مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: سبعة آلاف سنة حضارة وثمانون عام إخوان وأسبوع واحد للثقافة!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: سبعة آلاف سنة حضارة وثمانون عام إخوان وأسبوع واحد للثقافة!!

سبعة آلاف سنة حضارة وثمانون عام إخوان وأخيرا أسبوع واحد للثقافة!!.

هذه هي الطريقة التي ندير بها أمورنا والتي نريد من خلالها أن نقود الدنيا!!.

أخيرا قرر الإخوان المسلمون الاهتمام بالثقافة حيث قال مرشد الإخوان في رسالته الأسبوعية: لا بدَّ لكل إنسان عاقل راشد أن يتسلَّح بالمعرفة، ويتزوَّد بالثقافة؛ حتى يكونَ تصورُه للأحداث والقضايا صحيحًا، وحكمُه عليها صائبًا، وتصرفُه حيالَها مناسبًا، ويَقوَى الإقبالُ على المعرفة أكثر في حق الإنسان المسلم؛ لأنه يعلم أن أولَ كلمةٍ نزلت في القرآن العظيم ﴿اقْرَأْ﴾، فإذا كان هذا شأن أي مسلم مع المعرفة والثقافة؛ فأنتم أيها الإخوان أَولى بهذا، وأنتم تواجهون كل يوم مختلف الأفكار والآراء، والنظريات والفلسفات في شتى النواحي والمجالات فأكثِروا أيها الإخوان من المطالعة في الكتب والإصدارات والصحف والمجلات، وأحسِنوا المتابعة لما يُبَثُّ في القنوات الفضائية والشبكات والإذاعات لتواكبوا الأحداث والتطورات، وتكونوا على مستوى ما تحملون من أمانات ورسالات.

هل حقا قرر الإخوان خوض مواجهة ثقافية مفتوحة ومواجهة الفكرة بالفكرة بدلا من إلقاء كامل العبء على المتحدث المتواصل باسم الجماعة كما يقول السيد مهدي عاكف (وأنتم تواجهون مختلف الأفكار والآراء) أم أن المواجهة ستبقى في إطار تعميمات حزبية توجب قراءة هذا وتمنع قراءة ذاك؟!.

ولماذا يعتقد السيد مهدي عاكف (أن الإخوان أولى بالثقافة من غيرهم)؟!.

لن نتوقف عند هذه النقطة مليا فهناك الكثير مما يمكن أن يقال عن (علاقة الإخوان بالثقافة) مما جعل مرشد الإخوان يرى أنهم أحق بها وأهلها!!.

ولأنه يرى ونحن نوافقه أنه (لا بدَّ لكل إنسان عاقل أن يتسلَّح بالمعرفة ويتزوَّد بالثقافة حتى يكونَ تصورُه للأحداث والقضايا صحيحًا وحكمُه عليها صائبًا وتصرفُه حيالَها مناسبًا) فليسمح لنا أن نراجعه في بعض القضايا التي أقامت عليها الجماعة بناءها ثم استقتها منهم بعد ذلك باقي الجماعات وأسست عليه بناءها فخر عليهم السقف من فوقهم وهاهم يطرحون الآن مراجعاتهم قبل أن يكملوا طرح ثقافتهم.

إنها الأطروحة القائلة بأن عصر الإسلام الذهبي في ظل دولة عظمي قد امتد منذ تأسيس الرسول (صلي الله عليه وسلم) الدولة الأولي في المدينة وحتى سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤، مما أدي إلي انفراط عقد المسلمين وضعفهم وتفرقهم).

إنها المقولة التي افتتح بها الدكتور فضل منظر الجهاد أطروحته الجهادية المعتدلة والمعدلة.

إنها نفس الرؤية التي اعتمدها مؤسس الإخوان حسن البنا في تأريخه لكارثة العالم الإسلامي باعتبار أن سقوط الخلافة العثمانية حسمت مصير العالم الإسلامي وساقته إلى الضياع فيقول (وبهذا الوضع انتصرت أوربا في هذا الصراع السياسي وتم لها ما أرادت من تمزيق الإمبراطورية الإسلامية والذهاب بدولة الإسلام وحذفها سياسيا من قائمة الدول الحية العظيمة).

لو اهتم الإخوان المسلمون منذ بدايتهم بالثقافة والفكر والتأمل ولم يقصروا اهتمامهم على السعي لملء الفراغ المزعوم الذي تركه سقوط (عنوان الخلافة) لمَا سقطوا في هذا التحليل السطحي الفج ثم جاء الجهاديون من بعدهم ليسقطوا في نفس الحفرة وهاهي (فرقة مصر للأفراح بقيادة أحمد الخطيب وضياء رشوان) تقيم الأفراح والليالي الملاح ابتهاجا بانتشال ما تبقى منهم!!.

فالخلافة بالصورة التي عرفها تاريخنا كانت نظاما وضعيا من صنع بشر أصاب بعضهم وأخطأ أغلبهم وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل لدرجة أن العبيد المماليك قاموا باختراع خليفة عباسي ديكوري أرادوا به إكمال وجاهتهم ليمنحهم شرعية أمام أولياء نعمتهم من المصريين حيث يحكي لنا المقريزي كيف صنع هؤلاء صنما من العجوة العباسية الفاخرة وضعوه في القاهرة وأسموه خليفة للمسلمين: وأصل الخلفاء العباسيين بمصر أن أمير المؤمنين المستعصم بالله عبد الله آخر خلفاء بني العباس لما قتله هولاكو سنة 656هـ وخلت الدنيا من خليفة وصار الناس بغير إمام قرشيّ إلى سنة تسع وخمسين فقد الأمير أبو القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر العباسيّ من بغداد إلى مصر فركب السلطان الملك الظاهر بيبرس إلى لقائه وصعد به قلعة الجبل وقام بما يجب من حقه وبايعه بالخلافة وبايعه الناس وتلقب بالمستنصر‏.‏ ثم قدم من بعده الأمير أبو العباس أحمد بن أبي عليّ الحسن من ذرية الخليفة الراشد بالله أبي جعفر منصور بن المسترشد فأنزله السلطان في برج بقلعة الجبل وأجرى عليه ما يحتاج إليه ثم بايعه بعدما أثبت نسبه على قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز ولقّبه بالحاكم بأمر الله وبايعه الناس كافة ثم خطب من الغد وصلى بالناس الجمعة في جامع القلعة ودُعي له من يومئذ على منابر مصر قبل الدعاء للسلطان ثم خطب له على منابر الشام واستمر الحال على الدعاء له ولمن جاء من بعده من الخلفاء وما زال بالبرج إلى أن منعه السلطان من الاجتماع بالناس في المحرم سنة ثلاث وستين فاحتجب وصار كالمسجون زيادة على سبع وعشرين سنة بقية أيام الظاهر بيبرس وأيام ولديه محمد بركة وسلامش وأيام قلاون‏.‏

لقد تحولت الخلافة واقعيا وبعد قرن أو قرنين من الهجرة إلى نظام شكلي يعطي الشرعية لنظم سلطوية لا علاقة لها بالإسلام أو الدين من قريب أو من بعيد حتى أن العبيد المماليك قاموا بجلب (طفل عباسي تائه) إلى القاهرة ومنحوه اللقب وقاموا بالدعاء له كمحاولة من هؤلاء اللقطاء لمنح أنفسهم نسبا سياسيا شرعيا.

السؤال الذي يتبع هذا: لماذا عندما سقطت الخلافة العثمانية لم تترك أثرا علميا أو حضاريا أو أخلاقيا يمكن لعشاق الخلافة الأموية والمملوكية الاستفادة منه وإعادة بناء ما هدمه أعداء هذه الدولة.

رأينا بأم أعيننا كيف انهارت دولة عظمى هي الاتحاد السوفييتي وتفككت إلى دول أقل حجما ولكن هذه الدول ورثت عن الدولة الأم علما وحضارة مكنتها خلال عقد أو عقدين من العودة إلى الساحة العالمية.

الموروث الحضاري لا يضيع إذا سقطت الدولة بل يتوزع على الدول الوارثة فأين هو الموروث الحضاري العثماني العلمي والأخلاقي إن جاز وصفها بالحضارة.

كان من المفروض على الإخوان وغير الإخوان أن يدرسوا أوضاع العالم الإسلامي بعمق وترو (حتى يكونَ تصورُهم للأحداث والقضايا صحيحًا وحكمُهم عليها صائبًا وتصرفُهم حيالَها مناسبًا) كما يقول مرشد الإخوان وفي هذا الإطار كان من المتعين عليهم الغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والأخلاقية التي عاشتها المجتمعات الإسلامية خاصة في الفترة التي سبقت سقوط الخلافة العثمانية بدلا من الاكتفاء بالبكاء على الأطلال.

ولأن الإخوان لم يفعلوا ذلك طيلة قرن كامل من الزمان ولا أراهم يفعلون وهم قد تركوا المهمة لخطباء المنابر الندابين الذين لا يحفظون من الأحاديث المنسوبة للنبي إلا حديث (القصعة) الشهير الذي هو العمدة والعدة في مدرسة التحليل السياسي والاجتماعي للإخوان وخلفائهم من الجماعاتيين يمكننا أن نقول أن هذا الاهتمام الإخواني بالثقافة جاء متأخرا على طريقة (بعدما شاب أخذوه إلى الكُتاب)!!.

نقلا عن جريدة القاهرة بتاريخ 4/ ديسمبر/ 2007.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏26‏/11‏/2007

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق