دراسات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: السادة الحسنيون ودورهم في مناهضة الظلم

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: السادة الحسنيون

ودورهم في مناهضة الظلم

 

دكتور أحمد راسم النفيس

لعب السادة الطالبيون حسنيون كانوا أم حسينيون على مدى التاريخ دورا بالغ الأهمية في مناهضة الظلم والطغيان ذلك الداء المدمر الذي ابتليت به أمتنا الإسلامية.

لولا تلك الثورات التي نهض بها أحرار الأمة وعلى رأسهم سادات أهل بيت النبوة لما كان بوسع أحد أن يعرف أي مصير أسود كانت ستصل إليه هذه الأمة المبتلاة بطغاتها وذاتها وأمراضها الأخلاقية.

يتعامل البعض مع الثورات والانتفاضات وكأن كل ثورة هي وحدة مستقلة منفصلة عما قبلها وما بعدها قادرة بذاتها على تقديم منتج نهائي، جاهز للاستخدام الفوري يمكن له أن يغير المعادلات ليحل محلها معادلات أخرى ثابتة ومستقرة فبدلا من الظلم سيحل العدل وبدلا من الجهل والتخلف سيعم النور والعلم.

الثورة على الظلم فعل تراكمي ولولا تلك الثورات التي قادها وضحى من أجل تحقيق أهدافها رجال رساليون من طراز فريد نذروا أنفسهم لخير هذه الأمة ولذا فمن المتعين علينا أن ندرس سيرتهم وأن نحيي ذكرهم وأن نتغنى بأفضالهم.

الثورات التي شهدها تاريخنا كونت أرضية ثابتة رافضة للظلم، مانعة إياه من ترسيخ شرعيته واعتبار أن النظم الاستبدادية التي استولت على الحكم في عالمنا الإسلامي هي قدر الله الذي لا يرد والذي يتعين على المسلمين التعايش معه والاكتفاء برفع الأيدي للسماء أملا في تخفيف الجور وليس إنهائه والتوجه لإقامة دولة العدل الإلهي التي هي من دون شك أصل التكليف الإلهي للمسلمين والباعث الحقيقي وراء إرسال الرسل والأنبياء وتكليف الأئمة بحمل أمانة السماء.

يقول سبحانه وتعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[1].

ويقول سبحانه (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[2].

يقول ابن منظور في لسان العرب:

الدَّفْع: الإِزالة بقوّة. دَفَعَه يَدْفَعُه دَفْعاً ودَفاعاً ودافَعَه ودَفَّعَه فانْدَفَع وتَدَفَّع وتَدافَع، وتدافَعُوا الشيءَ: دَفَعَه كلّ واحد منهم عن صاحبه، وتدافَع القومُ أَي دفَع بعضُهم بعضاً ورجل دَفّاع ومِدْفَع: شديد الدَّفْع. ورُكْن مِدْفَعٌ: قويّ. ودفَع فلان إِلى فلان شيئاً ودَفع عنه الشرّ على المثل. ومن كلامهم: ادْفَعِ الشرّ ولو إِصْبعاً؛ ودافَع عنه بمعنى دفَع، تقول منه: دفَع الله عنك المَكْروه دَفْعاً، ودافع اللهُ عنك السُّوء دِفاعاً. واستَدْفَعْت اللهَ تعالى الأَسواء أَي طلبت منه أَن يَدْفَعَها عني.

الدفع هو إزالة الشر والظلم بالقوة أيا كان نوعها، بدءا من القوة المعنوية المتمثلة في رفض الإقرار بمشروعية الظلم والظالمين ولو لم يتحول هذا الرفض إلى قول أو فعل مرورا بسلطة الكلمة وأثرها المفضي لاهتزاز عروش الظالمين وصولا للاشتباك المسلح عملا بقوله سبحانه وتعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[3].

ثورات الطالبيين وخط الإمامة

يصاب بعض الباحثين في سيرة أئمتنا الأطهار بالحيرة والارتباك عندما يعجزون عن الربط بين الموقف المعلن لأئمة أهل البيت والمواقف الثورية للسادة الطالبيين فتراهم يتخذون احيانا موقف الإدانة من هذا الحراك الثوري الموجه أساسا لدفع الباطل وإزالته أو إجباره على التراجع وإبقائه في موقف الدفاع عن النفس.

تزامن قبول الإمام الحسن بن علي سلام الله عليه (بمصالحة) عدو الله معاوية ابن أبي سفيان مع إعلانه أن الصراع الطويل مع الإسلام الأموي المزيف لن يبلغ إلى مرحلة الحسم النهائي إلا على أعتاب الظهور المهدوي.

إنها الرواية التي ذكرها المؤرخون نقلا عن سفيان بن أبي ليلى عند دخوله على الإمام الحسن بن عي ع: فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام يا سفيان، ونزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟ قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين! فقال: لم جرى هذا منك إلينا؟ قلت: أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الامر إلى اللعين ابن آكلة الاكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، فقد جمع الله عليك أمر الناس فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: “لا تذهب الليالي والايام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الارض ناصر” وأنه لمعاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره ثم أذن المؤذن، فقمنا على حالب نحلب ناقته، فتناول الإناء، فشرب قائما، ثم سقاني، وخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟ قلت حبكم والذى بعث محمدا بالهدى ودين الحق! قال: فابشر يا سفيان، فانى سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتى كهاتين، يعنى السبابتين أو كهاتين يعنى السبابة والوسطى إحداهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان، فإن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله.

لو تأمل الباحثون في الرواية المنقولة عن الإمام الحسن بن علي ع والشارحة للموقف المفصلي الذي عاشه الإمام، موقف التحول من الصدام نحو التهدئة لأدركوا ووعوا أن الحديث عن صراع طويل وممتد سيبقى مستمرا دون حسم نهائي حتى لحظة الظهور المهدوي وتحقق الوعد الإلهي بالانتصار النهائي للحق على الباطل (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)[4].

إرجاء الحسم النهائي لا يعني بحال تخليا كاملا عن مواجهة الباطل ورموزه وإلا لقعد الإمام الحسين في بيته ولم يحرك ساكنا وهو إمام الحق المنصوب من الله تبارك وتعالى بعد الإمام الحسن ورغم علمه اليقيني المسبق أنه متوجه نحو الشهادة هو وأهل بيته.

إرجاء الحسم النهائي يعني أن ثمة صراعا قائما بين الحق والباطل يمكن أن يحقق فيه أهل الحق بعض الانتصارات ويمكن أن تكون فيه انكسارات وهذا معنى (دفع الله الناس بعضهم ببعض).

إرجاء الحسم النهائي لا يعني بحال (طوبى للجالسين في بيوتهم المستمتعين بأكلهم وشربهم وأسفارهم، المصلتين ألسنتهم على العاملين المجاهدين، المفتشين عن عيوبهم ومثالبهم، المتصيدين لأخطائهم) كما قال ذلك السفيه الأحمق الذي أعلن إدانته للمختار الثقفي وتوقف عن إدانة زيد الشهيد، رضوان الله عليه ولا رضي الله على ذلك السفيه وعلى كل سفيه!!.

إرجاء الحسم النهائي لا يعني بحال تسريح العلماء والمجاهدين أو تخلية سبيلهم كي يتفرغوا لأكلهم وشربهم ونكاحهم وأسفارهم بل يعني التهيئة والإعداد والجهاد تقريبا ليوم الفصل الموعود (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)[5] هود 103-104.

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)[6].

لو تأملنا ايضا في وصف الإمام الصادق عليه السلام لثورة زيد الشهيد رضوان الله عليه عن عيص بن القاسم قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم فو الله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون؟؟ ولا تقولوا خرج زيد فإن زيدا كان عالما صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا إلى أي شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم و ليس معه أحد و هو إذا كانت الرايات و الألوية أجدر ألا يسمع منا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه فو الله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه…) الكافي.

المعنى أن الإمام الصادق عليه السلام لم يحرم مطلق الخروج على الجبابرة وإنما دعا شيعة أهل البيت للتأمل والنظر ودراسة حيثيات الخروج لدفع المجرمين وأعطى نموذجا للمبرر المقبول هو النهوض في وجه القاسطين الظلمة ونقض بنيانهم وفضح دعاواهم الفاسدة.

هكذا كان زيد بن علي بن الحسين عالما صدوقا واعيا للأخطار المحيطة بالإسلام والتي يشكلها بقاء النهج الأموي الضال المضل دون مقاومة مدركا لعواقب وآثار خروجه ومجابهته للظلم، ملتزما بخطته متمثلا بقول الشاعر:

منخرق الخفين يشكو الوجى        تنكبه أطراف مرد حداد

شرده الخوف و أزرى به             كذلك من يكره حر الجلادِ

قد كان في الموت راحة له   و الموت حتم في رقاب العبادِ

وفي تقديري أن الباحث في تاريخ الثورات التي قام بها سادات أهل بيت النبوة يحتاج لتحرير المصطلح واستخدام مصطلح خروج الدفع بدلا من مطلق كلمة الخروج التي تلتبس بمعنى التمرد على (سلطة شرعية) في حين أن هكذا نهوض هو أداء لتكليف الدفع وإجهاض الخطط الإجرامية ومنعها من إكمال حلقاتها التآمرية على أهل الحق المتمثلين دوما بأهل بيت النبوة وشيعتهم الأبرار.

لا يختلف الأمر ذاته عن الملابسات التي صاحبت ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الملقب بالنفس الزكية المستشهد عند أحجار الزيت ولا يقلل من شأنه ولا شأن ثورته المدافعة عن الأمة ضد الظلم ما نقل عن الإمام الصادق عليه السلام من أقوال مبصرة له ومن حوله بمآل هذا الحراك واستمرار السلطة العباسية الجائرة والمتجبرة في موقعها فالقاعدة الحاكمة التي نحن عليها: أن تأخر الحسم النهائي في الصراع الطويل والممتد بين الحق والباطل لا يعني بطلان عمل هؤلاء المجاهدين العظام ولا عدم جدواه.

فارق جوهري بين هؤلاء المجاهدين على بصيرة ورؤية واضحة وأولئك المختبطين المتحيرين في الأرض من (الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[7] الكهف 103-104.

تضافرت الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام والتي تنبع كلها من مشكاة النبوة الصافية على مدح النفس الزكية والإشادة به وإطراء دوره كونه واحدا من أباة الضيم الذين أسهموا في إعلاء كلمة الحق ورفع راية الإسلام المحمدي العلوي، إسلام الطاهرين والأنقياء من آل محمد.

روى أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين:

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن. قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن موسى، قال: حدثني أبي: أن جماعة من علماء أهل المدينة أتوا علي بن الحسن، فذكروا له هذا الأمر. فقال: محمد بن عبد الله أولى بهذا مني، فذكر حديثاً طويلاً، قال: ثم أوقفني على أحجار الزيت فقال: هاهنا تقتل النفس الزكية. قال: فرأيناه في ذلك الموضع الذي أشار إليه مقتولاً. رضوان الله عليه وسلامه.

أخبرنا علي بن العباس، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا يحيى بن يعلى عن عمر بن موسى عن محمد بن علي عن آبائه، قال: النفس الزكية من ولد الحسن.

أخبرنا عمر بن عبد الله، قال: أخبرنا عمر بن شبة، قال: حدثني عيسى بن عبد الله، قال: حدثتني أمي أم الحسين بنت عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين. قالت: قلت لعمي جعفر بن محمد: إني -فديتك- ما أمر محمد هذا؟ قال: يقتل محمد عند بيت رومي، ويقتل أخوه لأمه وأبيه بالعراق وحوافر فرسه في الماء.

أخبرني عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن الحسن زبالة، عن الحسين بن زيد، عن مسلم بن بشار، قال: كنت مع محمد بن عبد الله عند غنائم خشرم فقال لي: هاهنا تقتل النفس الزكية. قال: فقتل هناك.

حدثني علي بن العباس، قال: أنبأنا بكار بن أحمد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني حماد بن يعلى، قال: قلت لعلي بن عمر بن علي بن الحسين: أمتع الله بك، أسمعت جعفراً يذكر في محمد وإبراهيم شيئاً؟.

قال: سمعته حين أمره أبو جعفر أن يسير إلى الربذة، فقال: يا علي بنفسي أنت سر معي، فسرت معه إلى الربذة، فدخل على أبي جعفر، وقمت أنتظره، فخرج علي جعفر وعيناه تذرفان، فقال لي: يا علي، ما لقيت من ابن الخبيثة، والله لا أمضى، ثم قال: رحم الله ابني هند إنهما إن كانا لصابرين كريمين، والله لقد مضيا ولم يصبهما دنس.

قال: وقال غيره إنه قال: فما آسى على شيء إلى على تركي إياهما لم أخرج معهما.

حدثنا علي بن العباس، قال: أنبأنا بكار بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن سليمان بن نهيك، قال: كان موسى، وعبد الله ابنا جعفر، عند محمد بن عبد الله، فأتاه جعفر فسلم، ثم قال: تحب أن يصطلم أهل بيتك؟ قال: ما أحب ذلك. قال: فإن رأيت أن تأذن لي فإنك تعرف علتي. قال: قد أذنت لك. ثم التفت محمد بعدما مضى جعفر، إلى موسى، وعبد الله ابني جعفر فقال: الحقا بأبيكما فقد أذنت لكما، فانصرفا. فالتفت جعفر فقال: ما لكما؟ قال: قد أذن لنا. فقال جعفر: إرجعا فما كنت بالذي أبخل بنفسي وبكما عنه، فرجعا فشهدا محمداً.

كما يروي أبو الفرج لما أحاطت عساكر عيسى ابن موسى بمحمد بن عبد الله وهو بالمدينة، قيل له: انج بنفسك، فإن لك خيلا مضمرة ونجائب سابقة، فاقعد عليها، والتحق بمكة أو باليمن. قال: إنى إذا لعبد! وخرج إلى الحرب يباشرها بنفسه وبمواليه، فلما أمسى تلك الليلة وأيقن بالقتل، أشير عليه بالاستتار، فقال: إذن يستعرض عيسى أهل المدينة بالسيف، فيكون لهم يوم كيوم الحرة، لا والله لا أحفظ نفسي بهلاك أهل المدينة، بل أجعل دمى دون دمائهم. فبذل له عيسى الامان على نفسه وأهله وأمواله، فأبى ونهد إلى الناس بسيفه، لا يقاربه أحد إلا قتله، لا والله ما يبقى شيئا وإن أشبه خلق الله به فيما ذكر هو حمزة بن عبد المطلب. ورُمى بالسهام ودهمته الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، وتحاماه الناس فوجد الموت، فتحامل على سيفه فكسره وروى أبو الفرج الاصفهانى في مقاتل الطالبيين أن محمدا عليه السلام، قال لأخته ذلك اليوم: إنى في هذا اليوم على قتال هؤلاء، فإن زالت الشمس وأمطرت السماء فإنى مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإنى أظفر بالقوم فأججي التنانير، وهيئى هذه الكتب يعنى كتب البيعة الواردة عليه من الآفاق فإن زالت الشمس ، ومطرت السماء فاطرحي الكتب في التنانير ، فإن قدرتم على بدنى فخذوه، وإن لم تقدروا على رأسي فخذوا سائر بدنى، فأتوا به ظلة بنى بلية على مقدار أربعة أذرع أو خمسة منها، فاحفروا لى حفيرة، وادفنوني فيها. فمطرت السماء وقت الزوال وقتل محمد عليه السلام، وكان عندهم مشهورا أن آية قتل النفس الزكية أن يسيل دم بالمدينة حتى يدخل بيت عاتكة، فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل ذلك البيت! فأمطرت السماء ذلك اليوم وسال الدم بالمطر حتى دخل بيت عاتكة وأخذ جسده، فحفر له حفيرة في الموضع الذى حده لهم، فوقعوا على صخرة فأخرجوها، فإذا فيها مكتوب: (هذا قبر الحسن بن على بن أبى طالب عليه السلام) فقالت زينب أخت محمد عليه السلام: رحم الله أخى، كان أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع.

لم يكن خروج الأخوين الشهيدين محمد وإبراهيم إبنا عبد الله بن الحسن بن الحسن في مواجهة مشروع الطغيان الأموي أولا ثم إباءهما الخضوع والخنوع للعباسيين ورثة نهج الإنحطاط الإجرامي لمجرد طلب السلطة كما قد يتوهم البعض بل رفضا للظلم وتكريسا لذات المبادئ والقيم التي ضحى من أجلها شهداء أهل بيت النبوة، علي بن أبي طالب والحسن بن علي والحسين السبط ومن سار على دربهم من العظماء مثل زيد بن علي والحسن شهيد فخ وغيرهم من شهداء الحق والحقيقة.

الاكتفاء بسرد تحذير الإمام الصادق عليه السلام لآل الحسن بن علي من التحالف مع العباسيين أهل الخسة والغدر دون سرد بقية الظروف والملابسات ومن ضمنها مشاركة الإمام موسى الكاظم سلام الله عليه في ثورة دفع الظلم والإجرام العباسي بإذن الإمام الصادق عليه السلام وبدفع منه، لا يحقق لنا الفهم المطلوب لطبيعة هذا الحراك ثم تطوره بعد ذلك وكأن العباسيين كانوا يدافعون عن حقهم ووجودهم في مواجهة بعض المتمردين من طلاب السلطة.

يبدو هذا المنطق واضحا من خلال كلمات محمد بن عبد الله النفس الزكية التي قالها عندما أيقن بالقتل (فلما أمسى تلك الليلة وأيقن بالقتل أشير عليه بالاستتار فقال إذن يستعرض عيسى أهل المدينة بالسيف، فيكون لهم يوم كيوم الحرة، لا والله لا أحفظ نفسي بهلاك أهل المدينة، بل أجعل دمى دون دمائهم. فبذل له عيسى الامان على نفسه وأهله وأمواله، فأبى ونهد إلى الناس بسيفه، لا يقاربه أحد إلا قتله).
لو كان الأمر يتعلق بالسلطة التي لو نالها العباسيون لرضوا بها وبسطوا الأمان في الأرض فلماذا فعلوا ما فعلوا من ظلم وإجرام بآل الحسن بن علي.

جرائم العباسيين في حق أهل البيت

قال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني: قال: حدثنا الحسين بن زيد. وقد دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين، قال: إني لواقف بين القبر والمنبر، إذ رأيت بني الحسن يخرج بهم من دار مروان، مع أبي الأزهر يراد بهم الربذة فأرسل إلي جعفر بن محمد فقال: ما وراءك؟. قلت: رأيت بني الحسن يخرج بهم في محامل. فقال: اجلس. فجلست. قال: فدعا غلاماً له، ثم دعا ربه كثيراً، ثم قال لغلامه: اذهب فإذا حملوا فأت فأخبرني. قال: فأتاه الرسول فقال: قد أقبل بهم. فقام جعفر فوقف وراء ستر شعر أبيض من ورائه، فطلع بعبد الله بن الحسن، وإبراهيم بن الحسن، وجميع أهلهم، كل واحد منهم معادله مسود (يرتدي ثيابا سودا شعار العباسيين)، فلما نظر إليهم جعفر بن محمد هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا أبا عبد الله، والله لا تحفظ لله حرمة بعد هذا والله ما وفت الأنصار، ولا أبناء الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أعطوه من البيعة على العقبة. ثم قال جعفر: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “خذ عليهم البيعة بالعقبة” فقال: كيف آخذ عليهم؟ قال: خذ عليهم يبايعون الله ورسوله. قال ابن الجعد في حديثه: على أن يطاع الله فلا يعصى. وقال الآخرون: على أن تمنعوا رسول الله وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم. قال: فوالله ما وفوا له حتى خرج من بين أظهرهم، ثم لا أحد يمنع يد لامس، اللهم فاشدد وطأتك على الأنصار.

أخبرني عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني عثمان بن المنذر، قال: لما أن خرج ببني الحسن قام ابن حصين فقال: ألا رجل أو رجلان يعاقداني على هؤلاء القوم؟ فوالله لأقطعن بهم الطريق، فلم يجبه أحد.

وعن محمد بن هاشم بن البريد مولى معاوية، قال: كنت بالربذة فأتى ببني الحسن مغلولين، معهم العثماني كأنه خلق من فضة، فأقعدوا، فلم يلبثوا أن خرج رجل من عند أبي جعفر المنصور فقال: أين محمد بن عبد الله العثماني؟ فقام فدخل فلم نلبث أن سمعنا وقع السياط. قال: فأخرج كأنه زنجي قد غيرت السياط لونه، وأسالت دمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت وأقعد إلى جنب أخيه عبد الله بن الحسن فعطش فاستسقى. فقال عبد الله بن الحسن: من يسقي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء؟ فتحاماه الناس وجاءه خراساني بماء فسلمه إليه فشرب، ثم لبث هنيهة فخرج أبو جعفر في محمل، والربيع معادله. فقال عبد الله بن الحسن: يا أبا جعفر، والله ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر. فأخسأه أبو جعفر وثقل عليه ومضى ولم يعرج.

أخبرني عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني عيسى، قال: حدثني مسكين بن عمرو، قال: قال أبو جعفر له: أليس ابنتك التي تختضب للزناء؟!.

قال: لو عرفتها علمت أنها كما تسرك من نساء قومك. قال: يا ابن الفاعلة.

قال: يا أبا جعفر أي نساء الجنة تزني؟ أفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم فاطمة بنت الحسين؟ أم خديجة بنت خويلد؟. قال: فضربه ثم شخص به.

أخبرني عمر بن عبد الله قال حدثنا أبو بكر -يريد عمر بن شبة-، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: أراد أبو جعفر أن يغيظ عبد الله بن الحسن، فضرب العثماني، وجعل بعيره أمام بعير عبد الله، فكان إذا رأى ظهره وأثر السياط فيه يجزع.

حدثني موسى بن سعيد، عن أبيه، قال: لما ضرب محمد العثماني لصق رداؤه بظهره فجف، فأرادوا أن يخلصوه، فصاح عبد الله بن الحسن: لا، ثم دعا بزيت فأمر به فطلى به الرداء، ثم سلوه سلاً.

حدثني سليمان بن داود بن الحسن، قال: ما رأيت عبد الله جزع من شيء إلا يوماً واحداً فإن بعير محمد بن عبد الله انبعث به وهو غافل لم يتأهب له، وفي رجليه سلسلة، وفي عنقه زمارة، فهوى وعلقت الزمارة بالمحمل، فرأيته منوطاً بعنقه يضطرب، ورأيت “عبد الله بن حسن” جزع وبكى بكاء شديداً.

حدثني عيسى بن زيد، قال: حدثني صاحب محمد بن عبد الله: أن محمداً، وإبراهيم كانا يأتيان أباهما معتمين في هيئة الأعراب، فيستأذنانه في الخروج، فيقول: لا تعجلا حتى تملكا، ويقول: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.

أخبرني عمر، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني موسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: لما صرنا بالربذة أرسل أبو جعفر إلى أبي: “أن” أرسل إلي أحدكم، واعلم أنه غير عائد إليك أبداً. قال: فابتدره بنو أخيه يعرضون عليه أنفسهم فجزاهم خيراً، وقال: أنا أكره أن أفجعهم بكم، ولكن اذهب أنت يا موسى.

قال: فذهبت وأنا يومئذ حديث السن، فلما نظر إلي قال: لا أنعم الله بك عيناً، السياط يا غلام، فضربت والله حتى غشي علي، قال: فما أدري بالضرب، قال: فرفعت السياط واستقربني فقربت منه، فقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني فأفرغته عليك منه سجلاً لم أستطع رده، ومن ورائه والله الموت أو تفتدى به. قلت: يا أمير المؤمنين، والله ما لي ذنب، وإني لمنعزل من هذا. قال: فانطلق فأتني بأخويك.

قال: تبعثني إلى رياح فيضع علي العيون والرصد، فلا أسلك طريقاً إلا اتبعني له رسول، ويعلم ذلك أخواي فيهربان مني. فكتب إلى رياح لا سلطان لك على موسى. وأرسل معي حرساً أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري.

حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثني موسى، قال: أرسل أبي إلى أبي جعفر: إني كاتب إلى محمد، وإبراهيم، فأرسل موسى عسى أن يلقاهما، وكتب إليهما أن يأتياه، وقال لي أبلغهما عني فلا يأتيا أبداً، وإنما أراد أن يفلتني من يده، وكان أرق الناس علي، وكنت أصغر ولد هند، وأرسل إليهما:

يا بني، أمية إني عنكما غان * وما الغنى غير أني مرعش فان

يا بني أمية إلا ترحما كبري * فإنما أنتما والثكل مثلان

أخبرني عمر، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الله بن راشد بن بريد، قال: سمعت الجراح بن عمر، وغيره، يقولون: لما قدم بعبد الله بن الحسن وأهله مقيدين، وأشرف بهم على النجف، قال لأصحابه: أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية؟ قال: فلقيه ابنا أخي الحسن، وعلي مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك بابن رسول الله، فمرنا بالذي تريد. قال: قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا.

أخبرني عمر، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حبسهم أبو جعفر في قصر لابن هبيرة في شرقي الكوفة مما يلي بغداد.

أخبرني عمر، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدثني إسحاق بن عيسى، عن أبيه، قال: أرسل إلي عبد الله بن الحسن، وهو محبوس فاستأذنت أبا جعفر في ذلك، فأذن لي، فلقيته فاستسقاني ماء بارداً، فأرسلت إلى منزلي فأتى بقلة فيها ماء وثلج فإنه ليشرب إذ دخل أبو الأزهر فأبصره يشرب القلة، وهي على فيه، فضرب القلة برجله، فألقى ثنييه، فأخبرت أبا جعفر فقال: إله عن هذا يا أبا العباس.

أخبرني عمر بن عبد الله قال حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عيسى -يعني ابن عبد الله- قال: حدثنا عبد الله بن عمران، قال حدثني أبو الأزهر، قال: قال لي عبد الله بن الحسن: أبغي حجاماً، فقد احتجت إليه، فاستأذنت أمير المؤمنين في ذلك فقال: يأتيه حجام مجيد.

أخبرني عمر، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني الفضل بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي، قال: مات ميت من آل الحسن، وهم بالهاشمية محبوسون، فأخرج عبد الله بن الحسن يوسف في قيوده ليصلي عليه.

أخبرني عمر، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عيسى، قال: حدثني مسكين ابن عمرو، قال: ضرب أبو جعفر عنق العثماني، ثم بعث برأسه إلى خراسان، وبعث معه بقوم يحلفون أنه محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرني عمر، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عيسى، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمران بن أبي فروة، قال:

كنا نأتي أبا الأزهر بالهاشمية، أنا والشعباني، وكان أبو جعفر يكتب إليه “من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي الأزهر ومولاه”، ويكتب إليه أبو الأزهر: “إلى أبي جعفر من أبي الأزهر عبده” فلما كان ذات يوم، ونحن عنده، وكان أبو جعفر قد ترك له ثلاثة أيام لا يبور بها، وكنا نخلو معه في تلك الأيام، فأتاه كتاب من أبي جعفر، فقرأه، ودخل إلى بني الحسن، وهم محبوسون، فتناولت الكتاب فقرأته فإذا فيه: “انظر يا أبا الأزهر ما أمرتك به في أمر مذلة فأنفذه وعجله”. قال: وقرأ الشعباني الكتاب فقال: تدري من مذله؟ قلت: لا والله. قال: هو والله عبد الله بن الحسن، فانظر ما هو صانع، فلم يلبث أن جاء أبو الأزهر، فجلس، فقال: والله قد هلك عبد الله بن الحسن، ثم لبث قليلاً، ثم دخل وخرج مكتئباً فقال: أخبرني عن علي بن الحسن أي رجل هو؟ قال: قلت: أمصدق أنا عندك؟ قال: وفوق ذلك. قلت: هو والله خير من تظله هذه، وتقله هذه! قال: فقد -والله- ذهب.

أخبرني عمر، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: سمعت مولى لبني دارم يقول: قلت لبشير الرحال: ما يسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟.

قال: إنه أرسل إلي بعد أخذه عبد الله، فأتيته، فأمرني يوماً بدخول بيت، فدخلته فإذا بعبد الله بن الحسن مقتول، فسقطت مغشياً علي، فلما أفقت أعطيت الله عهداً لا يختلف في أمر سيفان إلا كنت مع الذي عليه منهما.

وذكر محمد بن علي بن حمزة أنه سمع من يذكر أن يعقوب، وإسحاق، ومحمداً، وإبراهيم بني الحسن قتلوا في الحبس بضروب من القتل، وأن إبراهيم بن الحسن دفن حياً، وطرح على عبد الله بن الحسن بيت، رضوان الله عليهم.

وقال إبراهيم بن عبد الله -فيما أخبرني عمر بن عبد الله العتكي، عن أبيه، عن أبي زيد، عن المدائني -يرثي أباه، وأهله، وحملهم، وحبسهم:

ما ذكرك الدمنة القفار وأه * ل الدار ما نأوا عنك أو قربوا

إلا سفاهاً وقد تفرعك ال * شيب بلون كأنه العطب

ومر خمسون من سنك كما * عد لك الحاسبون إذ حسبوا

فعد ذكر الشباب لست له * ولا إليك الشباب ينقلب

إني عرتني الهموم واحتضر ال * هم وسادي والقلب منشعب

واسترخ الناس للشفاء وخلف * ت لدهر بظهره حدب

اعوج استعدت اللئام به * ويحنو به الكرام إن شربوا

نفسي فدت شيبة هناك وظن * بوباً به من قيودهم ندب

والسادة الغر من ذويه فما * روقب فيهم آل ولا نسب

يا حلق القيد ما تضمنت من * حلم وبر يزينه حسب

وأمهات من الفواطم أخ * لصتك بيض عقايل عرب

كيف اعتذاري إلى الإله ولم * يشهر فيك المأثور القضب

ولم أقد غارة ململمة * فيها بنات الصريح تنتحب

والسابقات الجياد والأسل ال * سمر وفيها أسنة ذرب

حتى توفي بني ثبيلة بال * قسط بكيل الصاع الذي اختلبوا

بالقتل قتلاً وبالأسير الذي * في القد أسرى مصفودة سلب

أصبح آل الرسول أحمد في ال * ناس كذي عرة به جرب

بؤساً لهم ما جنت أكفهم * وأي حبل من أمة قضبوا

وأي عهد خانوا الإله به * شد بميثاق عقده الكذب

البعد السياسي لثورة النفس الزكية

تحرك محمد بن عبد الله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة وعليه قلنسوة صفراء وعمامة متوشحا سيفا ثم دخل المسجد قبل الفجر فصعد المنبر ثم خطب الناس قائلا (أما بعد أيها الناس فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندا لله في ملكه وتصغيرا للكعبة الحرام وإنما أخذ الله فرعون حين قال (أنا ربكم الأعلى) وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين، اللهم فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا أيها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة ولكني اخترتكم لنفسي والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة)[8].

قال الطبري (لم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس إلا نفر منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير) أما مالك بن انس فاستفتاه الناس في الخروج مع محمد النفس الزكية وقيل له إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر فقال إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته.

كما روى ابن جرير الطبري (لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهور محمد بن عبد الله بالمدينة كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم* إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)[9]، ولك علي عهد الله وميثاقه وذمته وذمة ورسوله صلى الله عليه وسلم إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم وأسوغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل معك في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا فإن أدرت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك الأمان والعهد والميثاق ما تثق به).

فكتب إليه محمد بن عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد: (طسم* تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)[10] وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي عرضت علي فإن الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وإن أبانا عليا كان الوصي وكان الإمام فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل وإنا بنو أم رسول صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهلية وبنو ابنته فاطمة في الإسلام دونكم إن الله اختارنا واختار لنا فوالدنا من النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن السلف أولهم إسلاما علي ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وإن هاشما ولد عليا مرتين وإن عبد المطلب ولد حسنا مرتين وإن رسول الله صلى الله عليه وآله ولدني مرتين من قبل حسن وحسين وإني أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أبا ولك الله علي إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد فقد علمت ما يلزمك من ذلك وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعد لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالا قبلي فأي الأمانات تعطيني أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن علي أم أمان أبي مسلم).

البعد الاجتماعي لثورة النفس الزكية

اشتهر أبو جعفر بلقب أبي الدوانيق أو المنصور الدوانيقي والدوانيق هي المليمات حيث أن الرجل كان شغوفا بجمع المال وكان مقترا على جنده حتى أن عمه المتمرد عبد الله بن علي رد على استشارته بالقول (إن البخل قد قتل ابن سلامة فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد فان غلب فما أوشك ما يعود إليه ماله وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم) ناهيك عن محاسبته لأبي مسلم الخراساني محاسبة دقيقة على الأموال دون أن تتطرق هذه المحاسبة إلى الدماء حتى أن أبا مسلم صاح في وجه المدقق المالي لأبي الدوانيق (أمين على الدماء خائن في الأموال!؟).

أي أنه لا بأس بقتل الآلاف من البشر من دون حساب.. هذا الحساب الذي ينبغي أن يبقى قاصرا على مال المسلمين الذي أصبح ماله الخاص كما تكشف نصيحة عمه عبد الله له ومن هنا فالثورة المضادة للحكم العباسي الدموي لم تكن لأسباب عقائدية محضة فهناك أسباب أخرى جوهرية تتعلق بالعدل الاجتماعي المفقود وتفشي الظلم والتعامل مع البشر بنفس المنطق الأموي البغيض الذي ثار الناس من قبل رفضا له ولذا فلا تعجب عندما يروي الأصفهاني (أن إبراهيم وجد في بيت المال ألفي ألف درهم فقوى بها وفرض الفروض خمسينَ خمسين لكل رجل فكان الناس يقولون: خمسون والجنة) أي أن الناس لم يصدقوا أنهم قد تملكوا خمسين درهما من تلك الأموال المكدسة في بيت المال بينما هم يعانون الغلاء وشظف العيش وها هو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يأتي محاولا إعادة التوازن إلى هذا النظام الاجتماعي المختل الذي يراه البعض إلى يومنا هذا زمن النهضة الإسلامية وهو ما يدل على غياب أي رؤية أو قراءة واعية للتاريخ الإسلامي الذي أفرز لنا هذا الواقع الفاسد والمختل.

واقرءوا معي تلك الرواية الواردة أيضا في مقاتل الطالبيين التي تظهر أن إبراهيم ابن عبد الله كان من دعاة العدل الاجتماعي في إطاره الإسلامي الحقيقي بعيدا عن الدعاية والدجل والتزييف قال أبو الفرج (حدثني أبو سلمة ابن النجار – وكان من أصحاب إبراهيم – قال كنا عنده بالبصرة إذ أتاه قوم من الدهجرانية (أصحاب الضياع) فقالوا يا ابن رسول الله إنا قوم لسنا من العرب وليس لأحد علينا عقد ولا ولاء وقد أتيناك بمال فاستعن به فقال من كان عنده مال فليعن به أخاه فأما أن آخذه فلا ثم قال هل هي إلا سيرة علي بن أبي طالب أو النار).

كان هذا عرضا مجملا لثورة النفس الزكية تلك الثورة التي أظهرت الوجه الدموي الإرهابي للعباسيين أدعياء الانتماء لأهل البيت.

تلك الثورات التي حالت بين الطغاة وبين تثبيت عروشهم من دون مانع ولا دافع.

استمر الطغاة في الحكم حتى حين وبقي الشهداء منارات تضيء للأمة دربها وتحضها على النهوض في مواجهة السفاحين وكل من كان على شاكلة أبي الدوانيق وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الأنفال (8).

دكتور أحمد راسم النفيس

المنصورة مصر

‏13‏/12‏/2013

 

 

 

[1] البقرة 251.

[2] الحج 39-40.

[3] البقرة 216.

[4] سبأ 18.

[5] هود 103-104

[6] الأنفال 60.

[7] الكهف 103-104.

[8] الطبري ج 7 ص 558.

[9] المائدة 33-34.

[10] القصص 1-6.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق