دراسات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الشرق الأوسط من سايكس بيكو إلى صفقة القرن!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الشرق الأوسط من سايكس بيكو إلى صفقة القرن!!

ضجة واسعة أثارها الإعلان عما سمي بصفقة القرن رغم عدم الكشف عن تفاصيل أو محتوى هذا المخطط الذي بدأت بعض معالمه في الظهور تباعا ومن ضمنها اتفاقات التطبيع التي أبرمت مؤخرا بين إسرائيل وبعض دول الخليج.

هل ثمة جديد؟!، أم أنهم يعيدون بيعنا نفس البضاعة القديمة المستهلكة بعد إعادة طلائها وتغيير أسمائها؟!.

لا بأس بالتذكير بأن اتفاق (سايكس بيكو) وقعته وزارتا الخارجية الفرنسية والبريطانية في 5 مارس 1915 والذي يعتبره بعض المسيسين العرب أصل البلاء ومكمن العلة والداء زاعمين أن هذا الاتفاق هو الذي قاد لتقسيم الأمة العربية ومنع الوحدة بينها، رغم أن هذه الوحدة لم تكن إلا أمنية تشبه إلى حد كبير زمان الوصل بالأندلس (جادك الغيث إذا الغيث همى / يا زمان الوصل بالأندلسِ*  لم يكن وصلك إلا حلما/ في الكرى أو خلسة المختلسِ)!!.

ورغم أن الاتفاق وقع عام 1915 إلا أن حقيقته لم تظهر إلا عام 1919 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عندما نزل الجيش الفرنسي إلى شواطئ سوريا ليدرك العرب بعد فوات الأوان أنهم قد خدعوا، ولات حين مندم!!.

لا نعتقد أن النظام السياسي العربي على اطلاع ومعرفة بكامل تفاصيل تلك الصفقة وأقصى ما نتوقعه أنهم أُطلعوا على القدر الذي يحتاج كل منهم إلى معرفته لا أكثر!!.

القصة كلها أن بعض العرب راهنوا على صدق وعود الثعلب البريطاني لهم بمنحهم دولة عربية مستقلة لقاء دعمهم المطلق لبريطانيا وفرنسا في مواجهة الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى –آخر دولة مركزية حكمت المنطقة_ وما لبث الإنجليز كعادتهم أن نكثوا وعودهم وتقاسموا ممتلكات الإمبراطورية المنهارة مع الفرنسيين حيث لا يمكن لعاقل أن يصدق إمكانية أن يتخلى الثعلب عن فريسته بعد أن وضعها بين فكيه باستثناء قادة العرب الذين صدقوا وربما ما زالوا يصدقون!!.

الغرب ونقصد به تحديدا ورثة الإمبراطورية الرومانية المقدسة عمل دوما على تكريس هيمنته المنفردة على العالم حتى جاءت الحرب العالمية الأولى والثانية لتنقل مركز هذه الهيمنة لتستلمها الولايات المتحدة.

ورغم أن العلاقة بين هذه الدول التي كونت فيما سبق الإمبراطورية الرومانية كانت دوما علاقة تنافس وتناحر وعداء بلغ ذروته في الحربين العالميتين، إلآ أنهم كانوا يتداركون أنفسهم ويتحاشون خطر الزوال التام عبر إجراء مصالحات واتفاقات آخرها ما سمي بالاتحاد الأوروبي الذي ما كان له أن يتشكل لولا شعور هذه الدول بالاستعلاء العرقي رغم أن حروب القرن العشرين قد أنهكتهم وأضعفتهم ولولا قبولهم بقيادة أمريكا لأصبحوا الآن أثرا بعد عين!!.

تذكرون تلك التخرصات التي أطلقها الرئيس الفرنسي ماكرون في نوفمبر 2018 عندما دعا لإنشاء جيش أوروبي موحد مما أثار رد فعل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سخر من تصريحاته ومن التجربة التاريخية لفرنسا في الحرب العالمية الثانية (!!)، ودعا إلى تعزيز دور الناتو بدلا من التفكير في جيش أوروبي جديد[1].

ولا شك أن تذكير ترامب للرئيس الفرنسي بالتجربة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية هو أكبر بكثير من مجرد سخرية فهو إهانة فظة وبالغة.

الإمبراطورية الرومانية عملت دوما على إزالة وتفكيك وإضعاف كل الكيانات المنافسة وآخرها الإمبراطورية السوفييتية لتنفرد وحدها بزعامة العالم والتحكم في ثرواته.

كان من الطبيعي أن يسعى الغرب لتفكيك الدولة العثمانية لكن ليس من الطبيعي أن يصدق قادة العرب آنئذ أنه يفعل ذلك لصالح تطلعات أي شعب من الشعوب عربية كانت أو حتى في أمريكا اللاتينية!!.

المدهش أن الغرب والآن أمريكا لم يتمكن من هزيمة أعدائه يوما ما بمفرده ومثال ذلك الانتصار على هتلر في الحرب العالمية الثانية وهو انتصار لم يكن ليتحقق لولا الدور الجبار الذي قام به الاتحاد السوفييتي بقيادة ستالين في هزيمة ألمانيا النازية قبل أن ينقلب نفس الغرب عليه ويتمكن من إسقاطه بداية التسعينات هذه المرة عبر الاستعانة بالمحور الوهابي.

الغرب المسيحي لم يكن ليتمكن من القضاء على غريمه البيزنطي الذي مثل المسيحية الشرقية لولا استعانته بالسلاجقة الأتراك الذين قاموا بمحو هذه الإمبراطورية وتحويل أهم رموزها، كنيسة أيا صوفيا إلى مسجد ليعود نفس الغرب وبعد قرون للقضاء على إمبراطورية السلاجقة بداية القرن العشرين ويتقاسم ممتلكاتها بمشاركة الفرنسيين.

دوما كان الغرب يتلاعب بالتناقضات القائمة بين المسلمين ويوظفها لصالج فرض هيمنته ومثال ذلك الحرب التي كانت مستعرة بين العباسيين في بغداد والأمويين في الأندلس والتي كانت من الأسباب الرئيسة لتحالف بغداد مع الإمبراطورية الرومانية بقيادة شارلمان.

العداء المشترك بين العباسيين والرومان تجاه البيزنطيين كان سببا من أسباب تحالفهما ضد بيزنطة كما كان موجها ضد الأمويين في الأندلس.

في سنة 797 أوفد شارلمان وفدا مؤلفا من ثلاثة رجال اثنان منهم من الفرنج هما السفيران لانتفريد وسيكيموند ومترجم يهودي اسمه إسحق.

وتقول المصادر أن الوفد بقي في الشرق ثلاث سنوات وأن السفيرين لانتفريد وسيكيموند توفيا في الشرق ورجع أخيرا إسحق.

يقول الدكتور مجيد خدوري[2] أن هارون العباسي أرسل مع أحد رجالاته رسالة إلى شارلمان مضمونها (إنا أتانا من ملك الفرنجة رسول يقرئنا فيها السلام فرأينا أن نوجهك إليه بألطاف نروم إليه أن يتقبلها في سبيل المودة لغاية نرغب فيها إليه من التعصب على بني أمية الذين يمزقون الأندلس فيما هو واقع بينهم من حروب، فإذا وافقنا على ما نروم من الاستيلاء على ديارهم فهو المقصود من إنفاذك إليه واجهد أن تسترق لبه بخلابة لسانك وتقدم إليه بالوعد الجميل أننا نوفيه حقه يوم الفتح ونصرف إليه نفقات الحرب من بيت مالنا ونجري الأرزاق الواسعة على جنده ونقاسمه ما تحوي خزائن الظالمين من المال والجوهر)..

في روما استقبل شارلمان رسول الرشيد وسأله عن المشرق وأنه يروم أن يكون الدهر في صفاء مع الرشيد ثم طلب منه الرسول أن يخلو به ثم استدعاه في اليوم التالي فبلغته ما أوصاني به الرشيد من أمر بني أمية وما يروم من موافقته عليهم ولكن بإيجاز).

يؤكد الأستاذ المدور (على هامش المحاضرة) بشيء من الغموض أن اتفاقا تم بين الرشيد وشارلمان على فتح أسبانيا وتفويض شارلمان بهذه المهمة.

ويوافق الأستاذ بكر الأستاذ المدور هذا الرأي ويقرر أن الرشيد عين شارلمان أمير فتح على أسبانيا.

ويسترسل بكلر قائلا: أن توارد الحوادث يثبت حدوث هذا الاتفاق حيث تكللت مساعي شارلمان في شأن أسبانيا بالنجاح وأن المسلمين اعتبروا شارلمان حليف الخليفة فناصروه  حيث تمكن من الاستيلاء على برشلونة سنة 802مـ بعد حصار دام عامين وتمكن شارلمان من الاستيلاء على بقاع أخرى في شمال أسبانيا وأذعن له قسم من العرب ويذكر الأستاذ بكلر أن التفويض الذي حصل عليه شارلمان أشير إليه في المراسلات بين البابا وشارلمان.

ويضيف الأستاذ بكلر إلى أن الغرض من المفاوضات بين شارلمان والرشيد شمل التحالف ضد البيزنطيين وتسهيل طريق حج الإفرنج إلى الأراضي المقدسة.

في سنة 802 مـ أرسل شارلمان وفدا ثانيا إلى هارون الرشيد وكان اسم أحد السفراء رادبرت ويقرر آينهارد أن الوفد مر في طريقه بالأراضي المقدسة وأن السفراء عرضوا على الرشيد رغبات سيدهم وأنه وافق عليها وسمح لشارلمان ببسط سيطرته على الأماكن المقدسة.

التحالف بين المسيحية الغربية أو الإمبراطورية الرومانية والعباسيين ضد الأعداء المشتركين وعلى وجه الخصوص بيزنطة التي مثلت المسيحية الشرقية تحالف قديم وبمراجعة بسيطة يتبين لنا أن هذا التحالف كان يصب دوما لصالح إدامة هيمنة الغرب وليس أبدا لصالح المسلمين.

التحالف الفاطمي مع البيزنطيين

شهد القرنين الثالث والرابع الهجري حملات غزو ضخمة شنها البيزنطيون على الشام والعراق كما هو مدون في كتابنا (الفاطميون والقدس).

كانت الدولة العباسية عاجزة عن الدفاع عن ديار الإسلام حيث أوكلت مهمة التصدي لتلك الحملات للحمدانيين الذين لم يكن بوسعهم تحمل عبء هذه المسئولية.

لم يكن للبيزنطيين من ند قادر على إيقافهم سوى الفاطميين الذين اضطلعوا بالمسئولية بعد استلامهم السلطة في مصر وكان أن تمكنوا من إلحاق الهزيمة بالبيزنطيين في معركة أفاميه التي قادها الخليفة الحاكم بأمر الله قبل أن يتوصل الفريقان إلى حل عبقري لو أنه بقي واستمر لما كان هناك فرصة لبقاء الهيمنة الغربية على العالم حتى الآن.

يقول الدكتور عبد المنعم ماجد في كتابه عن الدولة الفاطمية:

في أعقاب هزيمة البيزنطيين اتجهت الأمور لعقد مصالحة بين الفاطميين والروم حيث أرسل باسيل إلى الفاطميين رسالة تحمل هذا المعنى.

تم عقد هدنة لمدة عشر سنوات سنة 391هـ/1001مـ وكان من شروط الصلح أن يتمتع الروم في بلاد الفاطميين بالحرية ويسمح لهم بتجديد كنائسهم[3].

ولعل باسيل فكر في نقض الهدنة حين هدم مسجد المسلمين في القسطنطينية فما كان من الحاكم إلا أن أصدر أمرا بهدم كنيسة القيامة سنة 400هـ.

وفي سنة 405هـ أرسل الروم وفدا إلى الحاكم الذي أحسن استقبالهم في قصره فاصطفت العساكر بعددها وأسلحتها وفرش الإيوان في مشهد مهيب[4]

يصف المقريزي المشهد في كتابه (اتعاظ الحنفا): وفي سادس عشر جمادى الآخرة من سنة 405هـ وصل رسول ملك الروم فحشدت له العساكر من سائر الأعمال ووقفوا صفين والحاكم واقف ليراهم‏.‏ وسار الرسول بين العساكر إلى باب الفتوح ونزل ومشى إلى القصر يقبل الأرض في طول المسافة حتى وصل إلى حضرة الحاكم بالقصر وقد فرش إيوان القصر وعلق فيه تعاليق غريبة يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحداً وعشرين عدلا ذكرت السيدة رشيدة بنت المعز أنها كانت في قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعز في جملة أعدال وأن كتاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا: الحادي والثلاثون والثلثمائة من عمل العبيد ديباج خز ومذهب ففرش منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعاً دليلا على عظمته وسعته‏.‏ وعلقت بصدر الإيوان العسجدة وهي درقة مطعمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه فأضاء لها ما حوله ووقعت عليها الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالاً‏.‏ فدخل الرسول وقبل الأرض[5]!!.‏

إنه من دون شك استعراض للقوة والعظمة حمل الروم على إعادة النظر في سياستهم العدائية ضد المسلمين.

كما سعى الحاكم للتقارب مع الأبخاز (سكان جورجيا) وكانوا في عداء مع باسيل الثاني الذي أرسل إليهم أسطولا فكاتب جرجس ملكهم الحاكم ليعاونه ويبدو أن خطوات الحاكم الانتقامية جعلت باسيل لا يتحرك.

هذه السياسة السلمية القائمة على اليقظة مع بيزنطة مكنت الحاكم من السيطرة على الشام بصورة تامة وهو ما لم يحدث من قبل حيث كان عرب الشام أعداء للفاطميين حتى بعد استيلاء العزيز على الشام.

يحكي المؤرخ ناصر خسرو في كتابه (سفر نامة):

وفي الإسكندرية منارة رأيتها قائمة وأنا هناك وقد كان فوقها حراقة مرآة محرقة فكلما جاءت سفينة رومية من القسطنطينية أصابتها نار من هذه الحراقة فأحرقتها وقد بذل الروم كثيراً من الجد والجهد والحيلة فبعثوا شخصاً فكسر المرآة وفي عهد الحاكم بأمر الله سلطان مصر جاءه شخص وعرض عليه إن يعيدها كما كانت فقال الحاكم لا حاجة إلى ذلك فإن الروم يرسلون إلينا الآن الذهب والمال كل سنة وهم راضون بأن يذهب جيشنا إليهم ونحن معهم في سلام تام .

ويقال إن جزيرة صقلية[6] ثمانون فرسخاً في ثمانين وهي ملك سلطان مصر وتغادرها كل سنة سفينة تحمل المال إلى مصر ويجلبون منها كتاناً رقيقاً وثياباً منقوشة يساوي الثوب منها في مصر عشرة دنانير مغربية .

المعنى أن السلام الذي أقامه الفاطميون مع محيطهم الإقليمي وتحديدا مع الإمبراطورية البيزنطية –لو أنه استمر!!- لكان كفيلا أن يجعل الشرق الأوسط قلب العالم الحضاري والمادي.

كما أن التحالف مع المسيحية الشرقية وهي مكون طبيعي وأصيل من مكونات شعوب المنطقة كان كفيلا بلجم التطلع العنصري الاستعلائي الغالب على ورثة الإمبراطورية الرومانية أوروبا والآن أمريكا.

جاء السلاجقة وانطلقوا من بغداد ليطيحوا بكل هذه التوازنات حيث بدأوا بالقضاء على الدولة الفاطمية وتقاسموا ثرواتها مع الغرب ثم أطاحوا بعد ذلك بالدولة البيزنطية وأسسوا الدولة العثمانية على أنقاضها.

برنارد لويس: عن الصراع بين العثمانيين والصفويين

دأب الشاه وخلفاؤه من الصفويين ولو لفترة محدودة على منازعة السلاطين العثمانيين تفوقهم السياسي وزعامتهم الدينية فقام السلطان سليم الأول بشن حملات عسكرية على الدولتين المجاورتين له فحقق نجاحا كبيرا وإن لم يكتمل ضد الشاه ونصرا شاملا ونهائيا على سلطان مصر المملوكي فاصبحت مصر والمناطق التابعة لها من الولايات العثمانية وبقيت بلاد فارس دولة منفصلة ومنافسة، بل أن بوزيق سفير الإمبراطورية الرومانية في استامبول ذهب إلى القول أن التهديد الفارسي وحده هو الذي أنقذ أوربا من الفتح العثماني الوشيك فكتب يقول (إننا نرى على الجانب التركي موارد إمبراطورية جبارة وقوة لا يشوبها وهن واعتيادا على النصر وقدرة على التحمل والجلد ووحدة وانضباطا وتقشفا ويقظة وانتباها، أما على جانبنا فنرى فقر العامة وترف الخاصة وقوة مثلومة وروحا منكسرة ونقصا في قوة التحمل والتدريب، فالجنود عاصون والضباط مقترون وانتشر الانحلال والسكر والتبذل وأسوأ ما في الأمر أن العدو قد اعتاد النصر واعتدنا الهزيمة. هل لنا أن نشك فيما ستكون النتيجة؟ إن بلاد الفرس وحدها هي التي تتدخل لصالحنا إذ أن العدو وهو يسرع للهجوم لا بد دائما أن يحذر من ذلك الخطر المتربص بصفوفه الخلفية، لكن بلاد فارس تؤخر من وقوع المصير الذي ينتظرنا ولا تستطيع إنقاذنا فبعد أن يسوي الأتراك أمورهم مع بلاد فارس سوف ينقضون على نحورنا يساندهم جبروت الشرق كله ولا أجرؤ أن أحدد مدى عدم استعدادنا لذلك).

ولقد سمعنا في العصر الحديث بعض المراقبين الغربيين الذين قالوا أقوالا مماثلة عن الاتحاد السوفييتي والصين وثبت خطؤهم مثلما ثبت خطأ بوزيق.

لقد أثبتت الأحداث أن مخاوف بوزيق لم يكن لها ما يبررها إذ استمر القتال بين العثمانيين والفرس حتى القرن التاسع عشر وعندها لم يعودا يمثلان تهديدا لأي أحد عدا رعاياهما.

أما قبل ذلك فأحيانا كان يطرح على بساط البحث إمكان عقد حلف مناهض للعثمانيين بين العالم المسيحي والفرس دون أن يؤدي ذلك إلى شيء.

ففي عام  1523 أرسل الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان لا يزال يتألم من الهزيمة التي لحقت به خطابا للإمبراطور شارل الخامس يعرب فيه عن دهشته من أن الدول الأوربية يحارب بعضها بعضا بدلا من ضم الصفوف في وجه العثمانيين، ولم تلق تلك المناشدة أذنا صاغية ولم يرسل الإمبراطور ردا على الشاه إسماعيل حتى عام 1529 وكان الشاه قد توفي قبلها بخمسة أعوام؟

تجمدت حركة بلاد الفرس مؤقتا واستطاع العثمانيون بزعامة السلطان سليمان القانوني الذي حكم من (1520-1566) خلفا لسليم أن يبدأ مرحلة التوسع في أوربا بدءا من موقعة موهاك الكبرى في المجر وكانت الغلبة الحاسمة فيها للترك ففتحت الأبواب أمام أول حصار ضربوه على فيينا عام 1529 وكان الجانب العثماني يرى أن عدم الاستيلاء على فيينا بعد ذلك الحصار لا يعد هزيمة بل تأخرا في إحراز النصر قبل أن يستمر الصراع للسيطرة على قلب أوربا.

ص viii- ix  أين الخطأ برنارد لويس (التأثير الغربي واستجابة المسلمين).

نحن والمستقبل

خلاصة: يقف العالم كله الآن على مفترق طرق في مواجهة الخيار الصعب.

إما أن يواصل الخضوع للهيمنة الغربية الأمريكية وتابعها الأوروبي أو أن يعمل على التحرر الكامل من تلك القيود والأغلال التي يضعها المهيمنون على إرادته ومصيره.

يبدو الآن أن المرشح الأهم لتكوين المحور المقابل للاستكبار العالمي يوجد في عالمنا الإسلامي حتى ولو كان بحاجة للعودة إلى التحالف مع المسيحية الشرقية التي يمثلها الروس الآن.

قرون من الخضوع للهيمنة الغربية والرضوخ لسطوتها لم تفض إلى تحقيق نتيجة مرضية والكلام موجه لمن يراهن على إقامة علاقات متوزانة مع الغرب تقوم على الندية والاحترام المتبادل.

وبينما تتآكل القوة الغربية تدريجيا وأهمها بالقطع القدرة البشرية حيث تتناقص أعداد المواليد ومن ثم الشباب القادر على التضحية والقتال نرى أن البعض عندنا يشكو من الزيادة السكانية التي هي من دون أدنى شك عنصرا من عناصر القوة والمنعة.

من ناحية أخرى نرى أن عالمنا الإسلامي ما يزال يمتلك زخما عقائديا يسعى الغرب وعملاؤه في المنطقة لتوظيفه كطاقة تدمير ذاتي من خلال توجيهه للانضمام لجماعات التخريب الوهابي مثل الإخوان وداعش والقاعدة في حين نرى أن ثمة منظومة إسلامية عقائدية راشدة قد وجدت على الأرض وثبتت أقدامها بالفعل ولا تستخدم سلاحها إلا في وجه الغازي والمعتدي.

يمكننا القول أن التفوق والعلو الغربي الذي يستخدم ويوظف التناقضات الداخلية بين المسلمين ويوظف اليهود خدمة لإدامة استكباره وهيمنته واستحواذه على ثروات العالم مرشح للاستمرار والبقاء طالما وجد من يصدق وعودهم ويصغي لوسوستهم رغم أن تجارب التاريخ القديم والمعاصر ألا مجال للثقة بهذه الوسوسات التي قد يظنها البعض وعودا وتعهدات.

ليس صحيحا أن الغرب قد نهض وانطلق نحو الحضارة لأنه يمتلك عبقرية كامنة لا يمتلك المسلمون مثلها أو لأنه انتهج طريق العلمانية وقام بالفصل بين الدين والدولة كما يكرر الببغاوات العرب أو تجمع المعاقين فكريا بل لأن المسلمين لم يقرروا حتى الآن التخلص من قادة الفكر المحتالين الذين يبشروننا بالمن والسلوى قبل أن يكتشف المخدوعون أنهم يركضون خلف سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏09‏/08‏/2021

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] https://arabic.rt.com/world/987311-%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%AD%D8%AF-%D9%81%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D9%82%D8%A8%D8%A9/

[2] الصلات الدبلوماسية بين هارون الرشيد وشارلمان، محاضرة ألقاها الدكتور مجيد خدوري  في نادي القلم في بغداد. مطبعة التفيض الأهلية. بغداد. 1939

[3]  د عبد المنعم ماجد قيام الدولة الفاطمية وسقوطها. ص 125.

[4] نفس الصدر ص 126.

[5]  اتعاظ الحنفا للمقريزي ج2 ص 107-108. ط المجلس الأعلى للبشئون الإسلامية. مصر.

[6] الآن إيطاليا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق