دراسات النفيس

عرض ثلاث كتب للدكتور أحمد راسم النفيس

عرض ثلاث كتب

للدكتور أحمد راسم النفيس

  • الجماعات الإسلامية: محاولة استمساخ الأمة الإسلامية والذي جرى تعديله بعد ذلك ليطبع تحت عنوان (الإخوان المسلمون شعب الله المختار).
  • القرضاوي: وكيل الله أم وكيل بني أمية.
  • عندما يحكم العبيد.

الكتاب الأول (الجماعات الإسلامية) ينقسم إلى قسمين الأول هو محاولة استمساخ الأمة والثاني هو من أسس لثقافة العنف القديمة والمعاصرة.

يرى الكاتب أن تلك الحركات المسماة بالإسلامية تطرح مجموعة من الأفكار التي تداور وتناور حول ثلاثة محاور رئيسية.

أن العالم الإسلامي يعيش في حالة ردة وانحراف منذ فترة من الزمن اختلفت حولها التقديرات ما بين قائل (منذ سقوط الخلافة العثمانية) وقائل منذ (انتهاء العمل بأحكام الشريعة الإسلامية) وأن الأمة الإسلامية لم تعد موجودة بسبب انتهاء العمل بأحكام الشريعة الإسلامية ولا بد من العودة إليها كي تعود الأمة من جديد.

كما تؤمن هذه التنظيمات بضرورة إعادة إنشاء الأمة الإسلامية من خلال تأسيس الجماعة التنظيم التي سينضوي تحت لوائها المؤمنون الجدد والتي ستصبح بعد فترة من الوقت هي الأمة الإسلامية الحقيقية أي أنها محاولة (استنساخ أو استمساخ الأمة الإسلامية) أو لأن الأمة المزعومة هي مسخ مشوه عاش مسخا وما تبقى منه الآن لا يعدو كونه انشطارات مسوخية أبشع وأسوأ من كل ما تخيله أشد المتفائلين تفاؤلا بإنجازات القوم.

وأخيرا يرى هؤلاء أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهو أن المهمتان السابقتان (الشريعة والأمة) لا تتحققان إلا بوجود قيادة جديدة أو إمامة بديلة هي قيادة التنظيم التي ستصبح لاحقا إمامة عموم المسلمين.

أما عن حيثيات حكمهم على واقع الأمة الإسلامية وادعائهم بغيابها بعد سقوط الخلافة العثمانية فيلقي الكاتب نظرة على رؤية مؤسس الإخوان حسن البنا الذي يرى أن أزمة العالم الإسلامي بدأت مع سقوط الخلافة العثمانية التي حسمت مصير العالم الإسلامي وساقته إلى الضياع فيقول (وبهذا الوضع انتصرت أوربا في هذا الصراع السياسي وتم لها ما أرادت من تمزيق الإمبراطورية الإسلامية والذهاب بدولة الإسلام وحذفها سياسيا من قائمة الدول الحية العظيمة)

وينقل الكاتب عن الإمام المؤسس رؤيته التاريخية لمسار الأمة الإسلامية فيقول (على قواعد هذا النظام الاجتماعي القرآني الفاضل قامت الدولة الإسلامية الأولى تؤمن به إيمانا عميقا وتطبقه تطبيقا دقيقا وتنشره في العالمين فالوحدة الاجتماعية كانت شاملة بتعميم القرآن ولغة القرآن والوحدة السياسية شاملة في ظل أمير المؤمنين تحت لواء الخلافة العامة ولقد طاردت هذه المبادئ القرآنية الوثنية المخرفة في جزيرة العرب وبلاد الفرس فقضت عليها وطاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق وقضت على سلطانها الديني والسياسي قضاء تاما وصارعت المسيحية حتى انحسر ظلها في قارتي آسيا وأفريقيا).

ثم يعدد (الإمام) العوامل التي أدت إلى انهيار هذه الدولة بعد ذلك مرتين مرة في القرن السادس الهجري بأيدي التتار حتى سقوط الخلافة العثمانية  في القرن الرابع عشر الهجري.

ويرى الكاتب أن ما قاله حسن البنا هو كلام إنشائي بليغ لا يرقى أبدا ليكون تحليلا عمليا لتاريخ الأمة ومسارها السياسي كما يرى أن الرجل قد وقع في عدة تناقضات فهو يذكر على سبيل المثال أن انتقال السلطة إلى غير العرب كانت من عوامل ضعف الدولة الإسلامية بينما هو يؤرخ لكارثة الإسلام بسقوط دولة الأتراك العثمانيين!!.

ثم ينتقل الكاتب لمناقشة رؤية سيد قطب التكفيرية الذي يرى (إن وجود الأمة الإسلامية قد انقطع منذ قرون كثيرة ولا بد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى).

ويذهب سيد قطب إلى أبعد من هذا عندما يقول (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم كل ما حولنا جاهلية تصورات الناس وعقائدهم عاداتهم وتقاليدهم موارد ثقافتهم فنونهم آدابهم شرائعهم وقوانينهم حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكير إسلامي هو كذلك من صنع الجاهلية).

أما عن ثقافة العنف فيسلط الكاتب الضوء على جذورها في عمق التاريخ الإسلامي وعلى دور الإخوان في إحياء تلك الثقافة في التاريخ المعاصر حيث أعلن مؤسس الإخوان بعد عشر سنوات من تأسيس جماعته ردا على من يتساءلون عن موعد استخدام القوة المسلحة لإقامة دولة الإخوان فقال (ويتساءل كثير من الناس هل في عزم الأخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في الوصول إلى غايتهم؟ إن الأخوان سيستخدمون القوة العملية حين لا يجدي غيرها وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا و ينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح).

ويلاحظ الكاتب أن هذا الكلام كان عام 1937 قبل أن يتفجر الصراع المسلح في فلسطين وقبل أن يقرر الأخوان دخول المعركة أوائل عام 1948.

ويسجل الكاتب واقعة قتل القاضي الخازندار في مارس 1948 بيد الأخوين محمود زينهم وحسن عبد الحافظ حث حكم عليهما بالسجن المؤبد في 22 نوفمبر 1948 ولما تبين لحسن البنا أن قائد ميليشيا الإخوان عبد الرحمن السندي هو من قام بهذا العمل ألقى باللوم على المرشد وقال أنه هو من أمر عندما قال في مجلس عام أن القاضي يستأهل القتل فاعتبر السندي أن هذه العبارة من المرشد إذنا ضمنيا على الخازندار وينقل الكاتب عن صلاح شادي أن سبب قيام السندي بقتل الخازندار هو شعوره باستقلاله بمن يتولى قيادتهم من الأخوان عن سلطان الجماعة وقائدها الأمر الذي سهل له هذا السلوك فلم يكن من حق أحد من إخوان النظام أن يتصل بالمرشد في شأن من شئون النظام الخاص إلا عن طريقه وبهذا عزل أخوان النظام تماما عن قيادة الدعوة).

وينقل الكاتب عن الإخواني محمود الصباغ عضو منظمة آل كابوني في كتابه (حقيقة التنظيم الخاص) أن مؤسس الجماعة قد غضب “وعقد له محاكمة خاصة حضرها قادة التنظيم ودافع عبد الرحمن السندي عن نفسه (حيث أكد أنه فهم من العبارات المستهجنة التي صدرت من المرشد أنه سيرضى عن قتله لو أنه قتل فعلا وقد تأثر فضيلة المرشد تأثرا بالغا لكلام عبد الرحمن لأنه يعلم صدقه في كل كلمة يقولها وبلغ من تأثر المرشد أنه أجهش بالبكاء ألما لهذا الحادث الأليم فرأوا أن يعتبروا الحادث قتل خطأ حيث لم يقصد عبد الرحمن ولا إخوانه سفك نفس بغير نفس و إنما قصدوا قتل روح التبلد الوطني في بعض أفراد الطبقة المثقفة من شعب مصر وبناء عليه قرر المجتمعون (ولما كان هؤلاء الأخوان قد ارتكبوا هذا الخطأ في ظل انتمائهم للأخوان المسلمين و بسببه فقد حق على الجماعة دفع الدية التي شرعها الإسلام على القتل الخطأ من ناحية و أن تعمل الهيئة على إنقاذ حياة المتهمين البريئين من حبل المشنقة بكل ما أوتيت من قوة فدماء الأخوان المسلمين ليست هدرا يمكن أن يفرط فيه الأخوان في غير فريضة واجبة يفرضها الإسلام ولما كانت الجماعة جزءا من الشعب و كانت الحكومة قد دفعت [ما يعادل] الدية إلى ورثة المرحوم الخازندار فإن من الحق أن نقرر أن الدية قد دفعتها الدولة عن الجماعة وبقي على الأخوان إنقاذ حياة الضحيتين الآخرين محمود زينهم وحسن عبد الحافظ).

الكتاب الثاني

القرضاوي وكيل الله أم وكيل بني أمية ردا على كتاب (تاريخنا المفترى عليه).

يرى الكاتب أن الكتاب الذي أصدره الشيخ يندرج في إطار تيار التلفيق المهيمن على الساحة الفكرية الإسلامية والذي يزعم أنه تيار الوسطية والاستنارة والاعتدال بينما تقول الحقيقة أن هذا التيار هو في النهاية امتداد للتيار الأموي.

انطلق الشيخ في كتابه من فرضية الرد على ما أسماه (فرية العلمانيين) القائلة بأن الشريعة لم تطبق إلا في عهد الخلفاء الراشدين وأن أول من أطلق هذه (الفرية)  هو خالد محمد خالد في كتابه من “هنا نبدأ” (الذي أثار الزوابع هنا وهناك وتبنته جهات مشبوهة خدمها الكتاب من حيث لا يريد مؤلفه وقد استغلوا الكتاب أسوأ استغلال).

كما رد الكاتب على مرافعة الشيخ عن الأمويين القائمة على أن التاريخ كتب في عهد العباسيين الذين قاموا بتشويه صورة أولياء الله الصالحين الأمويين بقوله: طالما استمعت لتلك (الحجة) التي يصر البعض على استخدامها في محاولة بائسة لتبييض وجه الأمويين عندما تضيق بهم وسائل الرد والدفاع من أن التاريخ كتب ودون أيام العباسيين حيث يقول الشيخ (وقد رأينا بأم أعيننا كيف يكتب المنتصرون تاريخ العهود البائدة وان تاريخ بني أمية كتب في عهد خصومهم العباسيين)!!

فيقول إنها واحدة من أكبر السخافات والتفاهات التي لا يمل هؤلاء من تكرارها. فالعباسيون كانوا أبناء عمومة أهل البيت من الطالبيين ولكنهم في نفس الوقت كانوا طلاب سلطة لا يريدون لهم شريكا منازعا فيها حتى لقد قال قائلهم مشيرا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله لو نازعنا صاحب هذا المقام لضربناه على خيشومه بسيوفنا!!!.

ولذا فقد كان العباسيون أكثر عدوانية وشراسة تجاه أهل البيت من الأمويين.

سقطات الشيخ

قام الكاتب بالتقاط سقطات الشيخ في رده على من وصفهم بالمفترين حيث تبين أن المفتري الأول من وجهة نظر الشيخ هو أبو الأعلى المودودي حيث قال (والحق أنني عندما قرأت كلام الأستاذ المودودي عن التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية قفّ شعري وارتعدت فرائصي وإني لأعجب كل العجب أن يغلو في حكمه هذا الغلو على فضله وسمو منزلته وعلو كعبه في سعة العلم وعمق الفكر وامتلاك حاسة النقد.. وهذا يدلنا على أن البشر يظلون بشرا وهم إن بلغوا من العلم والفضل ما بلغوا يعتريهم القصور وتخالطهم الغفلة والذهول ويغلبهم الخطأ شاءوا أم أبوا نتيجة الغلو أو التفريط ولا عصمة لأحد إلا للرسول المؤيد).

لَقَدْ جاء المودودي إذا شيئا إدا (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) مريم90 عندما تجرأ وانتقد التاريخ الإسلامي مما (أثار عليه نقمة علماء الهند فقد تناول بعض الصحابة بما لا يليق بصحبتهم لرسول الله ص) ص 47 حيث استحق أن يوصف (بالتقصير والغفلة والذهول فضلا عن الغلو والتفريط ولا عصمة إلا لنبي أو للشيخ القرضاوي) ومما تسبب في تلك المصائب التي لحقت بشيخ الإسلام القرضاوي حيث قفَّ شعر رأسه وارتعدت فرائصه وانتابته حالة من الدهشة والعجب. كل هذا الغضب بسبب تبني المودودي لأسلوب مختلف عن أسلوب المدرسة السلفية التلفيقية في قراءة التاريخ وتقديم شيء من حقائقه!!.

رد القرضاوي على المودودي.

أما رد الشيخ على ما قاله أبو الأعلى المودودي فيتلخص في أن (هذا الكلام به حيف كبير على الحضارة الإسلامية وأنه يحمل نظرة متشائمة) ثم أحالنا على (ما كتبه الشيخ مصطفى السباعي في كتابه “من روائع حضارتنا” مما ينفي أن يكون ما أقدم عليه الخليفة الثالث من تصرفات داخلا في إطار الجاهلية) ص 51 وأن (الأحكام القاسية التي أطلقها المودودي يشوبها الإسراف والتعميم وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة وأن الأمة الإسلامية على ما فيها من علات هي خير أمم الأرض لأن الله كلفها أن تحمل خير الرسالات وجعلها شهيدة على الأمم) ص53.

لله در الشيخ المودودي الذي قال ما قال في نوبة صدق إلا أن هذا لا يرضي شيخ الإسلام القرضاوي الذي وصف كلامه بأنه (ضربة قاضية للحضارة التي نسميها إسلامية) ص56 وهذا هو دأبهم ودورهم الأخطر من دور السلطة المتجبرة التي حكمت العالم الإسلامي وقادت الملايين الجاهلة والمغيبة عن الوعي بفضل هؤلاء الشيوخ ثم أين هو رد القرضاوي على ما قاله المودودي؟؟.

الجواب: ليس هناك رد عدا تلك العبارات الفضفاضة مثل وصف ما قاله (بالمبالغة والقسوة والغلو ولقد قفّ شعر رأسي وارتعدت فرائصي وقل عرى صبري وهاجت صبابتي وهطلت دموعي حتى بلت لحيتي!) فضلا عن إحالة واحدة على كتاب الشيخ السباعي مرشد الإخوان السوري السابق وهي ليست إحالة تفصيلية بل هي رد برأي مزاجي على رأي علمي.

أي أن حالة اللا عقل واللا وعي والعنتريات البلاغية الفارغة على طريقة أحمد سعيد في (صوت العرب) (أكاذيب تكشفها حقائق) ولكنها ليست حقائق على الأرض بل هي مجرد تخيلات من صنع الوهم حكمت المسلمين قديما وحديثا.

الرد القرضاوي على سيد قطب لا يختلف كثيرا عن رده على المودودي فكلاهما أغضب علماء الهند وباكستان!! الذين رأوا في كلامه تحاملا على عثمان وبني أمية ونحن بكل تأكيد لا نقدر على إغضاب علماء الهند وباكستان ولا أدري لماذا علماء الهند وباكستان وهناك تركيا وأفغانستان وإيران أم أن الدين لا يصبح دينا إلا إذا رضي علماء الهند وباكستان؟؟!! وطبعا فإن الشيخ لم يقل لنا من هم علماء الهند وباكستان وحسبنا أن الشيخ يعرفهم.

كما أن الشيخ القرضاوي قد أبلغ في الرد على سيد قطب عندما أضاف إلى علماء الهند وباكستان الغاضبين (الأديب المحقق المعروف محمود محمد شاكر الذي انتقد هذا التوجه بشدة في مقالات نشرها في مجلة المسلمون التي كانت يصدرها الداعية المعروف “لاحظ أن هؤلاء معروفين” سعيد رمضان كما أن ما نسب إلى عثمان يحتاج إلى تحقيق وتمحيص).

كما رد الكاتب على ما زعمه الشيخ القرضاوي من أن معاوية بن أبي سفيان لديه حصانة من النقد (وهذه الصحبة لرسول الله لا تمنحه العصمة –أي معاوية بن أبي سفيان- فلا عصمة لأحد  غير رسول الله ولكنها تمنحه شيئا أشبه ما يسمى اليوم (الحصانة) التي تمنح اليوم لأعضاء البرلمان وأمثالهم فلا يقبل من أحد أن يجرحهم أو يمسهم بسوء وقد أثنى الله عليهم في كتابه وأثنى عليهم رسوله في أحاديث كثيرة وشهدت لهم وقائع التاريخ المتواترة بالفضل ومكارم الأخلاق وهم الذين نقلوا إلينا القرآن ورووا إلينا السنة.

الشيخ المحامي يستميت من أجل تبرئة بني أمية فيقول أنهم قد حاربوا دفاعا عن الإسلام على عدة جبهات فكان أن (نصرهم الله!!) (فهل من سنن الله في خلقه أن ينصر دولة منحرفة أو دولة ظالمة ويمكن لها في الأرض؟ إنه من سنن الله تعالى ما عبر عنه القرآن “إنه لا يفلح الظالمون” “وقد خاب من حمل ظلما”).

يقول الشيخ (ولنحاول أن نلقي نظرة عادلة متوازنة على تاريخ بني أمية مبتدئين بسيرة مؤسس الدولة معاوية بن أبي سفيان وهو ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وآله فنالته بركة الصحبة)!!! ص85.

(كما أنه كان حريصا على إقامة الإسلام في شعائره وشرائعه وعلى اتباع السنة النبوية في مجالات الحياة المختلفة) ص88.

(فهو يراعي إقامة السنة في حياة الناس في الأمور كلها أمور الفرد وأمور الأسرة وأمور الجماعة) ص89.

ويرى الكاتب أن الأمة إن كانت حقا تريد الخروج من المستنقع الذي تعيش فيه أن تتدرب على وصف الخطأ بأنه خطأ ووصف المجرمين بأنهم مجرمين وليسوا مجتهدين مخطئين يكفيهم أجر واحد على ما أجرموا ويكفي المسلمين تدهورا أنهم جعلوا المتقين كالفجار ولا فرق عندهم بين الأبرار والأشرار.

لقد أصبحت إعادة ترتيب العقل العربي في قراءته للتاريخ وكأنها عودة لازمة وضرورية لمرحلة النشأة العقلية حيث يتدرب الناشئ الصغير على التمييز بين الصواب والخطأ ولا شك أن ذلك الطفل المدلل الذي يكافأ على كل أعماله بما فيها تلك الرديئة والسيئة لا مكان له إلا في صفوف الفاشلين بينما هو عندنا نحن المسلمين خير من يقود أمة خاصة إذا كان قد نال ما أسماه الشيخ بركة الصحبة.

ويرد الكاتب على دعوة الشيخ لإعادة كتابة التاريخ فيقول:

على طريقة يرضى القتيل وليس يرضى القاتل دعا شيخنا لإعادة كتابة التاريخ واضعا مجموعة من الشروط المسبقة من بينها (ألا يكون المؤرخ متناقضا في مفاهيمه ومعتقداته فيؤمن بالشيء ونقيضه ويقبل روايات تاريخية يرفضها منطق الدين الذي يؤمن به كأن يقبل روايات واهية تشوه عصر الصحابة والتابعين الذين جاءت صحاح الأحاديث تبين أنهما من خير القرون).

ولنا على هذا الكلام عدة ملاحظات:

أولها أن الشيخ يتحدث عن منطق (الدين) ولم يضف إليها كلمة العقل أو الأخلاق وبالتالي فمن حقنا أن نستنتج أن ما يقصده بكلمة دين هو تلك الخلطة الأموية أو ذلك التصور الذي نجح هؤلاء القوم في بنائه وتقديمه إلى المسلمين طيلة هذه القرون بما فيه من خلط بين الحق والباطل والظالم والمظلوم ولم يعلم الناس القدرة على التمييز بين القيم الإسلامية الرفيعة والقيم الانتهازية المحسوبة على الإسلام.

والثانية أن البحث العلمي ينبغي أن يبدأ من القواعد المجردة لا من نقطة انحياز مسبق فأي عقل يبيح لنا أن نتخذ من أمر قابل للخطأ والصواب أي أنه مجرد نتيجة قد نتفق عليها أو لا نتفق قاعدة نبني عليها قواعد العقل والمنطق؟؟.

الكتاب الثالث (عندما يحكم العبيد)

يحكي لنا الكاتب ماذا جرى من مصائب على أهل مصر بعد إسقاط صلاح الدين للدولة الفاطمية ومن بينها:

إزالة الجيش المصري والقضاء عليه

أن عدة الجيوش بمصر أيام رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك كانت أربعين ألف فارس وستة وثلاثين ألف راجل وعشرة شواني بحرية فيها عشرة آلاف مقاتل… وهذا عند انقراض دولتهم على يد صلاح الدين الذي أزال جند مصر من العبيد السود والأمراء المصريين والعربان والأرمن وغيرهم واستجد عسكرا من الأكراد والأتراك خاصة وبلغت عساكره بمصر اثني عشر ألف فارس لا غير…!!

فلما مات افترقت من بعده ولم يبق بمصر مع ابنه الملك العزيز عثمان سوى ثمانية آلاف فارس وخمسمائة فارس ثم لم يزالوا في افتراق واختلاف حتى زالت دولتهم بقيام عبيدهم المماليك الأتراك وأما المماليك فإنها اليوم قليل عددها بحيث لو جمعت أجناد الحلقة مع المماليك السلطانية لا تكاد أن تبلغ 5 آلاف فارس يصلح منها لمباشرة القتال ألف أو دونها.

الإقطاع الزراعي

(واعلم أنه لم يكن في الدولة الفاطمية بديار مصر ولا فيما مضى قبلها من دول مصر لعساكر البلاد إقطاعات بمعنى ما عليه الحال اليوم وإنما كانت البلاد تضمن بقبالات معروفة لمن شاء من الأمراء والأجناد والوجوه وأهل النواحي من العرب والقبط وغيرهم)….

(لم يكن يعرف هذه الأبذة التي يقال لها اليوم الفلاحة ويسمى المزارع المقيم بالبلد فلاحا قرارا (ما زال هذا المصطلح دارجا في التداول المصري حتى الآن: فلاح قِراري!!) فيصير عبدا قنا لمن أقطع تلك الناحية إلا أنه لا يرجو قط أن يباع ولا أن يعتق بل هو قن (عبد) ما بقي ومن ولد له كذلك!!!)..

(بل كان “في عصر الفاطميين” من اختار زراعة يقبلها كما تقدم وحمل ما عليه لبيت المال فإذا صار مال الخراج بالديوان أنفق في طوائف العسكر من الخزائن)…

أزنى من قرد وألص من فأرة وأفسد من ذئب!!…إنه الوصف الذي اختاره المقريزي لهؤلاء القردة المماليك الذين حكموا مصر والكثير من بقاع العالم الإسلامي والسؤال هو.

من أين جاء العبيد؟؟!!. يجيب المقريزي: إنما هم الرجال الذين كانوا في بلادهم ما بين ملاح سفينة ووقاد في تنور خباز ومحول ماء في غيط أشجار ونحو ذلك واستقر رأي الناصر على أن تسلم المماليك للفقيه يتلفهم بل ويتركون وشؤونهم فبدلت الأرض غير الأرض وصارت المماليك السلطانية أرذل الناس وأدناهم وأخسهم قدرا وأشحهم نفسا وأجهلهم بأمر الدنيا وأكثرهم إعراضا عن الدين ما فيهم إلا من هو أزنى من قرد وألص من فأرة وأفسد من ذئب!!!…

لا جرم أن خربت أرض مصر والشام من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات بسوء إبالة الحكام وشدة عبث الولاة وسوء تصرف أولي الأمر حتى أنه ما من شهر إلا ويظهر من الخلل العام ما لا يتدارك فرطه!!.

الأويراتية: مصر مكب النفايات البشرية!!.

إنهم فريق من المغول الذين تخوفوا من القتل في أعقاب اعتلاء الملك غازان محمود بن خربنده العرش المغولي سنة 694 هـ ففروا عن بلاده إلى نواحي بغداد ومنها إلى الشام وبلغ الخبر للملك العادل زين الدين كتبغا سلطان مصر والشام (وكان هو نفسه من المغول) فكان أن استدعى أكابرهم إلى الديار المصرية فجاءوا إلى القاهرة وأنعم السلطان على مقدمهم طرغاي بإمرة طبلخانة وأنزلوا الحسينية.

ولما دخل شهر رمضان من سنة 695هـ لم يصم أحد منهم وقيل للسلطان ذلك فرفض إكراههم على الإسلام ومنع من معارضتهم وكان مراده أن يتقوى بهم فبالغ في إكرامهم حتى أثار ذلك في قلوب الأمراء إحنا وأحقادا.

وكان الأويراتية يتمتعون بالجمال فافتتن بهم الأمراء وتنافسوا في أولادهم من الذكور والإناث واتخذوا منهم عدة صيروهم من جملة جندهم وتعشقوهم وجعلوا منهم موضعا لشهواتهم ثم لم يقنع الأمراء بما كان منهم في مصر حتى أرسلوا في طلب المزيد منهم من البلاد الشامية فتكاثروا في مصر واشتدت الرغبة من الكافة في أولادهم على اختلاف الآراء في الإناث والذكور فوقع التحاسد والتشاجر بين أهل الدولة إلى أن آل الأمر بسببهم وبأسباب أخرى إلى خلع السلطان كتبغا  من الملك في صفر سنة 696 فلما قام الملك المنصور حسام الدين لاجين قبض على طرغاي مقدم الأويراتية وعلى جماعة من أكابرهم وبعث بهم إلى الإسكندرية فسجنهم وقتلهم.

وصار أهل الحسينية يوصفون بالحسن والجمال والبارع وأدركنا من ذلك طرفا جيدة وكان لبعض الناس في نكاح نسائهم رغبة ولآخرين شغف بأولادهم.

 

المجاعات وفي أيام الملك العادل شقيق صلاح الدين الأصغر الذي انتزع السلطة بعد ذلك بمصر والشام من أبنائه وأخرج المنصور (حفيد السيد صلاح) واخوته من القاهرة إلى الرها واستناب ابنه الملك الكامل محمدا عنه وفي أيامه توقفت زيادة النيل وشرقت أراضي مصر إلا الأقل وغلت الأسعار وتعذرت الأقوات حتى أكلت الجيف وحتى أكل الناس بعضهم بعضا واستمر ذلك ثلاث سنين فبلغت عدة من كفنه العادل وحده من الأموات نحو 220 ألف إنسان وكان ذلك بلاء شنيعا وعقب ذلك تحرك الفرنج على بلاد المسلمين سنة 599 فحدثت معهم الحروب وكانت مدة ملكه 19 سنة حتى 615 تقريبا..

كيف حكم المماليك

استمر حكم الأيوبيين حتى هلاك توران شاه ابن الصالح نجم الدين أيوب فانتقلت السلطة إلى عز الدين أيبك التركماني الذي يصفه ابن تغري بردي بقوله (وكان ملكًا شجاعًا كريمًا عاقلًا سيوسًا كثير البذل للأموال أطلق في مدة سلطنته من الأموال والخيول وغير ذلك ما لا يحصى كثرة حتى رضي الناس بسلطان مسه الرق‏ وأما أهل مصر فلم يرضوا بذلك إلى أن مات وهم يسمعونه ما يكره حتى في وجهه إذا ركب ومر بالطرقات ويقولون‏:‏ لا نريد إلا سلطانًا رئيسًا مولودًا على الفطرة)‏.‏

ثورة الأشراف على المماليك:

وفي سنة 651هـ قام الشريف حصن الدين ثعلب بن الأمير الكبير نجم الدين علي بن الأمير الشريف فخر الدين إسماعيل بن حصن الدولة مجد العرب ثعلب بن يعقوب بن مسلم بن أبي جميل الجمدي وقال‏:‏ نحن أصحاب البلاد ومنع الأجناد من تناول الخراج وصرح هو وأصحابه‏:‏ بأنا أحق بالملك من المماليك وقد كفى أنا خدمنا بني أيوب وهم خوارج خرجوا على البلاد‏ وأنفوا من خدمة الترك وقالوا إنما هم عبيد للخوارج وكتبوا إلى الملك الناصر صاحب دمشق يستحثونه على القدوم إلى مصر‏.‏ واجتمع العرب – وهم يومئذ في كثرة من المال والخيل والرجال إلى الأمير حصن الدين ثعلب وهو بناحية دهروط صربان وأتوه من أقصى الصعيد وأطراف بلاد البحيرة والجيزة والفيوم وحلفوا له كلهم‏.‏

لم تكن نهاية العصر المملوكي المظلم يوم مذبحة القلعة فهم قد خرجوا عمليا من السلطة على أثر الغزو الفرنسي بعد أن عادوا إليها في الفترة السابقة بالتعاون مع العثمانيين.

حاول المماليك العودة مرة أخرى إلى السلطة هذه المرة من خلال ضغوط القوى الكبرى وتحديدا من خلال التحالف القذر بين الأتراك والإنجليز إنها كانت ضربة محمد بك الألفي الأخيرة الذي حاول من خلالها استعادة أمجاد عز الدين أيبك وقلاوون الألفي وكتبغا إلى آخر تلك  اللائحة المشئومة من الأسماء الويلات ولكن هذه المرة على الطريقة الإنجليزية.

نهاية المماليك:

مات محمد الألفي كما هو مدون ليلة 28 يناير سنة 1807 غما وكمدا بعد أن خذله حلفاؤه من المماليك وتفرقوا عنه وبعد أن عاد من رحلة إلى إنجلترا أبرم فيها صفقة من أجل احتلال مصر هذه الصفقة التي حضر إلى مصر لإتمامها مندوب الدولة العثمانية قبطان باشا ومعه واصل باشا واليًا على مصر وتتضمن العفو عن المماليك وتمليكهم ورجوعهم بدلا من محمد علي على شروط من جملتها إطلاق بيع المماليك وشرائهم وجلب الجلابين لهم إلى مصر كعادتهم.

دكتور أحمد راسم النفيس

24-3-2006

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق