مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: معركة القرآن!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: معركة القرآن!!

 

كتب هذا المقال قبل أربعة عشر عاما بينما كانت مكبرات الصوت تحيط بأسماعنا من كل حدب وصوب قبلأن تنزل بنا نازلة كورونا التي ألزمت الجميع بالصمت الإجباري إلا أن هؤلاء ما زالوا يتوقون للعودة لرفع أصواتهم وكأن شيئا لم يكن!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏27‏/04‏/2020

 

انتهى شهر رمضان منذ فترة وجيزة وخفت قليلا حرب مكبرات الصوت التي تحيط برؤوسنا إحاطة السوار بالمعصم حيث تتنافس المساجد والزوايا في تقديم مواهبها الصوتية الجديدة وإنتاجها من الأشرطة القرآنية وكأن علاقة المسلمين بالقرآن في شهر القرآن أصبحت تمام التمام.

هل يعد رفع المصاحف في التظاهرات أو تلاوته في المساجد دليلا قاطعا على رغبة هؤلاء أو قدرتهم على فهم ما فيها من قيم ومضامين وأحكام رغم أن واقعنا البائس والمتخلف ما زال يراوح مكانه ولا زال البون بيننا وبين (التي هي أقوم) شاسعا!!.

قراءة وقراءة!!

رغم أن شهادة الواقع هي الأبلغ والأقوى على افتقاد المسلمين لقراءة القرآن قراءة في العمق (قراءة من أحكموه) بدلا من تلك القراءة الشكلية إلا أن هذا لا يغني عن استحضار الدليل.

  • أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال بينا نحن عند رسول الله ص وهو يقسم قسما قسما إذ أتاه ذو الخويصرة التميمي قال يا رسول الله اعدل فقال رسول الله ويلك ومن يعدل إن لم أكن أعدل فقال عمر ائذن لي فلأضرب عنقه فقال رسول الله ص دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته إلى صلاته وصيامه إلى صيامه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
  • في مقابل أولئك الذين قرأوا القرآن قراءة لا تجاوز تراقيهم ولا تؤثر في أرواحهم ولا عقولهم أولئك الذين قرأوا القرآن فأحكموه أي فهموا ما فيه من مبادئ أخلاقية حاكمة وعقلوه وهم من بكى الإمام علي بن أبي طالب حزنا لفقدهم عندما استشهدوا بين يديه فقال عنهم:

أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ وَقَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؟ وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا اللِّقَاحَ أَوْلاَدَهَا وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَصَفّاً صَفّاً؟! بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْصٌ نَجَا…. خطبة 120 نهج البلاغة.

مدرستان وطريقتان يقرأ فيهما وبهما القرآن: الأولى شكل بلا مضمون والثانية قراءة الشكل والمضمون.

المدرسة الأولى ترى فيها تلك الوجوه المتوردة والجيوب الممتلئة من التكسب بكتاب الله والارتزاق بقراءة النص الإلهي بالألحان ولا بأس بشيء من الدموع والعبرات!!.

والمدرسة الثانية من قرأوا القرآن فأحكموه وعرفوا حقيقة الدنيا وحقيقة ما يريده الباري عز وجل منهم فصاروا (خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلَى وَجُوهِهمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعيِنَ).

المدرسة الأولى خرجت لنا من حملوا سيوفهم على عواتقهم يحركونها في هوى ألسنتهم يضربون بها لا يفرقون بين البر والفاجر كما أنتجت لنا وعاظ السلاطين الذين أتقنوا فن الإفتاء لصالح الظلم والطغيان وهي التي أنتجت لنا تلك الحالة العشوائية التي يتقلب فيها المسلمون الآن وقبل الآن وإلى أن يعود إليهم عوازب أحلامهم.

الأزمة التي يعيشها المسلمون ناجمة عن اكتفائهم بقراءة كتاب الله بالألحان والأهواء ولا نعني بالألحان القراءة بصوت حسن تظهر ما فيه من روعة المعاني وبلاغة النص بل قراءته بلحن القول.

إنها قراءة صوتية لسانية تتغافل عمدا عن تلك المفاهيم الجامعة والمبادئ القرآنية الثابتة (أم الكتاب) التي تشكل ركيزة لفهم الدين باعتباره أداة لتغيير واقع الناس نحو الأفضل (التي هي أقوم) من خلال تحقيق العدل ورفض الظلم والوقوف في وجه كل أنواع الفراعنة والظلمة والمستكبرين.

إنها قراءة مزيفة حولت القرآن من كتاب يرفع راية العدالة ورفض القبول بالظلم ويحمل بشارة للمستضعفين بالخلاص من المستكبرين إلى صك ممنوح للمستكبرين لافتراس المستضعفين, ما أقاموا الصلاة وفي رواية ما بقوا على ظاهر الإسلام (إلا أن تروا كفرا بواحا ليس لكم من الله فيه سلطان)!!.

صراع المدرستين!!

الصراع داخل الإسلام كان ولا زال يدور بين مدرستين (مدرسة الذين قرأوا القرآن فأحكموه) ومدرسة قراءة القرآن بالألحان (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله).

الذين قرأوا القرآن فأحكموه (يعطفون الهوى على الهدى ويعطفون الرأي على القرآن) بينما يصر قادة الفتنة على (أن يعطفوا الهدى على الهوى والقرآن على الرأي).

إنه ليس بالضرورة جدلا مذهبيا أو فقهيا بين فريقين يفهم كل منهما النص بطريقة ما وفقا لقواعد وضعها المفسرون بل هو بين من يريد إخضاع وتأويل النص القرآني وفقا لهواه ورغبته العارمة في الإمساك بمفاتيح السلطة والثروة وفريق آخر ينطلق من فهم محكم لكتاب الله يبدأ من أمهات المفاهيم القرآنية التي تدعو لإقامة العدل ونبذ الظلم أي أن القرآن هو نقطة البدء والانطلاق على عكس الفريق الآخر الذي يجعل النص في خدمة الهوى السياسي سواء كان هذا النص قرآنيا أو نبويا وفي هذه الحالة يتسع المجال لوضع وتلفيق الروايات ونسبتها إلى رسول الله!!.

الآية السابعة من آل عمران

من هنا تأتي أهمية تفسير هذه الآية التي فضحت ألاعيب أصحاب الأهواء وكشفت أفعالهم وتحايلهم على عباد الله باسم الله والله ورسوله منهم ومن أفعالهم براء إلى يوم الدين.

يقول تعالى:

(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ).

لقد تمثلت المشكلة في التفاف هؤلاء حول المحكم وقراءة المتشابه بالأهواء والألحان وصولا لإقصاء المحكم أو المبادئ الدينية الحاكمة التي تفرز بالضرورة مواقف أخلاقية وسياسية حازمة في انحيازها للعدل ضد الظلم وللاستقامة ضد الانحراف والطغيان وكانت النتيجة هي تلك الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاكمة باسم الإسلام رغم أنها (لا تَتَعَلَّقُ مِنَ الاِْسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ، وَلاَ تَعْرِفُ مِنَ الاِْيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ) والتي لبست (الإسْلاَمُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً).

الوسيلة التي استخدمها (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) والذين (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) من أجل إنجاز هذا الهدف تمثلت في إقصاء وتهميش (الراسخين في العلم) سواء أولئك الذين قرأوا القرآن فأحكموه وتمسكوا بأمهات المبادئ القرآنية (أم الكتاب) وضحوا واستشهدوا من أجل إيمانهم أو أولئك الذين كانوا على قمة جبل الرسوخ في العلم من أهل الذكر.

إنها ببساطة سياسة الإضلال خطوة خطوة: أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ لتصبح هذه الأهواء التي اتبعت والأحكام التي ابتدعت مجاملة لهذا وإرضاء لذاك دين الله وثوابت الأمة التي لا يجرؤ أحد على المساس بها أو الاقتراب منها وإلا علا الصراخ والضجيج والعجيج على الإسلام الذي حرف والدين الذي حورب وإلى الله المشتكى (مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفُ مِنَ اَلْمُنْكَرِ) خطبة 17 نهج البلاغة.

ومن ثم فقد أمكن لهؤلاء تقديم إسلام بديل, شكل بلا مضمون وطقوس صوتية لا روح فيها ولا معنى لها ليبقى الحال على ما هو عليه ولا بشارة للمستضعفين بعد أن (أنعم) الله على المستكبرين فصاروا ملوكا لدولة الإسلام بعد أن كانوا ملوكا لدولة الكفر!!.

يقول ابن جرير الطبري في تفسيره:

الْمُحْكَمَات هُنَّ اللَّوَاتِي قَدْ أُحْكِمْنَ بِالْبَيَانِ وَالتَّفْصِيل وَأُثْبِتَتْ حُجَجهنَّ وَأَدِلَّتهنَّ عَلَى مَا جُعِلْنَ أَدِلَّة عَلَيْهِ مِنْ حَلَال وَحَرَام وَوَعْد وَوَعِيد وَثَوَاب وَعِقَاب وَأَمْر وَزَجْر وَخَبَر وَمَثَل وَعِظَة وَعِبَر وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَؤُلَاءِ الْآيَات الْمُحْكَمَات بِأَنَّهُنَّ هُنَّ أُمّ الْكِتَاب يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ أَصْل الْكِتَاب الَّذِي فِيهِ عِمَاد الدِّين وَالْفَرَائِض وَالْحُدُود , وَسَائِر مَا بِالْخَلْقِ إِلَيْهِ الْحَاجَة مِنْ أَمْر دِينهمْ , وَمَا كُلِّفُوا مِنْ الْفَرَائِض فِي عَاجِلهمْ وَآجِلهمْ . وَإِنَّمَا سَمَّاهُنَّ أُمّ الْكِتَاب, لِأَنَّهُنَّ مُعْظَم الْكِتَاب , وَمَوْضِع مَفْزَع أَهْله عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهِ.

كما ينقل عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله: {مِنْهُ آيَات مُحْكَمَات} قَالَ: هِيَ الثَّلَاث الْآيَات الَّتِي هَهُنَا: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ} إِلَى ثَلَاث آيَات وَاَلَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيل {وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} إِلَى آخِر الْآيَات.

ورغم أننا لا نقر بقصر المحكم على تلك الآيات إلا أن تأمل ما ورد فيها من أحكام يرى فيها أمهات المبادئ القرآنية الحاكمة للسلوك الإنساني الفردي والجماعي وهو ما يدفع للتساؤل عن الطريقة التي همشت بها هذه المبادئ لصالح النهج السلطوي التلفيقي وكيف جرى استباحتها باسم الدين ذاته وكأن الإسلام لا يحرم هذه الانتهاكات إلا على الأفراد أما إذا حدثت نفس هذه الجرائم من الحكام وصارت هي القانون والنظام فهي من المباحات باسم المصلحة والحفاظ على النظام العام درءا للفتنة بالفتنة (ألا في الفتنة سقطوا).

الذي نخلص إليه أن المحكم هو أمهات القيم الإسلامية الحاكمة التي التف عليها من أكلوا الدنيا بالدين والقرآن ولا زالوا يلتفون ويتجاوزون ويأكلون وأن توظيف القرآن في المهرجات الصوتية والاحتجاجية يكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها المسلمون وعمق الهاوية التي يقودهم إليها منظمو تلك الكرنفالات ممن لا يعرفون من الإسلام إلا رسمه ومن القرآن إلا صوته.

د أحمد راسم النفيس

4-10-2006.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى