مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الناشر صلاح الدين!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الناشر صلاح الدين!!

 

نقلا عن جريدة القاهرة بتاريخ 16-12-2008

 

ذهبت إلى السيد (الناشر صلاح الدين) الواحدة ظهرا بناء على موعد سابق من أجل مناقشته حول كتابي (علي بن أبي طالب مفسرا للقرآن) فوجدت الرجل مشغولا بمواعيد أخرى على طريقة المَضيفة المصرية الأصيلة حيث يجلس الجميع على طبلية واحدة فيتداخل النقاش بينهم فيدلي أي من الجالسين برأيه فيما لا يعنيه تاركا ما يعنيه ثم ينفض السامر دون الاتفاق على شيء.

في تلك الأثناء وصل أحد كبار خبراء الطيران وأخذ يحكي حدوتة الطائرة المصرية البوينج التي سقطت أوائل هذا القرن في مياه المحيط الأطلسي حيث كان الرجل مشاركا في التحقيقات التي انتهت بتوجيه الاتهام لمجهول والواقع أن هذه كانت الفائدة الوحيدة لهذه الزيارة التي كلفتني يوما كاملا في مدينة القاهرة الكئيبة الساحرة.

أما عن سبب اجتماع خلطة البوينج وعلي ابن أبي طالب وتفسير القرآن فهو أن الناشر صلاح الدين قرر أن يجري تحقيقا مستقلا على حسابه الخاص في أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالتعاون مع أحد الإخوة من عباقرة الهندسة والسياسة والدين والطيران (الكل في واحد) الذي قام بإعداد قرص مدمج عليه مجموعة من التصريحات التي تناقض الرواية الرسمية التي قدمتها الإدارة الأمريكية لهذه الواقعة!!.

الطريف في الأمر المسألة أن خبير الطيران الأصلي كان يتحدث بأسلوب تقني رفيع ويبحث عن تفسير فني دقيق لكل جزء من أجزاء الحدث المتعلق بطائرة واحدة فقط لا غير في حين كان صاحبنا مبهورا بالسي دي وصانعه الدكتور صلاح الدين وكلما قدم السي دي استنتاجا أو قرينة باعتبارها حقيقة جازمة كان خبير الطيران يرد قائلا: نحتاج إلى المعطيات الأصلية كاملة لنجيب على هذا السؤال.

ولما كان الناشر صلاح الدين والدكتور صلاح الدين لا يملكان أي معطيات عدا بعض التصريحات كان خبير الطيران يهز رأسه في كل مرة مندهشا ومتعجبا!!.

مرت أربعة ساعات ونحن نوالي التحقيقات وأخيرا وصلنا في الوقت بدل الضائع إلى بيت القصيد وهو كتاب (علي بن أبي طالب مفسرا للقرآن)!!.

س: لماذا تهاجم زغلول النجار؟!.

ج: نحن لم نذكر اسم زغلول النجار من الأساس!!.

س: ولكنك انتقدت الإعجاز العلمي في القرآن وأنا من يصدر كتب الإعجاز العلمي في القرآن لزغلول النجار؟!.

ج: أنا حتى لم أنتقد ما تسميه بالإعجاز العلمي ولكني نقلت رأي العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان في هذا الشأن وهو يقول: (بالتأمل في هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد أن الجميع مشترك في نقص و بئس النقص وهو تحميل ما أنتجته الأبحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات، فتبدل به التفسير تطبيقا وسمي به التطبيق تفسيرا، وصارت بذلك حقائق القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات. ولازم ذلك أن يكون القرآن الذي يعرف  نفسه بأنه هدى للعالمين ونور مبين وتبيانا لكل شيء مهديا إليه بغيره ومستنيرا بغيره ومبينا بغيره، فما هذا الغير؟! وما شأنه؟! وبماذا يهدي إليه؟! وما هو المرجع و الملجأ إذا اختلف فيه! وقد اختلف واشتد الخلاف). سألته: ما هي التعديلات المطلوبة أيضا؟!.

قال: لا تتعرض للقرضاوي ولا ابن تيميه ولا أي ابن ولا أب ولا والد ولا ما ولد!!.

قلت: نحن لم نتعرض للقرضاوي ولا لغيره بسوء ولكننا استعرضنا آراءه وآراء غيره في بعض القضايا وهو أمر ضروري لإيضاح المسألة المطروحة!!.

الغريب أنني لم أنتقد الشيخ القرضاوي في هذا الكتاب بل استشهدت برأيه الذي يقر فيه بأن الحكمة هي شأن مختلف عن القرآن الكريم والأحاديث حيث يقول: الحكمة هي حسن الفهم للكتب والتفقه في أحكامها بحيث يعرف مقاصدها وأسرارها ولا يقف عند ظواهرها ويعرف ما وراء أحكامها وتوجيهاتها من المنافع والمصالح الجامعة لخيري الدنيا والآخرة وسعادة الفرد والمجتمع بحيث يدفع هذا الفقه المنشود إلى حسن العمل بها ووضعها في موضعها الملائم.

ولو!!, أنت تقول قرضاوي؟! آه يا قرضاوي إنه يشتم القرضاوي!!.

قال: لا, لا تناقش رأي أحد ولا تذكر اسم أحد!! تحدث فقط عن الإمام علي وكيف فسر القرآن!! أيضا: هناك بعض الأقواس الناقصة حتى لا يتوه القارئ ولا يعرف أين انتهى النقل!!.

قلت له هذا تفصيل جزئي مترتب على كلي وهو الاتفاق من حيث المبدأ على قبولك الكتاب للطباعة أو قبولي أنا بهذه الإملاءات وساعتها نحل مشكلة الأقواس والأخطاء الكتابية وغيرها!!.

عند هذه النقطة كان الوقت الضائع والوقت بدل الضائع قد انتهى فقمت لأنصرف.

قال: ماذا ستصنع؟!.

قلت له: لن أصنع شيئا!! يعني لن نتفق!!.

ثم قمت وانصرفت وتركت الرجل ليثبت أن أمريكا هي من فجر أبراج نيويورك لتتمكن من احتلال العراق, أضف لذلك أنها طليعة الانحطاط العالمي!!.

أن تكون أمريكا طليعة الانحطاط كما قال (جارودي) فهذا يعني أن للانحطاط جسد وذيل وأنا متأكد أن هذا الذيل موجود عندنا وربما كان الجسد أيضا فضلا عن الصندوق الأسود وكل ما هو أسود!!.

أمريكا هي طليعة الانحطاط في العالم كما ينقل جارودي في كتابه لأن هناك من يتحكم في الصحافة الأمريكية وفي ما يمكن طرحه من أفكار ولأنه “ليس هناك قانون يمكن الدولة من السيطرة على الصحافة، لأنها تفرض قوانينها بنفسها، وتطبقها بصرامة أكثر مما هو مطلوب منها. لقد وصل المجتمع، ولو بشكل غير معلن إلى اتفاق يتعلق بالمواضيع التي يمكن للصحافة أن تعبر عنها، واختار ميدانها، وعقد تعاهدا مضمرا بعزل كل من يحاول خرقه، بحيث لا يتجرأ واحد من ألف أن يعبر عن شيء آخر”. ويضيف نعوم شومسكي: “من الدقة أكثر القول إن واحدا بالألف لا يستطيع أن يفكر بشيء آخر، إلى هذه الدرجة الماحقة يمارس نظام السيطرة سلطته على التفكير”.

“وفي القرن العشرين بدت هذه السيطرة أكثر وضوحا، إذ أدركت شخصيات مرموقة وباحثون كبار في العلوم السياسية وصحفيون، وعاملون في صناعة العلاقات العامة المتنامية، أنه في بلد ما حيث يمكن للشعب أن يرفع صوته، من الضروري التأكد أن هذا الشعب يقول ما يجب أن يقال وبالشكل المناسب”.

الانحطاط الأمريكي الذي يغضب الناشر صلاح الدين هو (أن واحدا بالألف لا يستطيع أن يفكر بشيء آخر، وأن النظام يسيطر على التفكير) في حين لا يبيح لك المتحضرون العرب أن تذكر أيا من تلك الذوات المقدسة ولو حتى على سبيل الاستشهاد لا على سبيل النقد!!.

الآن تقوم هذه الهيئات المقدسة, دور النشر ومؤسسات التوزيع بتطبيق تلك القوانين الصارمة وتحدد للكاتب تلك المواضيع التي يتحدث عنها ولا أحد يمكن له أن يرفع صوته ليقول رأيا مغايرا ولو كان الأمر متعلقا بمعنى الحكمة ومدلولها وهل هي قاصرة على تلك التي يسمونها كتب الصحاح أم أن الأمر أوسع وأشمل من هذا المفهوم الضيق!!.

ثم يقولون لنا أن أمريكا هي طليعة الانحطاط في العالم متغافلين عن رؤية جسد الانحطاط وذيول التخلف المتحكمة في القنطار والقطمير!!.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ملاحظة أخيرة: سيطبع الكتاب في بيروت وألف سلام وتحية لتلك التي كانت يوما ما عاصمة الثقافة في العالم العربي.

دكتور أحمد راسم النفيس

Arasem99@yahoo.com

‏29‏/11‏/2008

‏1‏ ذو الحجة‏ 1429

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى