يوم قتل الا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كله…..

أول آفات هذه الرواية أنها عن (السري عن شعيب عن سيف) وسيف هو من هو وهو صاحب أشهر أكذوبة في التاريخ ونعني أكذوبة ابن سبأ أو ابن السوداء.

سيف عند (شيوخ الرواية)

ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب رقم 2724:

سيف ابن عمر التميمي صاحب كتاب الردة ويقال ‏له‏ الضبي ويقال غير ذلك الكوفيضعيف ‏في‏ الحديث عمدة في التاريخ افحش ابن حبان القول فيه مات فيزمن الرشيد.

أما الذهبي فقد أورد عنه ما يلي في ميزان الاعتدال:

3637 – سيف بن عمر الضبي الأسدى. ويقال التميمي البرجمى ، ويقال السعدي الكوفي مصنف الفتوح والردة وغير ذلك. هو كالواقدي. يروى عن هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وجابر الجعفي وخلق كثير من المجهولين. كان إخباريا عارفاروى عنه جبارة بن المغلس وأبو معمر القطيعى والنضر ابن حماد العتكى، وجماعة. قال عباس، عن يحيى: ضعيف. وروى مطين، عن يحيى: فلس خير منه. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم متروك وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة وقال ابن عدي عامة حديثه منكر. عبيد الله بن سعد الزهري عن عمه يعقوب حدثنا سيف بن عمر عن وائل أبى بكر عن الزهري عن عبيدالله وعن عطية بن الحارث عن أبى أيوب عن علي وعن الضحاك عن ابن عباس قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة يعدهم الظهور فإذا قالوا: لمن الملك بعدك؟ أمسك  لأنه لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت: وإنه لذكر لك ولقومك فكان بعد إذا سئل قال لقريش فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار. مكحول البيروتى سمعت جعفر بن أبان, سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبى تميمي كان جميع يقول: حدثنى رجل من بنى تميم وكان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة. أنبأنا أحمد بن سلامة، وأحمد بن عبد السلام عن ابن كليب، أخبرنا المبارك ابن الحسين الغسال حدثنا الحسن بن محمد الحافظ حدثنا القطيعي حدثنا محمد ابن يونس أخبرنا النضر بن حماد العتكي حدثنا سيف بن عمر السعدى حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فالعنوهم. رواه الترمذي عن أبى بكر بن نافع، عن العتكي. وقال: هذا منكر ومات سيف زمن الرشيد.

أما أبو حاتم الرازي فيقول عنه: رقم 1198: سيف بن عمر الضبي روى عن عبيد الله بن عمر العمري روى عنه عبد الرحمن بن محمد المحاربي والنضر بن حماد سمعت أبي يقول ذلك. حدثنا عبد الرحمن قال قرئ على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: سيف بن عمر الضبي الذي يحدث عنه المحاربي ضعيف الحديث. حدثنا عبد الرحمن قال سئل أبي عن سيف بن عمر الضبى فقال: متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي.

هذا عند علماء الرجال من العامة!!.

أما من ناحية المضمون فكيف لنا أن نصدق أن الإمام الحسن عليه السلام يرفض نهضة الإمام علي في مواجهة الناكثين مع علمه ويقينه بوصية رسول الله صلعم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ويوصيه بالقعود قائلا (ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك)!!.

ألم يكن الإمام الحسن عليه السلام هو مبعوث الإمام علي ع من أجل تعبئة أهل الكوفة حينما حاول عبد الله بن قيس (أبو موسى الأشعري أن يفسدها عليه وكان أن خطب تلك الخطبة التي دونها المؤرخون:

عقد الإمام الحسن عليه السلام مؤتمرا شعبيا حضره عمار بن ياسر والرواية لأبي مخنف قام الحسن ع فاستنفر الناس فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال (أيها الناس إنا جئنا ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وإلى سنة رسوله وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون وأفضل من تفضلون وأوفى من تبايعون من لم يعيبه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة إلى من قربه الله  تعالى قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون وقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم محجمون وصدقه وهم يكذبون إلى من لم ترد له راية ولا تكافأ له سابقة وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به الصالحون) شرح النهج ج3 ص 292.

كما ينقل شارح النهج أيضا:

ولا يفوتنا هنا أن نثبت ما ذكره أبو مخنف نقلا عن تميم بن حذيم الناجي قال: (لما قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام وعمار بن ياسر يستنفران الناس إلى علي عليه السلام ومعهما كتابه فلما فرغا من قراءة كتابه قام الحسن وهو فتى حدث والله إني لأرثي له لحداثة سنه وصعوبة مقامه فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا فوضع يده على عمود يتساند إليه و كان عليلا من شكوى به فقال (الحمد لله العزيز الجبار المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وعلى ما أحببنا أو كرهنا من شدة أو رخاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله امتن علينا بنبوته واختصه برسالته و أنزل عليه وحيه واصطفاه على جميع خلقه وأرسله إلى الإنس والجن حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان وجحد الرحمن فصلى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين أما بعد:

فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون أن أمير المؤمنين على بن أبي طالب أرشد الله أمره وأعز نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب وإلى العمل بالكتاب والجهاد في سبيل الله وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله ولقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ثم شهد مع رسول الله ص جميع مشاهده وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم ولم يزل رسول الله ص راضيا عنه حتى غمضه بيده وغسله وحده و الملائكة أعوانه والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ثم أدخله حفرته وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من أموره كل ذلك منْ منِ الله عليه ثم والله ما دعا إلى نفسه ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها فبايعوه طائعين ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته وألهمنا وإياكم تقواه وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه ونستغفر الله العظيم لي ولكم ثم مضى إلى الرحبة فهيأ منزلا لأبيه أمير المؤمنين).

قال جابر فقلت لتميم كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه فقال ولما سقط عني من قوله أكثر ولقد حفظت بعض ما سمعت.

تبييض وجه الأئمة؟؟!!

لا يحتاج أئمتنا عليهم السلام لمن يبيض وجوههم أو يدفع عنهم محاولات التزييف الفاشلة التي أدمنها فلول بني أمية الذين لم يجدوا وسيلة لتبييض سوادهم (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) غير التشكيك وإبراز ما يظنونه تناقضات بين الأئمة عليهم السلام.

يزعمون أن ابن آكلة الأكباد أقام دولة ترعى مصالح المسلمين وأنه كان سياسيا فذا، والسياسة عند هؤلاء تعني الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق.

لم يجد القوم ما يبيض وجوه أئمة أهل النار أساطين الكذب والغش والتضليل (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ)[6]،سوى الرقص والتلوي حول الكلمات وطرح الشكوك والشبهات فتارة لماذا صالح الإمام؟ وتارة أخرى لماذا ثار الإمام؟ وهكذا ولأنهم ربما يعتقدون أن الوقوف على التل أسلم والأكل من قصة معاوية –الآن قصعة آل سعود- أدسم والصلاة وراء علي لا تتم، أما أن يتفضل أحدهم على الناس بجواب أو تفسير لماذا نحن في ذيل الأمم ولماذا يركض أحفاد معاوية وذراري البطل المغوار صلاح الدين بالركض وراء الصهاينة طلبا للأمان فهذا ليس من واجبهم ولا التزامهم!!!.

يقول القرضاوي في كتابه الأعجوبة (تاريخنا المفترى عليه) أن (أننا إذا نظرنا إلى خليفة وحاكم مثل معاوية بن أبي سفيان نجده من أعظم حكام العالم وأقربهم إلى العدل والحكمة وإنما نزلت مرتبته لمقارنته بمثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب في مثاليتهما الرفيعة ولأنه انحرف بالحكم عن سنة الخلافة الراشدة من ترك المسلمين يختارون لأنفسهم أو استخلاف أحد من غير عصبته)[7].

ثم لا يجد بأسا أن ينقل عن (محمد رشيد رضا في كتابه الوحي المحمدي عن أحد العلماء الألمان قوله: إنه ينبغي لنا أن نقيم تمثالا من الذهب لمعاوية في عاصمتنا برلين لأنه هو الذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغالب ولولا ذلك لعم الإسلام العالم كله ولكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوربا عربا ومسلمين)[8].

في المحصلة النهائية لا نرى فارقا يذكر بين موقف الإمامين علي بن أبي طالب والإمام الحسن ثم موقف الإمام الحسين من بعدهما والفارق الوحيد هو في الظروف التي عايشها كل منهم.

نهاية الموقف:

ولما استقر الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية خرج عليه السلام إلى المدينة فأقام بها منتظراً لأمر ربه إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته وعزم على البيعة ليزيد فدس إلى الإمام الحسن  من سمه فبقي عليه السلام مريضاً أربعين يوماً ومضى عليه السلام لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة وله يومئذ ثمان وأربعون سنة فكانت مدة إمامته عشر سنين وتولى أخوه ووصيه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم ٍ بن عبد منافٍ رحمة الله عليها بالبقيعِ.

لقي الإمام الحسن بن علي عليه السلام ربه شهيدا مظلوما سيرا على خطى الأئمة والأنبياء الذين ضاقت البشرية بهم ذرعا ولم تجد وسيلة لإسكاتهم سوى القتل والتصفية الجسدية وهذا هو دأبهم إلى أن يظهر الحق ويزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

 

آخر القول وليس نهاية الكلام:

أشكر السيد الجليل كاظم الخرسان الذي حفزني على كتابة هذا البحث الذي يمثل محاولة متواضعة للذب عن أحد السادة العظام سادة الأنام محمد وآله الكرام، إلا أنه ليس نهاية الكلام.

دكتور أحمد راسم النفيس

المنصورة مصر

‏07‏/12‏/2018مـ

‏الجمعة‏، 29‏ ربيع الأول‏، 1440

 

 

 

 

 

 

[1]الزخرف 33-35.

[2]الإسراء 18-21.

[3]الأنبياء 111.

[4]النور 36-37.

[5]خطبة 54 نهج البلاغة.

[6]القصص 41-42.

[7]الشيخ يوسف القرضاوي: تاريخنا المفترى عليه. ص 92-93.

[8]نفس المصدر 94-95.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق