مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: هل يشهد العالم مولد نظام دولي جديد؟!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: هل يشهد العالم مولد نظام دولي جديد؟!

أدت أزمة كورونا التي هزت النظام العالمي القائم على تسيد أمريكا وحلفائها إلى ازدياد منسوب التفاؤل لدى الكثيرين  بإمكانية العبور إلى نظام عالمي جديد أقل ظلما وتوحشا من الوضع الراهن حيث بدا واضحا حجم الشرخ بين الولايات المتحدة ومن يفترض أنهم حلفاؤها في أوروبا حيث لم يجد هؤلاء من يمد لهم يد العون إلا الصين وروسيا.

الشرخ بين هؤلاء وهؤلاء ليس جديدا كما بين الأوروبيين أنفسهم الذين خاضوا فيما بينهم حروبا ضارية خلال القرون الماضية تعرض فيها عشرات الملايين من البشر للهلاك والإبادة بحيث يمكننا القول أن ما يسمى بالاتحاد الأوروبي هو مجرد تساكن بين مجموعات بشرية متطاحنة يكره بعضها بعضا، تساكنٌ أملاه انعدام قدرتها على مواصلة الاقتتال فيما بينها.

معلوم أن الولايات المتحدة بلد كبير وثري ويمتلك إمكانات هائلة كما أنه متقدم علميا وتقنيا إلا أن هذا ليس كافيا للهيمنة على العالم ولا يعني أن بوسع الأمريكي الاستغناء عن بقية العالم حيث احتاج الأمر دوما لابتزاز الآخرين ونهب ثرواتهم الطبيعية وأموالهم من أجل تحقيق غايتين:

الأولى: تحقيق مزيد من الوفرة والثراء الفاحش للأرستقراطية الحاكمة.

رأينا كيف حمت الولايات المتحدة ممالك النفط وابتزت ثرواتها بثمن بخس ورأينا كيف احتلت الولايات المتحدة منابع النفط في سوريا ويكفي أن نستدعي تصريحات ترامب وهو يبتز الملك السعودي ويطالبه بمزيد من المال لقاء حمايته مما يسميه بالخطر الإيراني.

الثاني: القضاء أولا بأول على كل محاولات التمرد والانفلات من القبضة الأمريكية الخانقة.

رأينا في هذا المجال كيف رتبت الولايات المتحدة الانقلاب على حكومة مصدق في إيران عام 1952 وكيف عملت على تفكيك الاتحاد السوفييتي عبر استنزافه في أفغانستان وكيف حاصرت وما تزال تحاصر كوبا وفنزويلا وكيف تعمل الآن لإسقاط حكومة بيلاروسيا وتنصيب حكومة تأتمر بأمرها.

الحملة الشرسة التي تشنها الولايات المتحدة الآن على إيران لم تكن أبدا بسبب تلك الذرائع المدعاة مثل سعيها لامتلاك سلاح نووي خاصة بعد اتفاق عام 2015 بل لعدم رضوخها للهيمنة أو إذعانها للإملاءات التي تريد فرضها على هذا البلد وهي التي تتدخل في شئون البلدان التابعة لها وتملي من يحكم ومن يكون رئيسا للوزراء كما في العراق.

الدور الأمريكي في قمع المتمردين على الهيمنة يشمل الغزو والعدوان العسكري كما هو الحال مع العراق وأفغانستان والآن سوريا واليمن وليس بالضرورة أن يرسل الأمريكي جيشه فقد وفر الوهابيون عليهم هذا الدور في كثير من الأحيان وقاموا بذلك الدور تحت إشرافهم.

الآن تستشعر أمريكا الخطر الذي يمثله الصعود الاقتصادي والحضاري الصيني وتسعى لمحاصرته ومنع تمدده أينما وكيفما استطاعت.

لا يختلف الأسلوب الأمريكي في فرض إرادته وهيمنته عن أسلوب فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) فهو يضرب الطوائف بعضها ببعض ويعمل على نشر الفرقة والاختلاف بين المستهدفين من قبله ويسعى لنشر الرعب والخوف من مجرد التفكير في عدم الإذعان له.

ولأن دوام الحال من المحال فقد بدا واضحا أن القوة الأمريكية فضلا عن أنها لم تكن يوما ما قدرا لا يرد فهي آخذة في التآكل والاضمحلال.

الخسائر الأمريكية في الحرب العالمية الثانية كانت محدودة مقارنة بالدمار الهائل الذي حاق بأوروبا وقلص ثروتها البشرية مما جعلها تفتح أبوابها للقادمين من الشرق ليساهموا في إعادة بناء القارة المدمرة مما منحها الهيمنة على القرار السياسي للقارة العجوز وجعل دولها تابعة تبحث هي الأخرى عن استقلالها.

من المفيد أيضا التذكير بأن الأمريكي ورث الهيمنة على العالم من سلفه الأوروبي المتكبر بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال الذين فقدوا قدرتهم على فرض سيطرتهم على شعوب العالم المستضعفة في أفريقيا وآسيا بصورة مباشرة في أعقاب الحربين العالميتين.

مؤخرا بدأ التمرد الأوروبي على الهيمنة الأمريكية حيث طالبت فرنسا بتأسيس جيش أوروبي موحد علها تتمكن من تحقيق الاستقلال!!.

ومن المحتم أن تتآكل القوة الأمريكية العسكرية والاقتصادية بسبب سوء الاستخدام والمغامرات العسكرية الفاشلة وتفشي الفساد الذي نخر كل أمبراطوريات التاريخ وأدى إلى تفككها من الداخل وعجزها عن مواجهة التحديات والحفاظ على نفس مستوى الأداء الذي بدأت من خلاله رحلة السيطرة على العالم.

تمكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على قوتها وهيمنتها في أعقاب هزيمتها في فييتنام بل وتوجيه ضربة قاصمة للقطب السوفييتي المنافس بعد أكثر من عقد عبر تفكيك المعسكر الاشتراكي بأكمله والوصول بحلف شمال الأطلسي إلى أعتاب الإمبراطورية السوفييتية من خلال استخدام الأسلحة التي أشرنا إليها سابقا إلا أن هذا كلفها الكثير من المال ما أدى إلى دخولها في أزمات مالية أخطرها الانهيار المالي الذي حدث في العام 2008.

ثم جاء وباء الكورونا لأول مرة في التاريخ المعاصر ليضرب الولايات المتحدة كما ضرب غيرها وربما كانت الضربة التي تلقتها أشد وطأة كما أنه جاء ليحقق مبدأ غائبا عن السياسة الدولية وهو (المساواة في الظلم عدل)!!.

اعتاد الأمريكيون أن يَضربوا ولا يُضربوا فجاءت كورونا لتحقق هذه المعادلة ولتذيقهم مما يذوق الآخرون ولتكشف أن لديهم الكثير من نقاط الضعف والخلل!!.

الكون لا يقبل الفراغ

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ). الرعد 11.

(إن الله لا يرضى من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر) علي بن أبي طالب عليه السلام.

كثيرون ينتظرون أن يمن الله عليهم بوراثة الدين والدنيا دون أن يدفعوا ثمن التغيير المرجو وهو ما لا نتصور حدوثه  رغم كل ما جاء في كتاب الله عز وجل من الأمر بالتضحية والبذل والجهاد.

الهيمنة الأوروبية ثم الأمريكية على العالم فضلا عن تحكمهم في مصير الأمة الإسلامية لم يحدث هكذا خبط عشواء لمجرد أن الأمة الإسلامية تخلت عن الكتاب والسنة وتركت السواك قبل كل صلاة أو لأنها تركت لبس السروال القصير كما يزعم السفهاء والحمقى!!.

كما أن هذا لم يحدث لمجرد التآمر على الإسلام ليس لعدم وجود تآمر بل لعجز المسلمين عامة ومن يزعمون أنهم قادة الفكر والرأي والسياسة عن تشخيص هذه المؤامرة رغم أنها واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار.

الآن نرى بأم أعيننا كيف تغولت إمارات ودويلات الفساد على طريقة (إن البغاث بأرضنا يستنسر) وبدأت تتصرف بصورة أمبراطورية وتسعى للتمدد والاستيلاء على حقوق الدول المجاورة اعتمادا على ارتباطها بالأمبرطورية الأم!!.

بتاريخ 24 أغسطس 2020 قال وزير الخارجية الأمريكي والنقل عن  (CNN)  ، في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن بلاده ملتزمة بـ”التفوق العسكري لإسرائيل في المنطقة”، وكذلك دعم الإمارات بكل ما تحتاجه من معدات عسكرية للدفاع عن نفسها في مواجهة تهديدات إيران، وذلك في إطار تعليقه على اتفاق السلام المبرم بين الإمارات وإسرائيل. واعتبر بومبيو، في المؤتمر الصحفي، أن اتفاق السلام “الإماراتي الإسرائيلي”، “خطوة مهمة في الشرق الأوسط”، فيما أكد رئيس وزراء إسرائيل، أن “دولًا أخرى في المنطقة قد تنضم لاتفاقات السلام معنا”، بحسب تعبيره.

يتصور هؤلاء الأقزام أن بوسعهم التصرف كالعمالقة لمجرد أنهم أبرموا اتفاقا مع الكيان اليهودي الغاصب لفلسطين والقدس ويتحدثون بوقاحة عما يسمونه بمواجهة التهديد الإيراني في حين أن المسافة الفاصلة بينهم وبين إيران لا تتجاوز بضعة كيلومترات.

ليس دقيقا ما روج له البعض نقلا عن هنري كيسنجر من حديث عن نظام عالمي جديد وكل ما هنالك أنه أكد أن الاضطرابات السياسية والاقتصادية قد تمتد تأثيرها إلى أجيال حيث لا يمكن لأي دولة ولا حتى الولايات المتحدة، التغلب على كورونا من خلال جهد وطني محض.

دعا الرجل إلى (تحسين أوضاع الاقتصاد العالمي)، فالأزمة الاقتصادية الحالية أكثر تعقيداً من غيرها، والانكماش الذي سببه الفيروس نظراً إلى سرعته ونطاقه، ليس له مثيل في التاريخ، وبينما تشكل تدابير الصحة العامة مثل التباعد الاجتماعي، وإغلاق المدارس والشركات ضرورة ملحة، فإنها تفاقم الضرر الاقتصادي”.

كما دعا أيضا “لحماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي، إذ تعد الحكومة الحديثة التي يُعبَّر عنها كمدينة مسورة يحميها حكام أقوياء، وأحياناً مستبدون، وأحياناً أخرى أخيار، قوية دائماً بما يكفي لحماية رعاياها من عدو خارجي”.

لا أحد يرغب في الإقرار بوجود كوارث وأخطاء أو أن ثمة ما يحتاج لإعادة نظر والكل يعاند أو هو من الأساس لا يرى ما يحتاج إلى تصحيح وأن كل شيء على ما يرام وجميع المسائل تمام التمام!!.

يبدو هذا واضحا في كلام الثعلب العجوز ومطالبته بحماية النظام الليبرالي رغم أن هذا النظام يعد مسئولا عن الفشل في التعامل مع الجائحة كونه نظاما يهدف لتحقيق أكبر قدر من الربح على حساب القيم الإنسانية.

النظام العالمي الحالي يقوم على أساس الظلم والقهر العرقي والديني وسلب الشعوب إرادتها وأرضها ومقدساتها الدينية وبدلا من أن يطالب الثعلب الأمريكي بتصحيح هذه المظالم نراه يطالب بحماية الليبرالية التي هي ليبرالية مالية لصالح المهيمنين على سوق المال وليبرالية اجتماعية تعمل لاقتلاع الثوابت الأخلاقية للمجتمعات ليصبح الجميع في الفساد سواء.

لست ممن يعتقدون أن قرارا بتغيير شكل النظام الاقتصادي أو السياسي يمكن أن يعدل بنا عن طريق الأشواك إلى طريق الأمن والسلام بعد أن خضنا هذه التجارب والتحولات فالعبرة الأساس في نجاح النظم أو فشلها تكمن في مصداقية القائمين عليها وعدالتهم.

النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما الثقافية والأخلاقية ليست أثاثا جاهزا يجري استيراده على عجل من أمريكا أو روسيا أو الصين كما يزعق البعض الآن فهو لا يختلف شيئا عن صناعة سفينة النجاة سفينة نوح عليه السلام، (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ).

صناعة سفينة النجاة هي صناعة المستقبل الذي لا يمكن تحقيقه إلا على يد المؤمنين بالعدالة المطالبين بها لأنفسهم ولغيرهم.

الآن نعتقد أن عبئا ثقيلا يقع على عاتق الأمة الإسلامية وقياداتها الفكرية والسياسية في إعادة تقديم الإسلام الرسالي المحمدي الحقيقي الذي طمسته عصور الظلم والجور والجاهلية المعاصرة.

وللحديث بقية……

دكتور أحمد راسم النفيس

‏25‏/08‏/2020

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق