مقالات النفيس

عبادة الأساطير والأوهام: كيف سلم أبناء صلاح الدين القدس للصليبيين؟!

المقال الذي أقام الدنيا ولم يقعدها والمنشور بجريدة القاهرة بتاريخ 6 سبتمبر 2005

عبادة الأساطير والأوهام: كيف سلم أبناء صلاح الدين القدس للصليبيين؟!

المقال الذي أقام الدنيا ولم يقعدها والمنشور بجريدة القاهرة بتاريخ 6 سبتمبر 2005

نعتذر لمتابعينا الأعزء حيث نشر هذا المقال قبل المنشور سابقا.

ماذا يجري عندما تتأسس الثقافة ومن ثم السياسة على الأساطير والأوهام؟؟.

عندها يكثر الوقوع في الأخطاء وتصبح التجارب الفاشلة هي الأساس وتقل أو تنعدم فرص النجاح.

صناع ثقافة الأساطير والأوهام يرون في التمرد على ثقافتهم  السائدة ورديفها شعاراتهم البائدة مؤامرة وعدوانا ينبغي التصدي له قبل أن يستفحل الخطر وينجح (المتآمرون) في تنفيذ مخططهم (الخبيث) و(استلاب) وعي الأمة من عقلها (الموضوع في طست الذهب الذي تعرض فيه الرؤوس بين يدي سلاطين المماليك وخلفاء بني أمية وبني العباس) أثناء نوم الحرس!!.

إنهم يدافعون عن أساطيرهم التي سمعوها إشاعة عن إشاعة ثم يعتبرونها ضميرا للأمة ينبغي الدفاع عنه في وجه (العابثين والمفسدين) المنحرفين عن صراط كهنة المعبد المستقيم!!.

كهنة معبد الأساطير والخرافات رغم خوفهم من أن يفلت الزمام من أيديهم ويتحول الجمهور عنهم ليدمن ثقافة أخرى غير تلك التي يروجونها يحرصون على الظهور بمظهر العظماء الثابتين على نهجهم ولذا فهم يرسلون دائما برسائل غير مباشرة تعرب عن خوفهم على وليس خوفهم ممن يتصدى لفضح تلك الخرافات.

كشف الحقيقة وقراءة الواقع والتاريخ كما هو لا كما يطرحه كهنة الأساطير هو ضرورة حياة ولا يمكن أن يحدث أي نوع من التطور نحو الأمام من دون تلك القراءة المتجردة مهما بلغت مرارتها.

كهنة المعبد:

انقسم كهنة المعبد قديما وحديثا إلى درجات بعضها فوق بعض فمنهم الكاهن الأعظم ومنهم أساتذة الكهانة المساعدون أو المشاركون مقابل أجر وأحيانا بدون أجر على الإطلاق لا في الدنيا ولا في الآخرة وكلهم يقومون بمهمة واحدة هي الحفاظ على صورة الإله الأسطورة أو الأسطورة التي تحولت بفضل هؤلاء الكهنة إلى إله سواء تعلق الأمر ببطل وهمي مقدس أو فرضية وهمية مقدسة.

الكهنة الأصليون يؤكدون على أن الأسطورة الإله كان إمام الحق وكان مجدد القرن وكل قرن كما أنه حجة العصر بل وسابق العصر وهم على إثره سائرون ولو كره الكافرون!!.

أما الكهنة المشاركون (والأجر والثواب عند الله) فهم دائما حاضرون لتخفيف لهجة الكهنة الأصليين الفجة والقاطعة وتبليع تصريحاتهم لجمهور المدمنين الذين لا يفهمون تلك التصريحات النارية على وجهها الحقيقي وهم يصرحون ويشيدون على الأرض أو في الفضاء ويؤكدون أن الإله الأسطورة أو الأسطورة الإله كان رمزا للحكمة والاعتدال وأن كل ما جرى كان بسبب غيابه المفاجئ قبل موعده مع القدر رغم أنه جاء في موعده مع القدر وأن من جاءوا بعده لم يتشربوا بروحه الربانية وأن العيب في الأتباع لا في المنهج كما أن العيب الأكبر هو في الظروف والمناخ السائد وتآمر الشرق والغرب وتقاعس الأمة عن اللحاق بركب الإله الأسطورة أو الأسطورة الإله الذي يتعين أن تقدم له كل فروض الطاعة والولاء.

الأسطورة الإله يقول لأتباعه (نحن الإسلام أيها الناس فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفنا كما يعرف نفسه أو قولوا عنا بعد ذلك ما تريدون).

 

أنا الإسلام والإسلام أنا

هكذا تكلم الإمام الأسطورة الذي تحول إلى كائن مقدس لا يجوز المساس به ولا نقده بل وأصبح مثلا أعلى يحتذى وعلى الفور سيجيبك كهنة المعبد المشاركون (من أين جئت بهذا التفسير والآثار الإيجابية لاِتباعه لا تعد ولا تحصى ونحن نشهد له رغم أننا لسنا من أتباعه) رغم أن التصرفات اليومية السلبية لأتباعه هي تصديق واضح لتلك المقولة الخالدة.. أنا الإسلام والإسلام أنا!! فمن عرفنا فقد عرف الإسلام ومن لم يعرف الإسلام من الكفار والمشركين والمارقين أعداءنا أعداء الدين فلن يعرفنا.

النموذج الآخر لعبادة الأساطير هي قصة (جيل صلاح الدين) الذي نذر البعض عمره للدعوة لإعادته وقد تحدثنا من قبل عن بعض سجايا وخصال السيد صلاح ولا بأس أن نحدثهم اليوم عما فعله ذلك الجيل الأول لعل الجيل الجديد يستفيد من خبرات وتجارب الجيل الأول من المماليك القدامى.

تقوم الأسطورة الصلاحية من ألفها إلى يائها على أن الرجل قام بتحرير القدس (نهائيا؟!) من الصليبيين وعند هذا المشهد يتوقف فيلم يوسف شاهين ولذا فهم على إثره سائرون.. إلى نهاية العرض وليس إلى نهاية التاريخ!!.

ما لا يعرفه الصلاحيون الجدد أن الصلاحيين القدامى (الأخوة الأعداء) من أبناء السيد صلاح ظلوا يتقاتلون فيما بينهم (وهذا دأب الصلاحيين القدامى والجدد) الكامل في مصر والمعظم في الشام وفلسطين (كان الساحل كله ما زال في يد الفرنج) والقصة يحكيها لنا ابن واصل في كتابه مفرج الكروب: ولما تأكدت الوحشة بين الملك المعظم وأخويه الكامل والأشرف أرسل الملك الكامل الأمير فخر الدين يوسف بن صدر الدين شيخ الشيوخ إلى الإمبراطور فردريك صاحب بلاد نابولي وجزيرة صقلية يطلب منه القدوم إلى عكا ووعده أن يعطيه بيت المقدس وقصد بذلك إشغال أخيه الملك المعظم ليحتاج إلى موافقته والدخول في طاعته!! فتجهز الإمبراطور لقصد الساحل وبعد وصوله إلى عكا شرع في عمارة صيدا وكانت مناصفة بين المسلمين والفرنج فعمروها واستولوا عليها وأزالوا عنها حكم المسلمين.

ولما وقعت الهدنة بعث السلطان إلى القدس من نادى بخروج المسلمين منها وتسليمها إلى الفرنج (عام 626 هـ) فوقع في أهل القدس الضجيج والبكاء وعظم ذلك على المسلمين وحزنوا لخروج القدس من أيديهم وأنكروا ذلك الفعل من الملك الكامل إذ كان فتح هذا البلد الشريف واستنقاذه من الكفار من أعظم مآثر عمه الملك الناصر صلاح الدين ولما ورد الخبر إلى دمشق بتسليم القدس إلى الفرنج أخذ الملك الناصر داود في التشنيع على عمه الملك الكامل وتقدم إلى الشيخ يوسف سبط الشيخ جمال الدين بن الجوزي الواعظ وكان له قبول عند الناس أن يجلس في جامع دمشق ويذكر فضائل القدس وما ورد فيه من الأخبار والآثار وأن يحزن الناس ويذكر ما في تسليمه إلى الكفار من الصغار للمسلمين والعار وقصد بذلك تنفير الناس من عمه ليناصحوه في قتاله (..) فجلس الشيخ للوعظ كما أمره وحضر الناس لاستماع وعظه وكان يوما مشهودا وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم.

خطبة سبط ابن الجوزي: (انقطعت عن البيت المقدس وفود الزائرين يا وحشة المجاورين كم كانت لهم في تلك الأماكن من ركعة وكم جرت على تلك المساكن من دمعة تالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت.. أحسن الله عزاء المؤمنين يا خجلة ملوك المسلمين… لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات .. لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات… لمثلها تعظم الحسرات…) المصدر مفرج الكروب لابن واصل.

لو كلف دعاة عودة السيد صلاح أنفسهم مؤنة قراءة شيء من تاريخ تلك الحقبة السوداء لأدركوا  ببساطة أنها كانت فترة انحطاط على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية بل والعسكرية وأن من تحمل عبء مواجهة الغزوات الصليبية المتكررة كانت الجماهير المضحية في حين بقي هؤلاء الملوك المماليك يتقاتلون على السلطة والجاه فيقتل الأخ أخاه سما أو بالسيف ولا يبالي من أجل تحقيق هذا الهدف أن يرسل إلى ملك الفرنج ليقطعه بيت المقدس ويخرج منها المسلمين ثم يقولون لنا جيل صلاح الدين!!!.

نقول هذا الكلام ردا على ما يردده كهنة المعبد الذين امتشقوا حسام الدين في مواجهة من يصفونهم بالتغريبيين الذين يريدون استلاب روح الأمة وعقيدتها وكأننا لم نعرف الانحراف إلا يوم أن جاءنا الغرب والتغريبيون وكأن الانتصار على الصليبيين والأمريكيين سيعيد إلى الأمة روحها وأخلاقها ووعيها المفقود … فلماذا لم تعد لنا تلك الروح منذ ثمانية قرون؟؟!!.

فما أجمل الشعارات ولكن ما أبعدها عن الحقيقة والواقع.

ثقافة التخريب التي يرسم معالمها ويحرص على تقديمها كهنة معبد الأساطير هي الأرخص سعرا والأكثر رواجا والأسرع انتشارا من ثقافة التغريب عالية الكلفة وهي الثقافة التي يعتاش كهنة المعبد على ترويجها ويصنعون بطولاتهم وأمجادهم الزائفة في تلك المعارك الوهمية التي يخوضونها من أجل الدفاع عنها.

الفارق بين ثقافة التخريب وثقافة التغريب هو الفارق بين من يبيعون للفقراء الكحول الأحمر الذي يخرب عقولهم وأكبادهم لأنه صناعة وطنية ويطالبون بمنع الشمبانيا (وهم من الأصل لا يقدرون على شرائها) لأنها صناعة أمريكية!!!.

إنها ثقافة الانحطاط والتخلف التي ما زالت فاعلة ومتسيدة في حياتنا الثقافية حتى الآن.

إنها ثقافة الخرافات والأساطير التي فقدت كل مدلول لها ولم ولن تحرك حجرا واحدا من أحجارنا الراكدة إلى الإمام.

وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

دكتور أحمد راسم النفيس.

20-6-2005.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق