دراسات النفيس

عرض كتب: الدكتور طه حسين وثلاث كتب

نتناول في هذا العرض ثلاث كتب للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي

عرض كتب: الدكتور طه حسين وثلاث كتب

نتناول في هذا العرض ثلاث كتب للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي هي (مستقبل الثقافة في مصر) والفتنة الكبرى (عثمان) و (علي وبنوه).

ورغم أن الكتاب الأول ليس كتابا في التراث بل هو كتاب عن التجديد الفكري والتعليمي إلا أن الهجمة الشرسة التي تعرض لها الدكتور طه حسين لدى صدور هذا الكتاب أملت علينا اختياره ليعرف القارئ أن عميد الأدب العربي لم يكن زنديقا ولا عميلا للغرب بل كان مفكرا حرا دعا إلى تطوير التعليم بكافة صنوفه بما فيه التعليم الديني ليصبح هذا التعليم دعامة من دعامات الاستقرار والأمان وحافزا من حوافز التحضر والتطور.

كما أن هذه الحرية الفكرية هي ركيزة أساسية من ركائز دراسة التراث بعيدا عن القيود والأغلال المفروضة من عند الناس وليس من عند الله.

الكتاب الأول: مستقبل الثقافة في مصر

ينتمي كاتب هذا السطور لذلك الجيل الذي تفتح وعيه أثناء تلك التجريدة التي شنتها (الجماعة الوحيدة) بقيادة كاتب اسمه (أنور الجُندي) للقضاء على المفكرين الليبراليين عبر اتهامهم بالعمالة للغرب.

الحربة التي استخدمها ذلك الجُندي كان ما نسب للدكتور طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة) من (أنه يرى أن مصر ليست دولة عربية ولا إسلامية ولا حتى شرقية، ويطالبها بأن تنفض يدها من العرب والمسلمين وكل ما يمت إليهم بصلة وأن تيمم وجهها نحو الغرب تستقي آدابه وتقلده في أفكاره وسلوكه وأخلاقه وثقافاته، وأن تأخذ من أوربا كل ما فيها وما لديها من غير تفريق بين الخير والشر وبين النافع والضار والحسن والقبيح معللا ذلك بأننا محتاجون إلى ما عند الغرب من علم ومدنية وما سبقونا إليه من صناعة واختراع وأنه لا يمكننا أن نستفيد مما عندهم من نافع إلا إذا أخذنا معه الضار، ولا يمكننا تقليدهم في ميدان العلم والاكتشاف إلا إذا قلدناهم في كل شيء من الأخلاق وفي السلوك والتفكير والتصور وغير ذلك).

تجريف الساحة

الفقرة السابقة هي نموذج للدجل والتحريف المتعمد الذي احترفه القوم في إطار (حملتهم الإيمانية) لتجريف كل من بالساحة لئلا يبقى بها غير الإمام الملهم والمتحدث المتواصل فك الله أسره.

ولا أدري كيف يمكن أن تكون لائحة الاتهامات السابقة صحيحة بينما يقول طه حسين في هذا الكتاب (أن مهمة الأزهر في تكوين الثقافة أعظم خطرا وأبعد أثرا مما يظن الأزهريون أنفسهم منها أن الأزهر أكثر معاهد التعليم في مصر والشرق الإسلامي حظا من الطلاب فيجب أن تظفر فيه هذه الكثرة الضخمة بثقافة ليست أقل من الثقافة التي يظفر بها الشباب في الجامعة…. ومنها أن الأزهر مصدر الحياة الروحية للمسلمين وهو من هذه الجهة مطالب بما لا تطالب به المعاهد الأخرى من إشاعة الأمن والرضا والأمل والرجاء ويعصمهم من الخوف والسخط واليأس والقنوط وهو لن يبلغ ذلك إلا إذا لاءم بين الثقافة التي تصدر عنه فتنتشر في أقطار الأرض الإسلامية وبين نفوس المسلمين وقلوبهم كما يكونها العصر الحديث.. والشر كل الشر أن يتحدث رجل الدين إلى الناس فلا يفهمون عنه لأنه قديم وهم محدثون وأن يتحدث الناس إلى رجل الدين فلا يفهم عنهم لأنهم محدثون وهم قديم … و لا ينبغي أن يغتر الأزهر لأن الناس يسمعون له الآن ويفهمون عنه بعض الشيء فكثرة المصريين لا تزال متأثرة بعقلية القرون الوسطى ولا بد أن يجاري الأزهر هذا التطور ليكون اتصاله بالأجيال القادمة أجدى وأقوى من اتصاله بالأجيال الماضية أو الحاضرة ومنها أخيرا أن الأزهر مشرق النور الديني للبلاد الإسلامية كلها وأخص ما يمتاز به الإسلام أنه دين الحرية والعلم والمعرفة كما تفهمها الأجيال على اختلافها لا كما فهمها جيل بعينه وكما تحققها العصور على اختلافها لا كما حققها عصر بعينه) ص261-262.

لقد كتب الدكتور طه حسين هذه السطور في ثلاثينات القرن الماضي مطالبا (بتجديد الأزهر) ومن ثم تجديد الخطاب الديني ليقوم الأزهر بإشاعة الأمن والرضا والأمل والرجاء بدلا  من إشاعة الخوف والسخط واليأس والقنوط إلا أن شيئا من هذه النصائح لم يسمع فهاهي (الثقافة الدينية) في بعض روافدها قد أصبحت مصدرا لانعدام الأمن والخراب والفوضى وهاهو الأزهر يتنادى بعد مرور أكثر من سبعين عاما لعقد مؤتمرات لتجديد الخطاب الديني ونشر ثقافة التسامح زاعمين ألا أحد من الخارج بإمكانه أن يفرض عليهم إصلاحا ولا تعديلا للمناهج رغم أن البعض منهم كان ممن تبارى في سب وشتم وتحقير ما دعا إليه (من الداخل) عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

ولكن هل دعا حقا طه حسين للالتحام التام بالغرب والانفصال المطلق عن الشرق والإسلام والدين أم أن ما قاله تحديدا أن (العقل المصري أقرب ما يكون للعقل اليوناني بحكم ارتباطه بأقطار الشرق القريب اتصالا منظما مؤثرا في حياته ومتأثرا بها واتصل من جهة أخرى بالعقل اليوناني منذ عصوره الأولى اتصال تعاون وتوافق وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد وهذا عند الأوربي من المسلمات ولكن المصري والشرقي العربي يلقيانه بشيء من الإنكار والمحصلة أن العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط ويتبادل المنافع مع دول هذه المنطقة).

ويدلل الدكتور طه حسين على صحة نظرته (بأن تبادل المنافع بين العقل المصري واليوناني في العصور القديمة كان شيئا يشرف به اليونان وهي مذكورة عند هيرودوت ومن جاء بعده من الكتاب والفلاسفة كما أن التأثير المصري في فنون العمارة والنحت والتصوير بما يتجاوز حتى الفن الرفيع إلى الفنون التطبيقية والحياة العملية اليومية).

كما يشير الدكتور طه حسين إلى ما يقصده بالحاجة للتضامن مع الغرب (وهو تضامن على أساس الجغرافيا والمنافع المتبادلة وتقارب النشأة والتطور التاريخي ملاحظا أن وحدة الدين واللغة لا تكفيان كأساس للوحدة السياسية ولا قواما لتكوين الدول حيث أقام المسلمون سياستهم منذ القديم على المنافع في ظل ظهور القوميات وأن المسلمين قد فطنوا منذ عهد بعيد إلى اصل من أصول الحياة الحديثة وهو أن السياسة شيء والدين شيء آخر وأن تكوين الدول يقوم على أسس سياسية).

هذا ما قاله الدكتور طه حسين مما أثار عليه ثائرة البعض وسواء اتفقنا مع ما قاله أو لم نتفق فليس فيما قاله دعوة لنبذ الدين وتقليد الغرب كيفما اتفق بل هو دعوة لإحياء روابط قديمة وقائمة بالفعل بين العالم الإسلامي وحوض البحر الأبيض المتوسط وهو ما يفاخر به الجميع سواء كانوا من المعتدلين أو من الغلاة عندما يشيدون بفضل العرب أو المسلمين على الغرب والمعنى أن هذا التواصل هو أمر مفروغ منه لديهم  إلا أنهم يرون نفسهم دائما هم الأفضل وهم الذين علموا الدنيا وليسوا بحاجة لأن يتعلموا من أحد وتلك هي المفارقة الكبرى التي كانت ولا زالت حاكمة للعقل العربي المأزوم والمهزوم والذي يصر على تعليق أوسمة ونياشين النصر وتقلد عصا المارشالية.

ثم نأتي للنقطة الأكثر حساسية فيما قاله عميد الأدب العربي وهي دعوته للأخذ بأسباب الحضارة الأوربية ما يتعلق منها بتكوين الجيوش وحماية أرض الوطن والاستقلال الاقتصادي قياسا على الطريقة الأوربية والأمريكية لنحمي به ثرواتنا وأقواتنا ولا بد أن نهيئ شبابنا للجهاد الاقتصادي على نفس المنوال لأن من أراد الغاية أراد الوسيلة ولا يكفي ولا يستقيم في العقل أن نريد الاستقلال ونسير سيرة العبيد وهو ما يمتد أيضا إلى الاستقلال العلمي والفني والأدبي ويزيد العميد بقوله (ونحن نريد أن نكون أحرارا في بلادنا.. أحرارا بالقياس إلى الأجنبي بحيث لا يستطيع أن يظلمنا أو يبغي علينا وأحرار بالقياس إلى أنفسنا بحيث لا يستطيع بعضنا أن يظلم بعضا أو يبغي على بعض نريد الحرية الداخلية وقوامها الديمقراطية ونريد الحرية الخارجية وقوامها الاستقلال الصحيح والقوة التي تحوط بهذا الاستقلال والسبيل لكل هذا هو بناء التعليم على أساس صحيح).

وبعد أن يطالب العميد بسلوك مسلك الأمم الحرة يرد في الفصل العاشر من الكتاب (مسايرة الإسلام للحضارة في العصور المختلفة) على من يستقبل هذا التفكير بالإنكار مفرقا بين من يفعلون هذا بدافع الحرص والخوف من الآثار الجانبية لهذا الاختلاط الحضاري وبين من يتصنعون هذا الحرص من دعاة الفتنة الذين لا ينعمون إلا بها ولا يسعدون إلا في ظلها فيلفت الانتباه إلى أن الحياة الأوربية ليست إثما كلها وأن الإثم الخالص لا يمكن من الرقي وأن حياتنا الحاضرة وحياتنا الماضية ليست خيرا كلها بل فيها شر كثير والخير الخالص لا يدفع إلى الانحطاط وقد انحطت حياتنا ما في ذلك شك فحياة الأفراد والجماعات في كل زمان ومكان مزاج بين الخير والشر مهما اختلفت أجيال الناس وتباين ما يحيط بهم من ظروف.

ودعا الدكتور طه حسين إلى الملاءمة بين الآراء والأقوال والأعمال وألا ننكر الحضارة الأوربية ونحن مقبلون عليها وغارقون فيها.

هذا هو ما قاله عميد الأدب العربي فاستحق بموجبه الويل والثبور والتكفير وليس فيما قال رحمه الله كلمة واحدة تدعو إلى الكفر أو حتى السفور فما بالك بلائحة الاتهامات التي أطلقها المدعون العامون المستقلون والتابعون!!.

إنه كتاب صدر في ثلاثينات القرن الماضي وعندما تقرأه مطلع القرن الحالي ترى أنه يتحدث عن أوضاع فكرية وثقافية لم تتحرك كثيرا إلى الأمام.

فلا زال القوم يصرون على أن الغرب شر مطلق لا خير فيه وأن الشرق خير مطلق لا شر فيه وفات هؤلاء الأذكياء النبهاء إلى أن الإثم الخالص لا يمكن من الترقي وأن الخير الخالص لا يدفع إلى الانحطاط.. فلماذا انحط المسلمون وتقدم غيرهم؟؟!!.

لقد أصبح ما يسمونه بمواجهة الهجمة التغريبية سلعة يرتزق بها بعض الغارقين في الاستفادة من هذا الغرب الذي يريد القضاء على (حضارتنا) من دون أن نعرف أي شيء نقبل وأي شيء نحارب ناهيك عن أننا لا نعرف عن أي حضارة ندافع خاصة وأنهم يقولون أن الغرب قد قضى على (حضارتنا).

إنها قضية تتعلق أيضا بجوهر التعليم ووسائل الإعلام الذي يحشو أذهان تلاميذ المدارس والرأي العام بصور تاريخية كلها إيجابية مضيئة ليس بها خدش واحد من دون أن يسلط الأضواء على أي من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في حق هذه الأمة لا في التاريخ القديم ولا الحديث.

أين ما نبه له عميد الأدب العربي قبل سبعين عاما من أن الأزهر يتعين عليه (إشاعة الأمن والرضا والأمل والرجاء وأن يعصم الناس من الخوف والسخط واليأس والقنوط) من واقع انتشار الإرهاب المتسربل بالدين وتحوله ليصبح ظاهرة تهدد الأمة الإسلامية في أصل وجودها؟؟.

وهل يتعين علينا أن نصدق أن من انتفضوا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر لتجديد الخطاب الديني وتحسين صورة الإسلام وغيرها من المحسنات البديعية رافعين عقيرتهم في المحافل المحلية والدولية بأن الإصلاح يأتي من الداخل لا من الخارج في حين انهم تجاهلوا نداءات دعاة الإصلاح وعلى رأسهم عميد الأدب العربي حتى لو لم نتفق معه في كل ما قاله.

ولو أن عرب الإصلاح ومؤسسات التجديد الشكلي الفكري قد أخذوا بنصف نصائح عميد الأدب العربي أو حتى ربعها لما وصل حالنا إلى هذه النقطة المزرية.

الكتاب الثاني: الفتنة الكبرى (عثمان).

حاول عميد الأدب العربي أن يقدم في هذا الكتاب قراءة لأحداث (الفتنة الكبرى) تلك الأحداث التي انتهت بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وخلافة علي بن أبي طالب وما تلا ذلك من حروب اصطلح على تسميتها بالفتنة الكبرى.

الدكتور طه حسين و(مذهب سعد):

يقرر طه حسين منذ البداية منهجه في قراءة تلك الأحداث بما يسميه مذهب سعد وأصحابه (الذين اعتزلوا المتخاصمين وفروا بدينهم إلى الله وقال قائلهم سعد بن أبي وقاص: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول أصاب هذا وأخطأ ذاك) ومن ثم فهو (لا يجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء وإنما يحاول أن يتبين ويبين الظروف التي دفعت إلى هذه الفتنة التي فرقتهم وما زالت تفرقهم إلى الآن).

والواقع أنه منطق تحكمي لأن السيف لن ينطق كما نطقت بقرة موسى عليه السلام ولذا فقد مات من مات دون أن يعرف ومن ثم فما هي جدوى التبيين والبيان طالما هناك شرط تعجيزي هو أن ينطق السيف الذي لن ينطق!!.

ثم ينتقل طه حسين إلى مناقشة قضية الإسلام والحكم فهو يرى في (الخلافة الإسلامية على عهد أبي بكر وعمر تجربة جريئة ولكنها لم تنته إلى غايتها.. كما أن الإنسانية لم تستطع حتى الآن رغم تجاربها المتعددة أن تنشئ نظاما سياسيا يتحقق فيه العدل السياسي والاجتماعي بين الناس على النحو الذي كان الشيخان يريدان تحقيقه).

(لقد عرفت البشرية مذاهب مختلفة في الحكم.. حكم الملوك الآلهة الذين يرون أن ليس للناس أن يرضوا أو يسخطوا وإنما عليهم أن يذعنوا… وأخيرا جاء النظام الديمقراطي الذي يرد الأمر إلى الشعب ولكن الشعوب لم تنل عبر هذا النظام من العدل إلا أيسره, كما أن البشرية ما زالت تسعى إلى تحقيق حلمها في الحكم الصالح الذي يحقق العدل الاجتماعي والسياسي… هذا العدل الذي كان اكثر ما أغاظ قريشا من الدعوة الإسلامية ولو دعاهم الرسول صلى الله عليه وآله إلى التوحيد دون أن يمس نظامهم الاجتماعي والاقتصادي لأجابته الكثرة الكاثرة من قريش من دون مشقة ولا جهد والتسوية بين الناس هو أحد الأساسين اللذين قام عليهما الإسلام وهما التوحيد والعدل وقد ضرب الرسول أروع المثل في العدل عندما قال “نحن معاشر الأنبياء نورث ما تركناه صدقة” حتى أن الزهراء عندما جاءت تطلب ميراث أبيها فدك فلم يجبها إلى ما طلب).

ورغم اتفاقنا مع عميد الأدب العربي من أن العدل والتوحيد هما ركنان رئيسان من أركان الدعوة الإسلامية إلا أننا لا نفهم كيف يكون حرمان فاطمة الزهراء من ميراثها نموذجا من نماذج العدل والمساواة إذ أن الادعاء بأفضلية ذرية الأنبياء على غيرهم في الاستحقاق هو ما يحتاج إلى دليل أما مساواتهم بغيرهم من البشر الذين يتوارثون فيما بينهم فهو ما لا يحتاج إلى إقامة البرهان والدليل ناهيك عن أن تلك الرواية التعميمية المنسوبة إلى رسول الله والتي تجعل أبناء الأنبياء خارج إطار قانون المواريث هي مما يناقض صريح القرآن (وورث سليمان داود) وغيرها من الآيات.

والشاهد أن العميد قد أنفق جهدا هائلا ليثبت شيئين:

الأول: هو بشرية الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه كان في بعض أحكامه يصدر عن تلك البشرية التي تصيب وتخطئ وضرب مثلا على ذلك بقصة أسرى بدر ونزول القرآن ينحي باللائمة على الرسول محمد صلى الله لقبوله فداء الأسرى في قوله تعالى (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة). ص23

والأمر الثاني أن نشأة ما أسماه بالأرستقراطية الإسلامية القرشية التي آل إليها الحكم وبقي للأنصار وغيرهم المشورة لا غير كانت بسبب القرب من رسول الله.

أما الهدف من وراء هذا الإثبات والله أعلم فهو القول بأن كل ما جرى بعد ذلك كان بسبب (اجتهاد غير محسوب النتائج) وأن الأمر كله كان اجتهادا في اجتهاد وأن هذه الأرستقراطية الإسلامية قد نشأت منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فوقع منها ما وقع بعد هذا من فتن وخلاف.

ونحن لا نوافق العميد لا على هذه ولا تلك.

بشرية الحكومة النبوية لا تعني بحال أن الرسول كان كسائر البشر يصيب ويخطئ وهو المسدد بالوحي من السماء فهو صلى الله عليه وآله كان يحكم بين الناس بالظاهر أي بالدليل والبرهان لا بعلمه لا بسبب نقص هذا العلم وإنما ليقتدي به كل من جاء بعده فيتعلم الناس فن الحكم.

وهو صلى الله عليه وآله عندما استشار من حوله يوم بدر لم يكن هذا جهلا منه بالموقع الملائم للمعركة بل كان يتصرف كأي قائد عسكري يستشير أركانه ومساعديه ليمحص آرائهم فالمعركة كانت بين بشر وبشر وليست بين بشر وملائكة.

أما أسطورة اللوم القرآني لرسول الله لأخذه الفداء من أسرى بدر فهي من نسج خيال وضاع الأحاديث ولا أدري كيف مر على عميد الأدب العربي سيد اللغة أن الخطاب موجه للمسلمين لا للرسول (تريدون عرض الدنيا) ولكي نفهم الآية كما ينبغي يتعين علينا أن نعود إلى سورة الأنفال من بدايتها وهذا ليس موضعه الآن.

أما الأرستقراطية الإسلامية القرشية فرسول الله لم يصنعها وهي لم تبدأ من عنده فهي التي صنعت نفسها بنفسها.

وكيف يمكننا أن نصدق أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أحاط نفسه بفريق من المسلمين دون غيرهم مخالفة للقرآن الكريم الذي أوصاه بقوله تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) فقيرهم قبل غنيهم ومن الطبيعي أن يكون السابقون إلى الإيمان والهجرة أقرب لمقام النبوة من غيرهم وكان أغلب هؤلاء فقراء حتى فتحت عليهم الدنيا والشيء الثابت أيضا أن الرسول محمد كان يسوي بين المسلمين في العطاء فقيرهم وغنيهم من دون نظر للقرب ولا للبعد ثم جاء أبو بكر من بعده فسار على نفس النهج ثم جاء عمر بن الخطاب فكان أول من فرق بين المسلمين في العطاء كما يروي أبو الفرج بن الجوزي المحدث في أخبار عمر وسيرته قال (استشار عمر الصحابة بمن يبدأ في القسم و الفريضة فقالوا ابدأ بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وذوي قرابته فبدأ بالعباس وفرض له اثني عشر ألفا ثم فرض لزوجات رسول الله صلى الله وآله و سلم لكل واحدة عشرة آلاف وفضل عائشة عليهن بألفين واستثنى من الزوجات جويرية وصفية وميمونة ففرض لكل واحدة منهن ستة آلاف فقالت عائشة إن رسول الله (ص) كان يعدل بيننا فعدل عمر بينهن وألحق هؤلاء الثلاث بسائرهن ثم فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكل واحد خمسة آلاف ولمن شهدها من الأنصار لكل واحد أربعة آلاف وروى أنه فرض لكل من شهد بدرا من المهاجرين أو الأنصار أو من غيرهن من القبائل خمسة آلاف ثم فرض لمن شهد أحدا وما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد رسول الله (ص) ألفين و خمسمائة و ألفين وألفا واحدا إلى مائتين وهم أهل هجر) ثم جاء الخليفة الثالث ليزيد على كل هذا إيثاره لقرابته بأموال المسلمين إلى أن حدث ذلك الانفجار الكبير الذين يسمونه الفتنة الكبرى.

إن هذه الأرستقراطية التي بدأت قرشية وانتهت أموية ليست صناعة إسلامية بل هي من (عند أنفسكم) كما أننا نلاحظ أن عميد الأدب العربي رغم سعة عقله واتساع أفقه سلم بكل ما روي في أبواب الفضائل مما لا أصل له مما أدى لضبابية تفسيره لبعض ما وقع من أحداث رغم أن مذهب التفسير يتناقض مع مذهب سعد وهو مذهب التوقف واللا تفسير.

إلا انه مما يذكر للدكتور طه حسين عليه رحمة الله أنه كان أول من نبه إلى (أسطورة عبد الله بن سبأ) ودوره المزعوم في تأجيج الثورة على الخليفة الثالث حيث يقول (ويخيل إلي أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافا شديدا وأول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان فلم يذكره ابن سعد ولا البلاذري في أنساب الأشراف وذكره الطبري عن سيف بن عمر وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر).

كما يذكر له أيضا أنه حاول أن يرى صناع هذه الأحداث وفرسانها كبشر لا كملائكة يمشون على الأرض بعد أن فرغوا من العمل منذ أن بشرهم رسول الله بالجنة (فما عسى أن يكون موقفنا من هؤلاء؟؟ لا نستطيع أن نرضى عن أعمالهم جميعا فلا نلغي عقولنا وحدها وإنما نلغي معها أصول الدين التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي).

الكتاب الثالث هو كتاب (علي وبنوه) وهو يشكل امتدادا للكتاب الثاني حيث يحلل فيه عميد الأدب العربي من وجهة نظره تلك الأحداث التي درج البعض على تسميتها بالفتنة الكبرى والتي تبدأ ببيعة الناس لعلي بن أبي طالب تلك البيعة التي يرى طه حسين أن (الناس لم يستقبلوها بمثل ما استقبلوا به خلافة عثمان من رضى النفس وابتهاج القلوب بل استقبلوها بالقلق والوجوم والإشفاق واضطراب النفوس… لأن ظروف حياتهم قد اضطرتهم إلى ذلك اضطرارا … وأقبل علي بعد مقتل عثمان فلم يوسع للناس في العطاء ولم يمنحهم النوافل من المال ولم ييسر فيهم أمورهم من حيث انقطعت ومضى بهم في طريقه من حيث وقف).

والواقع أننا نرى أنفسنا مضطرين لمخالفة الدكتور طه حسين فيما ذهب إليه فالإمام علي بن أبي طالب يصف استقبال الناس لبيعته وفرحهم بها بقوله (فما راعني إلا و الناس كعرف الضبع إلي ينثالون علي من كل جانب حتى لقد وطيء الحسنان و شق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول “تلك الدار نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا و العاقبة للمتقين” بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها) نهج البلاغة.

أما الذين استقبلوا تلك البيعة بالوجوم والإشفاق فهم من وصفهم العميد قبل ذلك بالأرستقراطية القرشية والتي استقر بها المقام في موقع اجتماعي ومالي متميز بسبب ذلك الخلل الذي ذكرناه من قبل والذي أحدثه من سبق الإمام علي في قسمة الثروة بين المسلمين.

فهؤلاء وحدهم هم الذين استقبلوا تلك البيعة باضطراب الموقف بيعة ثم نكث ثم استعداد للحرب ومفارقة عاصمة الدولة الإسلامية المدينة المنورة آنئذ إلى مكة حيث تعاقد القوم فيما بينهم على تقويض الدولة الإسلامية بكل ما يمتلكون من وسائل وصولا إلى إعلان التمرد والحرب.

السبب الآخر للفتنة التي وقعت كان العامل الأموي الذي كان يحرك الأحداث في البداية من وراء ستار والذي برز أول ما برز عندما أصر الإمام علي على تنحية معاوية بن أبي سفيان من إمارة الشام وهو ما أشار إليه طه حسين بقوله (ومهما يكن من اختلاف المؤرخين فليس من شك أن عليا لم يكن ليستطيع أن يستبقي عمال عثمان فدينه كان يمنعه من هذا فلطالما لام عثمان على توليتهم وطالما أنكر على هؤلاء العمال سيرتهم في الناس فلم يكن يستطيع أن يطالب بعزلهم أمس ويثبتهم عليه اليوم كما أن الثوار الذين قتلوا عثمان لم يكونوا يكتفون بتغيير الخليفة بل يريدون تغيير السياسة كلها).

ويشير الدكتور طه حسين إلى السبب وراء موقف أم المؤمنين عائشة المناهض من الإمام علي والمنحاز إلى استخلاف طلحة بن عبيد الله أنه (كان تيميا مثلها) وأن السر وراء هذا الموقف المناهض كان بسبب (مشورة الإمام علي للرسول بتطليقها إبان حادثة الإفك رغم أنها كانت من أكثر الناس إنكارا على عثمان بن عفان مضيفا إلى ذلك أن ذرية الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت من علي وفاطمة مضيفا إلى ذلك زواج الإمام علي من أسماء بنت عميس بعد وفاة أبي بكر).

ومع احترامنا لتلك الأسباب الثلاث إلا أننا نعتقد أن السبب الأول كان الأهم والأبرز من بين أسباب هذا العداء غير المفهوم ولا المبرر.

ويعلل الدكتور طه حسين سبب تحرك القوم إلى البصرة للمطالبة بثأر عثمان (لكثرة المضرية فيها ولأن عبد الله بن عامر زعم أن له من بين أهلها صنائع) ولا أدري كيف يمكن لمن أراد حقا أن يطلب ثأر عثمان بن عفان ممن قتلوه أن يترك المدينة ويفعل ذلك انطلاقا من البصرة في حين تروي كتب التاريخ أن من استدرجهم للذهاب إلى البصرة هو معاوية بن ابي سفيان الذي بعث رجلا ومعه كتابا إلى الزبير بن العوام قال فيه (بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا و استوسقوا كما يستوسق الحلب فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب فإنه لا شيء بعد هذين المصرين و قد بايعت  لطلحة بن عبيد الله من بعدك فأظهروا الطلب بدم عثمان و ادعوا الناس إلى ذلك و ليكن منكما الجد و التشمير أظفركما الله و خذل مناوئيكما) فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به و أعلم به طلحة و أقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية.

شرح النهج ج1 ص 77.

أي أن الأمر كان خدعة سياسية اعتادها بعض الساسة العرب الذين درجوا على تسمية الأشياء بغير أسمائها كما أن الأمر كان استدراجا للحزب التيمي لخوض حرب أهلية داخلية إسلامية ليقوموا بأنفسهم بتوسيع الثقب الذي يمكن من خلاله للحزب الأموي زيادة مساحة تدخله والتخلص من خصومه المحتملين وهم من تبقى من أهل الشورى بعد أن خرج سعد بن أبي وقاص من صراع السلطة ولم يبق إلا طلحة والزبير وكانت الضرورات السياسية البراجماتية توجب جرهم إلى ساحة معركة خاسرة حتى ولو انتصروا.

وأخيرا نعرج على موقف العميد من مضمون القضية التي حارب على أساسها الحزب الأموي قضيته ضد الإمام علي بن أبي طالب وهي (الاقتصاص من قتلة عثمان) فيقرر أن (الحق كان يمكن أن يكون مع معاوية بن أبي سفيان لو أنصف وبايع ثم جاء مع غيره من أولياء عثمان ليطالبوا بالقود ممن قتله ولكن معاوية لم يكن يريد أن يثأر لعثمان بمقدار أن يصرف الأمر عن علي وآية ذلك أن الأمر استقام له بعد وفاة علي رحمه الله ومصالحة الحسن إياه فتناسى ثأر عثمان ولم يتتبع قتلته… كما أن حجة علي على طلحة والزبير لم تكن أقل ظهورا من حجته على معاوية فقد بايع طلحة والزبير وكان الوفاء حقا عليهما فإن كرها الإذعان كان بوسعهما الاعتزال كما فعل سعد بن أبي وقاص وغيره… أما عائشة فقد أمرها الله أن تقر في بيتها  وكان عليها أن تفعل أيام علي كما فعلت أيام من سبقه من الخلفاء… وقد يقال أن القوم لم يكونوا يغضبون لعثمان فحسب بل يريدون أن يُختار الخليفة عن مشورة المسلمين وكانوا يكرهون أن يفرض الثائرون على عثمان خليفة عليهم ولكن أبا بكر لم يُبايع خليفة عن مشورة من المسلمين بل كانت بيعته فلتة وقى الله شرها كما قال عمر كما أن عمر نفسه لم يبايع عن مشورة من المسلمين وإنما عهد إليه أبو بكر وكان الحق على طلحة والزبير والمعتزلين أن يبايعوا لعلي وأن يجتهدوا في إصلاح ما أفسده الثوار ووضع نظام مستقر لاختيار الخليفة وتدبير أمور الدولة بحيث لا يتعرض المسلمون لما تعرضوا له من الفتن والمحن).

والخلاصة أن المسلمين قد افتقدوا قديما وحديثا تلك الرؤية الشمولية التي تنظر إلى الأشخاص في الإطار الإجمالي لما قدموه للأمة وما بقي منهم خاصة في إطار تلك النقطة وهي إضافتهم للنظام العام وليس الخصم منه.

إن هذه النظرة الشمولية الإجمالية هي من وجهة نظرنا أهم ما قدمه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين للثقافة والعقل العربي الإسلامي حتى ولو اختلفت معه في بعض ما يطرحه من مواقف وآراء.

تلك النظرة الشمولية للتعليم وربطه بالتطور الحضاري للأمة ودور الثقافة الإسلامية في صناعة هذه الحضارة ومواكبة هذا التطور بدلا من الجمود والتحجر والثبات على شعارات من صياغة البشر لا على مبدأ إلهي يحفظ للإنسان موقعه الصحيح سواء كان فردا أو جماعة فينظر ويتأمل في الكون ولا يكتفي بالأشجار والغابات والنجوم والكواكب بل في مسيرة الحضارة الإنسانية فيأخذ منها ما ينفعه ويترك ما يضره وهذه هي (الجريمة) التي ارتكبها الدكتور طه حسين ويا ليتنا أخذنا بربع نصائحه لما صار حالنا على ما هو عليه الآن.

دكتور أحمد راسم النفيس

10 أبريل 2005

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى