دراسات النفيس

الراسخون في العلم في مواجهة الفتنة… فصل من كتاب (الإمام علي ع مفسرا للقرآن) دكتور أحمد راسم النفيس

الراسخون في العلم في

مواجهة الفتنة… فصل من كتاب (الإمام علي ع مفسرا للقرآن)

 

دكتور أحمد راسم النفيس

 

أصبح الآن رفع المصاحف في التظاهرات الاحتجاجية المنددة بالإساءة للإسلام أو تلك الداعية إلى تحكيم شرع الله تقليدا راسخا.

إنه التقليد الذي ابتكره عمرو بن العاص في حملته الهادفة إلى تقويض معسكر الشرعية الإسلامية بقيادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

ليس كل من رفع أو يرفع المصاحف يفعل هذا غشا وخداعا فالأصل هو افتراض حسن النوايا, إلا أن الأمر يحتاج إلى دراسة وتأمل في علاقة المسلمين بالقرآن ومدى فهمهم لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فضلا عن التزامهم بأحكامه واقتدائهم بهديه وهل يعد رفع المصاحف دليلا قاطعا على رغبة من يحملونها ومن باب أولى قدرتهم على فهم ما فيها من قيم ومضامين وأحكام أم أن الأمر يمكن اعتباره نوعا من التبسيط المخل!!.

المسلمون الآن (والحمد لله!!) لا يعانون من فقر في تلاوة القرآن وهاهي مساجدهم وفضائياتهم عامرة (بأفضل القراء) من أصحاب الأصوات الرخيمة الذين يبكون ويتباكون وتخنقهم العبرات فتنطلق الزفرات والأنات والآهات ورغم كل هذا فما زال واقعهم البائس والمتخلف يراوح مكانه ولا زال البون بينهم وبين (التي هي أقوم) شاسعا بما يقطع بأنهم لا يهتدون بهذا القرآن!!.

قراءة وقراءة!!

رغم أن شهادة الواقع هي الأبلغ والأقوى على افتقاد المسلمين لقراءة القرآن قراءة في العمق (قراءة من أحكموه) بدلا من تلك القراءة الشكلية إلا أن هذا لا يغني عن استحضار الدليل من كلام سيد المرسلين ومن كلام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

* أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال بينا نحن عند رسول الله ص وهو يقسم قسما قسما إذ أتاه ذو الخويصرة التميمي قال يا رسول الله اعدل فقال رسول الله ويلك ومن يعدل إن لم أكن أعدل فقال عمر ائذن لي فلأضرب عنقه فقال رسول الله ص دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته إلى صلاته وصيامه إلى صيامه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر أحدكم إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة يخرجون على خير فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت الحديث من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي الذي نعته.

في مقابل أولئك الذين قرأوا القرآن قراءة لا تجاوز تراقيهم ولا تؤثر في أرواحهم ولا عقولهم يقف أولئك الذين قرأوا القرآن فأحكموه أي فهموا ما فيه من مبادئ أخلاقية حاكمة وعقلوه وهم من بكى الإمام علي بن أبي طالب حزنا لفقدهم عندما استشهدوا بين يديه وقال عنهم:

أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ وَقَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؟ وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا اللِّقَاحَ أَوْلاَدَهَا وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَصَفّاً صَفّاً؟! بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْصٌ نَجَا….

لاَيُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ, وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى, مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ, خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلَى وَجُوهِهمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعيِنَ، أُولئِكَ إِخْوَاني الذَّاهِبُونَ، فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ وَنَعَضَّ الاَْيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهمْ!. خطبة 120 نهج البلاغة.

مدرستان وطريقتان يقرأ فيهما وبهما القرآن: الأولى شكل بلا مضمون والثانية قراءة الشكل والمضمون.

المدرسة الأولى ترى فيها تلك الوجوه المتوردة والجيوب الممتلئة من التكسب بكتاب الله والارتزاق بقراءة النص الإلهي بالألحان ولا بأس بشيء من الدموع والعبرات!!.

والمدرسة الثانية من قرأوا القرآن فأحكموه وعرفوا حقيقة الدنيا وحقيقة ما يريده الباري عز وجل منهم فصاروا (خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلَى وَجُوهِهمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعيِنَ).

المدرسة الأولى خرجت لنا من حملوا سيوفهم على عواتقهم يحركونها في هوى ألسنتهم أو دفاعا عن أسيادهم المستكبرين يضربون بها لا يفرقون بين البر والفاجر وبين ولي الله وعدو الله كما أنتجت لنا وعاظ السلاطين الذين أتقنوا فن الإفتاء لصالح إدامة الظلم والطغيان وهي التي أنتجت لنا تلك الحالة العشوائية التي يتقلب فيها المسلمون الآن وقبل الآن وإلى أن يعود إليهم عوازب أحلامهم.

الأزمة التي عاشها المسلمون وما زالوا يعيشون فيها ناجمة بكل تأكيد عن قراءة البعض لكتاب الله بالألحان والأهواء ولا نعني بالألحان قراءة القرآن بصوت حسن تظهر فيه روعة المعاني وبلاغة النص بل قراءته بلحن القول (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) محمد (30).

قراءة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) المائدة 13.

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة 41.

إنها قراءة صوتية لسانية تتغافل عمدا عن تلك المفاهيم الجامعة والمبادئ القرآنية الثابتة (أم الكتاب) التي تشكل ركيزة لفهم الدين باعتباره أداة لتغيير واقع الناس نحو الأفضل (التي هي أقوم) من خلال تحقيق العدل ورفض الظلم والوقوف في وجه كل أنواع الفراعنة والظلمة والمستكبرين, باسم الله لا باسم الصراع الطبقي ولا باسم الديموقراطية أو الليبرالية وغيرها من القيم الإنسانية المحدثة اتفقنا معها أم لم نتفق!!.

إنها القراءة المزيفة التي حولت القرآن من كتاب يرفع راية العدالة ورفض الانصياع والركون إلى الظلمة والقبول بالظلم ويحمل بشارة للمستضعفين بالخلاص من المستكبرين إلى صك ممنوح لهؤلاء المستكبرين لافتراس المستضعفين, ما أقاموا الصلاة وفي رواية ما بقوا على ظاهر الإسلام (إلا أن تروا كفرا بواحا ليس لكم من الله فيه سلطان)!!.

صراع المدرستين!!

الصراع داخل الإسلام كان ولا زال يدور بين مدرستين (مدرسة الذين قرأوا القرآن فأحكموه) ومدرسة قراءة القرآن بالألحان (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله).

الذين قرأوا القرآن فأحكموه (يعطفون الهوى على الهدى ويعطفون الرأي على القرآن) بينما يصر قادة الفتنة على (أن يعطفوا الهدى على الهوى والقرآن على الرأي) أو كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وصف المهدي المنتظر (يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ).

إنه وصف دقيق لواقع الحال ونهاية المآل لهذا الجدل الدائر بين فريقين: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الأعراف (30)

الجدل الدائر ليس بالضرورة جدالا مذهبيا أو فقهيا بين فريقين يفهم كل منهما النص بطريقة ما وفقا لقواعد وضعها العلماء والمفسرون بل هو بين من يريد إخضاع وتأويل النص القرآني وفقا لهواه ورغبته العارمة في الإمساك بمفاتيح السلطة والثروة وفريق آخر ينطلق من فهم محكم لكتاب الله يبدأ من أمهات المفاهيم القرآنية التي تدعو لإقامة العدل ونبذ الظلم أي أن القرآن هو نقطة البدء والانطلاق على عكس الفريق الآخر الذي يجعل النص في خدمة الهوى السياسي سواء كان هذا النص قرآنيا أو نبويا وفي هذه الحالة يتسع المجال لوضع وتلفيق الروايات ونسبتها إلى رسول الله والمهم أن يتحقق الهدف والمراد ألا وهو أكل الدنيا بالدين!!.

الآية السابعة من آل عمران

من هنا تأتي أهمية تفسير الآية السابعة من سورة آل عمران وهي الآية التي فضحت الدجل الذي يمارسه أصحاب الأهواء والرغبات الدنيوية وكشفت أفعالهم وتحايلهم على عباد الله باسم الله والله ورسوله منهم ومن أفعالهم براء إلى يوم الدين.

يقول تعالى:

(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ * رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (7- 8) آل عمران

من وجهة نظرنا, فإن مشكلة المسلمين لم تكن خلافهم حول المتشابه واتفاقهم حول المحكم بل في التفافهم حول المحكم وقراءة المتشابه بالأهواء والألحان وصولا لإقصاء المحكم أو المبادئ الدينية الحاكمة التي تفرز بالضرورة مواقف أخلاقية وسياسية حازمة في انحيازها للعدل ضد الظلم, وللاستقامة ضد الانحراف والطغيان وكانت النتيجة هي تلك النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاكمة باسم الإسلام رغم أنها (لا تَتَعَلَّقُ مِنَ الاِْسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ، وَلاَ تَعْرِفُ مِنَ الاِْيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ) والتي لبست (الإسْلاَمُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً).

الوسيلة التي استخدمها (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) والذين (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) من أجل إنجاز هذا الهدف تمثلت في إقصاء وتهميش (الراسخين في العلم) سواء أولئك الذين قرأوا القرآن فأحكموه وتمسكوا بأمهات المبادئ القرآنية (أم الكتاب) وضحوا واستشهدوا من أجل إيمانهم أو أولئك الذين كانوا على قمة جبل الرسوخ في العلم من آل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم وطهرهم تطهيرا.

إنها ببساطة سياسة الإضلال خطوة خطوة: أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ لتصبح هذه الأهواء التي اتبعت والأحكام التي ابتدعت مجاملة لهذا وإرضاء لذاك دين الله وثوابت الأمة التي لا يجرؤ أحد على المساس بها أو الاقتراب منها وإلا علا الصراخ والضجيج والعجيج على الإسلام الذي حرف والدين الذي حورب وإلى الله المشتكى (مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفُ مِنَ اَلْمُنْكَرِ) خطبة 17 نهج البلاغة.

ومن ثم فقد أمكن لهؤلاء تقديم إسلام بديل, شكل بلا مضمون وطقوس صوتية لا روح فيها ولا معنى لها ليبقى الحال على ما هو عليه ولا بشارة للمستضعفين بعد أن (أنعم) الله على المستكبرين فصاروا ملوكا لدولة الإسلام بعد أن كانوا ملوكا لدولة الكفر!!.

يقول ابن جرير الطبري في تفسيره:

الْمُحْكَمَات هُنَّ اللَّوَاتِي قَدْ أُحْكِمْنَ بِالْبَيَانِ وَالتَّفْصِيل وَأُثْبِتَتْ حُجَجهنَّ وَأَدِلَّتهنَّ عَلَى مَا جُعِلْنَ أَدِلَّة عَلَيْهِ مِنْ حَلَال وَحَرَام وَوَعْد وَوَعِيد وَثَوَاب وَعِقَاب وَأَمْر وَزَجْر وَخَبَر وَمَثَل وَعِظَة وَعِبَر وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَؤُلَاءِ الْآيَات الْمُحْكَمَات بِأَنَّهُنَّ هُنَّ أُمّ الْكِتَاب يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ أَصْل الْكِتَاب الَّذِي فِيهِ عِمَاد الدِّين وَالْفَرَائِض وَالْحُدُود , وَسَائِر مَا بِالْخَلْقِ إِلَيْهِ الْحَاجَة مِنْ أَمْر دِينهمْ , وَمَا كُلِّفُوا مِنْ الْفَرَائِض فِي عَاجِلهمْ وَآجِلهمْ . وَإِنَّمَا سَمَّاهُنَّ أُمّ الْكِتَاب, لِأَنَّهُنَّ مُعْظَم الْكِتَاب , وَمَوْضِع مَفْزَع أَهْله عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهِ.

وينقل عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله: {مِنْهُ آيَات مُحْكَمَات} قَالَ: هِيَ الثَّلَاث الْآيَات الَّتِي هَهُنَا: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ} 6 151 إِلَى ثَلَاث آيَات وَاَلَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيل {وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} 17 23 إِلَى آخِر الْآيَات.

ورغم أننا لا نقر بقصر المحكم على آيات سورة الأنعام أو آيات سورة الإسراء إلا أن تأمل ما ورد فيها من أحكام يرى فيها أمهات المبادئ القرآنية الحاكمة للسلوك الإنساني الفردي والجماعي وهو ما يدفع للتساؤل عن الطريقة التي همشت بها هذه المبادئ لصالح النهج السلطوي التلفيقي وكيف جرى استباحة أغلب هذه القيم والمبادئ باسم الدين ذاته وكأن الإسلام لا يحرم هذه الانتهاكات إلا على الأفراد أما إذا حدثت نفس هذه الجرائم من الحكام وصارت هي القانون والنظام فهي من المباحات باسم المصلحة والحفاظ على النظام العام درءا للفتنة بالفتنة (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).

 

يقول تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام (151-153).

إنها قيم العدل ورعاية الضعيف واليتيم وحماية كيان الأسرة ومحاربة الفقر ومنع الظلم والاعتداء وحرمة النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن خلال المحاكمة المنصفة العادلة أي أن الحاكم هو من يحتاج إلى إقامة الدليل على صحة حكمه بينما يقول أحد رموز الفتنة وهو القاضي ابن العربي في مرافعته عن معاوية بن أبي سفيان في كتاب (العواصم من القواصم) ما نصه:

(قد علمنا قتل حجر بن عدي كلنا فبعضنا يقول قتله ظلما وقائل يقول قتله حقا فإن قيل الأصل قتله ظلما إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله قلنا الأصل أن قتل الإمام بالحق فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل؟! ولو كان ظلما محضا لما بقي بيت إلا ولعن فيه معاوية وهذه مدينة السلام مكتوب على أبواب مساجدها “خير الناس بعد رسول الله ص أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم معاوية خال المؤمنين”) (العواصم) ص219.

فالأصل (أي الشرع والدين؟!) عند هؤلاء أن (قتل الإمام “معاوية” لمن قتل هو الحق ومن ادعى أنه الظلم فعليه الدليل) وبالتالي فقد صارت أفعال من يسميه هؤلاء الناس بالإمام هي المحكم والآيات القرآنية الحاكمة متشابهه والأمر واضح لا يحتاج إلى شرح ولا دليل!!.

أما إذا كان لا بد من دليل على عدالة الطاغية فهذه أبواب بغداد مكتوب عليها (معاوية خال المؤمنين!!) وهل يحتاج المرء بعد هذا إلى أي دليل؟!.

ألم يقرأ القوم سورة القصص ليدركوا أن الله تبارك وتعالى أرسل نبيه موسى عليه السلام لاقتلاع فرعون وهامان وجنودهما من الأرض ووضع هدفا لهذه البعثة المباركة وهو إعادة الحق للذين استضعفوا في الأرض ويرى كل طاغية متفرعن ومستبد ثمرة ظلمه في الدنيا قبل الآخرة.

(طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (1- 6) القصص.

أليست هذه الآيات من المحكمات الواضحات وهل تحتاج معرفة فرعون والفراعنة وهامان وجنودهما إلى فتوى من أي شيخ أو ممن سماه أشباه الناس عالما وليس به وهو في حقيقة الأمر لا يعدو كونه خادما من خدام فرعون وشاهد زور (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة (79).

ألا يعد ذلك الشيخ الذي أفتى بأن من حق (الإمام معاوية) أن يقتل وأن من لا يعجبه هذا القتل أن يأتي بالدليل على أنه قتل بغير حق واحدا من أولئك الذين يتبعون ما تشابه منه إدامة للفتنة وأدامة للظلم وهل هناك فتنة أبشع من هذا؟؟!!.

 

الراسخون في العلم

يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: رسوخ الشيء ثباته ثباتا متمكنا والراسخ في العلم المتحقق به الذي لا يعرضه شبهة فالراسخون في العلم هم الموصوفون بقوله تعالى (الذين آمنوا بالله ثم لم يرتابوا) وكذا قوله تعالى (لكن الراسخون في العلم) انتهى النقل..

الراسخون في العلم درجات بعضها فوق بعض, في القمة منهم أهل الذكر الذين عناهم الله تبارك وتعالى بقوله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الأنبياء 7.

وقد روى كل من الطبري والقرطبي في تفسير هذه الآية حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ قَالَ: ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح, قَالَ: ثني مُوسَى بْن عُثْمَان, عَنْ جَابِر الْجُعْفِيّ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} قَالَ عَلِيّ: نَحْنُ أَهْل الذِّكْر.

والمعنى أن أهل البيت عليهم السلام هم في القمة العالية من أهل الذكر وهم يفيضون من علمهم ومعرفتهم على كل من نهج نهجهم وسار على دربهم علما راسخا وقولا ثابتا يثبت الله به الذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

إنه المعنى الذي ذكره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عندما قال: (أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا، أَنْ رَفَعَنَا اللهُ وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ). خطبة 144 نهج البلاغة.

ولما كان أهم خصائص العلم هو انتقاله من العالم إلى المتعلم ومن الأستاذ إلى التلميذ فالراسخون في العلم يعلمون تلاميذهم علما راسخا لا تعتريه شبهة ومن هنا تتعلم الأمة كلها علما راسخا ثابتا وتواصل سيرها على بصيرة ويصبح التلاميذ هم أيضا راسخون في العلم هذه المرة من خلال اعتمادهم منهجا يقينيا وأخذهم العلم والموقف من نبع العلم الصافي الذي لا يعتريه كدر ولا يشوبه شوب.

ولذا نرى الإمام علي ينصح الأمة محذرا من دعاة الفتنة المعتمدين على آرائهم وأهوائهم فيقول:

أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاح وَاعِظ مُتَّعِظ، وَامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْن قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ. عِبَادَ اللهِ، لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلاَ تَنْقَادُوا لأهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُف هَار، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضَع، لِرَأْي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْي، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ!. خطبة 104 نهج البلاغة.

أحد أصحاب العلم الراسخ المأخوذ عن أهل الذكر الأكثر رسوخا هو عمار بن ياسر رضوان الله عليه الذي وقف كالطود الشامخ مع الإمام علي في كل مواقفه حتى لقي ربه شهيدا ويكفيه شهادة رسول الله في حقه (يا عمار تقتلك الفئة الباغية) حيث يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج 5/ 256:

عن اسماء بن حكيم الفزارى قال: كنا بصفين مع علي تحت رايه عمار بن ياسر، ارتفاع الضحى، وقد استظللنا برداء أحمر، إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا فقال أيكم عمار بن ياسر؟.

فقال عمار: أنا عمار، قال: ابو اليقظان؟ قال: نعم، قال: إن لى
اليك حاجه أفأنطق بها سرا أو علانيه؟، قال: اختر لنفسك أيهما
شئت، قال: لا بل علانيه، قال: فانطق، قال: إنى خرجت من
أهلى مستبصرا فى الحق الذى نحن عليه، لا أشك فى ضلاله
هولاء القوم، وأنهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصرا،
حتى ليلتى هذه، فإنى رأيت فى منامى مناديا تقدم فأذن وشهد أن لا اله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه(ص) ونادى بالصلاة، ونادى مناديهم مثل ذلك، ثم أقيمت الصلاه، فصلينا صلاة واحدة، وتلونا كتابا واحدا، ودعونا دعوه واحدة، فأدركني الشك فى ليلتى هذه، فبت بليلة لا يعلمها إلا اللّه، حتى أصبحت، فأتيت أمير المومنين، فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟، قلت: لا، قال: فالقه، فانظر ما يقول لك عمار فاتبعه، فجئتك لذلك. فقال عمار: تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لى، فانها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع رسول اللّه (ص)، ثلاث مرات وهذه الرابعة فما هى بخيرهن ولا أبرهن، بل هى شرهن وأفجرهن، أشهدت بدرا وأحدا ويوم حنين، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟، قال: لا، قال: فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول اللّه(ص)، يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين وإن مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب فهل ترى هذا العسكر ومن فيه؟ واللّه لوددت أن جميع من فيه ممن أقبل مع معاويه يريد قتالنا، مفارقا للذى نحن عليه كانوا خلقا واحدا، فقطعته وذبحته، واللّه لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراما؟، قال: لا بل حلال، قال: فانهم حلال كذلك، أترانى بينت لك؟، قال: قد بينت لى، قال: فاختر أي ذلك أحببت.

فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال: أما إنهم سيضربونكم بأسيافكم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولوا: لو لم يكونوا
على حق ما ظهروا علينا، واللّه ما هم من الحق ما يقذى عين
ذبابة، واللّه لو ضربونا باسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر،
لعلمنا انا على حق وأنهم على باطل.

والمعنى أن الإمام علي وهو الأكثر رسوخا في العلم أحال السائل على عمار بن ياسر صاحب العلم الراسخ واليقين الأكثر رسوخا في صحة موقفه أيا كانت النتائج التي ستنتهي بها جولة الصراع الدائرة والتي لا يمكن لها أن تغير من حقيقة الأشياء.

لقد كان عمار بن ياسر واحدا ممن عناهم الرسول صلى الله عليه وآله في الحديث الذي رواه ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن سَهْل الرَّمْلِيّ, قَالَ: ثنا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه, قَالَ: ثنا فَيَّاض بْن مُحَمَّد الرَّقِّيّ, قَالَ: ثنا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بْن آدَم, عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَأَبِي أُمَامَة قَالَا سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الرَّاسِخ فِي الْعِلْم؟ قَالَ: “مَنْ بَرَّتْ يَمِينه, وَصَدَقَ لِسَانه, وَاسْتَقَامَ لَهُ قَلْبًا, وَعَفَّ بَطْنه, فَذَلِكَ الرَّاسِخ فِي الْعِلْم”.

وحدهم الذين لم تمتلئ بطونهم من لعق الحرام هم القادرون على التمييز بين الحق والباطل بعد أن عجز الشيطان الرجيم عن استدراجهم وإغوائهم رغم أنه أضل من بني آدم جبلا كثيرا ممن لا يعقلون ولا يتدبرون!!.

مفهوم الفتنة

أحد التهويمات التي استخدمها وما زال يستخدمها القوم في تبرير جرائمهم وشرعنتها باسم الدين هو الخوف من وقوع الفتنة والادعاء بأن الضرر الواقع من الانحراف بالإسلام نحو الفرعونية أقل بكثير من ذلك الضرر الناجم عن استمرار القتال والفوضى علما بأن مسببي الفوضى والقتل والاضطراب هم أنفسهم قادة الضلال والفتنة!!.

ولك أن تلاحظ أن مفهوم الفتنة (التي وقى الله شرها) أو (الفتنة التي طهر الله منها سيوفنا وعلينا أن نطهر ألسنتنا منها) تعني عند القوم التباس المفاهيم واختلاط الحق بالباطل حتى لقد قسم بعضهم أبطال (الفتنة) إلى قسمين: مجتهد مصيب وله أجران ومجتهد مخطئ وله أجر واحد!!.

تسرب هذا المفهوم إلى كتب الفقه السياسي والاعتقادي حتى لقد أصبح الدستور السياسي لخير أمة أخرجت للناس هو (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم)؟!.

يقول الراغب الأصفهاني في معنى كلمة فتنة:

أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته واستعمل في إدخال الإنسان النار (يوم هم على النار يفتنون) (ذوقوا فتنتكم) أي عذابكم, وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب نحو قوله (ألا في الفتنة سقطوا) وتارة في الاختبار نحو (وفتناك فتونا) وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يُدفع إليه الإنسان من شدة أو رخاء وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا وقد قال فيهما (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) وقال في الشدة (إنما نحن فتنة* والفتنة أشد من القتل* وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وقال (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا) أي يقول لا تبلني ولا تعذبني وهم بقولهم هذا وقعوا في البلية والعذاب) وقال (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأئهم أن يفتنهم) أي يبتليهم ويعذبهم وقال (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك* وإن كادوا ليفتنونك) أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفهم إياك عما أوحي إليك وقوله (فتنتم أنفسكم) أي أوقعتموها في بلية وعذاب وقوله (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) فقد سماهم ههنا فتنة اعتبارا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم وسماهم عدوا في قوله (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) اعتبارا بما يتولد منهم, وقوله تعالى (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) أي لا يختبرون فيميز خبيثهم من طيبهم, والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة, ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضد ذلك ولهذا يذم الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان نحو قوله (والفتنة أشد من القتل* إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات* ما أنتم عليه بفاتنين) أي بمضلين.

الفتنة إذا هي الشدة والبلاء وهي الاختبار والتمييز وهي من الله تبارك وتعالى حكمة وتدبير إلهي ليميز الخبيث من الطيب أما إن كانت من العباد فهي ظلم وعدوان وإسراف.

من أين إذا جاء القوم بمفهومهم المبتكر عن (الفتنة العمياء) التي لا يعرف فيها وجه الصواب والخطأ تلك الفتنة التي انقسم أطرافها إلى مصيب مجتهد له أجران ومجتهد مخطئ حصل مقابل جرائمه ومقابل قيامه بفتنة الناس عن دينهم وعن صراط الله المستقيم على أجر واحد رغم أن فتنة العباد للعباد هي ظلم وعدوان وإسراف (والفتنة أشد من القتل)؟!.

الفتنة بكل أنواعها هي اختبار وتمحيص وتمييز للخبيث من الطيب سواء كانت فتنة الشر أو فتنة الخير (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) فهي اختبار للوعي بمبادئ الدين واختبار للإرادة الإنسانية ومدى قدرتها على الصمود أمام الخوف من القتل أو الخوف على الرزق وأمام الإغراءات الدنيوية والرشاوى التي يعرضها قادة الفتنة والضلال سواء كانوا من الكفار أو من المنافقين المتمسحين بالدين والدين منهم براء.

اختراع مفهوم الفتنة

قلنا من قبل أن قادة الفتنة والضلال قد استخدموا المتشابه من أجل الالتفاف حول المحكم من أجل ترسيخ حزمة من المفاهيم الملتبسة في أذهان جمهورنا ضحية فتاواهم المسخرة لصالح الطغاة والفراعنة.

وكان أن قدم لنا هؤلاء مفهوم الفتنة العمياء الصماء البكماء الكافرة (؟؟!!) التي لا يعرف فيها وجه الصواب من الخطأ ومن ثم يصبح أمام المؤمن خيار واحد هو لزوم الحياد وترك ما لفرعون لفرعون وما تبقى (إن بقي شيء فهو لله)!!.

اقرءوا معي تلك الروايات التي ازدانت بها (صحاح القوم)!!.

  • باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما: روى البخاري عن الحسن قال خرجت بسلاحي ليالي الفتنة (؟!) فاستقبلني أبو بكرة فقال أين تريد؟ فقلت أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لاحظ أنه خليفة السلمين وإمام الحق) فقال أبو بكرة قال رسول الله صلى الله عليه و آله إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد قتل صاحبه. البخاري ج4 ص 225.
  • سمعت أبا وائل يقول (من هو أبو وائل هذا؟؟) دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حين بعثه علي عليه السلام إلى أهل الكوفة يستنفرهم فقالا ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر فقال عمار ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندنا من إبطائكما عن هذا الأمر. ج4 ص 229 البخاري.
  • روى البخاري عن محمد بن علي أن حرملة مولى أسامة أخبره قال عمرو قد رأيت حرملة قال أرسلني أسامة إلى علي وقال إنه سيسألك الآن فيقول ما خلف صاحبك فقل له يقول لك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك ولكن هذا أمر لم أره فلم يعطني شيئا. البخاري ص229 ج4.

مذهب سعد!!

إنه المنطق الذي استخدمه كاتب كبير ومفكر معروف هو الدكتور طه حسين في كتابه المسمى (الفتنة الكبرى) وأسماه (مذهب سعد) وأصحابه (الذين اعتزلوا المتخاصمين وفروا بدينهم إلى الله وقال قائلهم سعد بن أبي وقاص: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول أصاب هذا وأخطأ ذاك)!! ومن ثم فهو (لا يجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء وإنما يحاول أن يتبين ويبين الظروف التي دفعت إلى هذه الفتنة التي فرقتهم وما زالت تفرقهم إلى الآن).

ولأن السيف لن ينطق كما لم تنطق بقرة موسى عليه السلام (رغم أن البقر تشابه عليهم) والذي نطق هو الإنسان الذي أحياه الله وقد مات سعد وأصحابه دون أن ينطق السيف ومن ثم فلا جدوى من التبيين والبيان لأن هناك شرط تعجيزي هو أن ينطق السيف الذي لا يمكنه النطق والذي لم يودعه الله عقلا ليستخدمه ويميز به بين الخطأ والصواب وإنا أودعه الله الإنسان (إنه كان ظلوما جهولا)!!.

ولو أن المسلمين من يومها اتبعوا أمر ربهم ولزموا صراط الله المستقيم واتبعوا أهل الذكر والراسخين في العلم لما احتاجوا من الأساس إلى سيف يذبح ناهيك عن سيف ينطق!!.

ثم يقولون لنا أنها كانت فتنة كافرة كما كان يزعم أبو موسى الأشعري (انظر كتابنا: الجمل): (إنها قد جاءتكم فتنة كافرة لا يدري من أين تؤتى تترك الحليم حيران كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وأله يذكر الفتن فيقول: أنت فيها نائما خير منك قاعدا وأنت فيها جالسا خير منك قائما وأنت فيها قائما خير منك ساعيا فثلموا سيوفكم وقصفوا رماحكم وأنصلوا سهامكم وقطعوا أوتاركم وخلوا قريشا ترتق فتقها وترأب صدعها فإن فعلت فلأنفسها فعلت وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت سمها في أديمها استنصحوني ولا تستغشوني وأطيعوني ولا تعصوني يتبين لكم رشدكم وتصلى هذه الفتنة من جناها).

ولأننا لا نكتب عن التاريخ فنحن لا ننوي الاسترسال في سرد ما جرى وكل ما هنالك أننا نعرض للطريقة التي جرى بها (ابتكار) مفهوم الفتنة العمياء الكافرة التي لا يدرى فيها وجه الصواب من الخطأ وكيف أصبح هذا المفهوم مفهوما رسميا ومعتمدا لدى المدرسة الفكرية المتغلبة على فراغ أو تيه العقل الإسلامي.

ذلك المفهوم الذي يجعل من (المسلم التائه الحيران) العاجز عن استخدام عقله من أجل التمييز بين الخطأ والصواب والذي يطلب الجواب من السيف وربما من النجوم والكواكب ولا يطلبه من أهل الذكر الراسخين في العلم هو المسلم النموذجي أو كما قال أبو موسى الأشعري!!.

فتنة السامري

يحكي لنا القرآن الكريم عن أحد نماذج الفتنة والإضلال, نموذج السامري وعجل بني إسرائيل واقرأ معي سورة طه.

(وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (83- 98).

لم يكن بنو إسرائيل بحاجة لأن يتكلم العجل أو ينطق السيف ليدركوا أنهم سقطوا في حفرة سحيقة حفرها السامري ولم يكن مطلوبا منهم ليتبينوا سبيل الرشد من الغي سوى أمرين:

الأول هو اتباع أمر وصي موسى (هارون عليه السلام) الذي قال لهم (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري).

والثاني هو تحريك عقولهم ونفض غبار الأهواء وحب الدنيا عنها ليدركوا أن العجل ليس إلها بل هو مجرد تمثال مصنوع لا يضر ولا ينفع ومن باب أولى لا ينطق (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).

ورغم ذلك فإن فينا من طلب من السيف أن ينطق!!.

الفتنة هنا هي الإضلال وهي الاختبار وهي العذاب الذي انساق إليه بنو إسرائيل عندما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وتركوا هارون وسألوا السامري.

ونحمد الله أن أحدا لم يدافع عن بني إسرائيل أو السامري قائلا أنها كانت فتنة عمياء كافرة أو امتدح الذين وقفوا على الحياد بين موسى والسامري كما أن أحدا لم يطالب بمنع إحراق العجل وإلقاء ما تبقى منه في اليم في انتظار أن ينطق العجل ويقر ويعترف بأنه ليس إلها بل هو صنم لا يزيد ولا ينقص!!.

الخلاصة أن فتنة الضلال والإضلال هي نتاج منطقي لحالة الاستكبار والعنجهية التي تعمي من غلبت عليهم شقوتهم عن رؤية الحقائق الواضحة وهي التي تحول بينهم وبين الإدراك والتمييز (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) (146) الأعراف.

 

الشبهة والمتشابه

تضمنت الآية الكريمة ذما لرموز الضلال الذين يتصيدون المتشابه ويتقممون الأدلة من هنا وهناك سعيا منهم لفتنة العباد عن طريق الهداية والرشاد وسعيا منهم لإيجاد تدين بديل عن التدين الرسالي الصحيح ومن هنا تعين علينا بيان معنى الشبهة والمتشابه.

بعض المفسرين ربما رغبة منه في تنحية الراسخين في العلم عن التصدي لهداية الأمة ومنعهم من القيام بواجبهم في تصحيح المفاهيم المعوجة قرر أن يجعل وقف القراءة بعد (وما يعلم تأويله إلا الله) لازما والمعنى أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ومهمة الراسخين في العلم تقف عند حد الإقرار والتسليم (آمنا به كل من عند ربنا) لينفسح الطريق على مصراعيه أمام دعاة الضلال والفتنة فالكل عندهم (في شرع الجهالة سواء).

الذين جعلوا الوقف لازما لم يلزموا أنفسهم بضابط ولا رابط ولم يتركوا شاردة ولا واردة إلا أفتوا فيها فأحلوا الحرام وحرموا الحلال رغم أن أغلبهم كانوا كما وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (إنَّ أَبْغَضَ اَلْخَلاَئِقِ إِلَى اَللَّهِ رَجُلاَنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اَللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَةٍ وَدُعَاءِ ضَلاَلَةٍ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ اِفْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اِقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ اَلْأُمَّةِ غَارٌّ فِي أَغْبَاشِ اَلْفِتْنَةِ عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ اَلْهُدْنَةِ قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ اَلنَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا اِرْتَوَى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ وَاِكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ اَلنَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا اِلْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى اَلْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ اَلشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجَ اَلْعَنْكَبُوتِ لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالاَتٍ عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ لَمْ يَعَضَّ عَلَى اَلْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ يُذْرِى اَلرِّوَايَاتِ إِذْرَاءَ اَلرِّيحِ اَلْهَشِيمِ لاَ مَلِى‏ءٌ وَاَللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَلاَ هُوَ أَهْلٌ لِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ لاَ يَحْسَبُ اَلْعِلْمَ فِي شَيْ‏ءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ وَ لاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مِنْهُ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اِكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ اَلدِّمَاءُ وَتَعِجُّ مِنْهُ اَلْمَوَارِيثُ إِلَى اَللَّهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَلاَ أَعْرَفُ مِنَ اَلْمُنْكَرِ) خطبة 17 نهج البلاغة.

ورغم كل ذلك فالوقف يلزم أهل البيت (أهل الذكر) ولا يلزمهم!!.

ياللعجب!!.

الراغب الأصفهاني

يقول الراغب الأصفهاني في معنى كلمة (شبه): الشِبهُ والشَبهُ والشبيه حقيقتها في المماثلة من جهة الكيفية كاللون والطعم وكالعدالة والظلم.

والشبهة هو أن لا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عينا كان أو معنى, قال (وأتوا به متشابها) أي يشبه بعضه بعضا لونا لا طعما وحقيقة وقوله (تشابهت قلوبهم) أي في العمى والجهالة.

والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق ومتشابه على الإطلاق ومحكم من وجه ومتشابه من وجه, فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب:

متشابه من جهة اللفظ فقط ومتشابه من جهة المعنى فقط ومتشابه من جهتيهما,

والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة وذلك إما من ناحية غرابته نحو الأبِّ ويزفون وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب, وذلك ثلاثة أضرب, ضرب لاختصار الكلام نحو (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وضرب لبسط الكلام نحو (ليس كمثله شيء) لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع وضرب لنظم الكلام نحو (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) تقدير الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا وقوله (ولولا رجال مؤمنون) إلى قوله (لو تزيلوا).

والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه.

والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب:

الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو (اقتلوا المشركين).

والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو (فانكحوا ما طاب لكم).

والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو (اتقوا الله حق تقاته).

والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) وقوله إنما النسيئ زيادة في الكفر) فإن من لم يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية,

والخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح.

وهذه الجملة إذا تُصورت, عُلم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم.

انتهى النقل عن الراغب الأصفهاني.

يقول الإمام علي بن أبي طالب:

(وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأنها تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى) خطبة 38 نهج البلاغة.

الشبهة إذا هي اختلاط الأمور على البعض عندما يعجزون لضعف فيهم عن إدراك وجه الصواب من الخطأ فيسقط البعض منهم في فخاخ الدجالين والكذابين والمزورين وما أكثر هؤلاء في تاريخ كل الأمم من الذين يخلطون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون وممن يموهون على الناس حقائق الدين أو حقائق الواقع أو ممن يريدون أن يأكلوا الدنيا برفع شعارات الدين فينقاد الناس وراءهم وكما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وصف هؤلاء وما يجرونه على أتباعهم بل وعلى العالم كله من بلاء:

(إِنّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهِتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاَت, وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَات، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً).
يأتي هؤلاء بفتنهم أي بضلالاتهم المؤدية لخسارة الدنيا والدين لينصبوا فخاخ الشعارات والوعود فينقاد لهم البسطاء ومحدودو العلم وضعاف العقول ولا يدرك هؤلاء أنهم قد سقطوا في حفرة عميقة أو (في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) إلا بعد فوات الأوان وبعد أن لم يعد مكان سوى للحسرة والخذلان.

ولو أن هؤلاء قد عملوا بنصيحة الإمام التي ذكرناها سابقا واسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاح وَاعِظ مُتَّعِظ أو امْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْن قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ بدلا من أن يرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِهمْ، أو ينْقَادُوا لأهْوَائِهمْ لما أفلح أحد في اصطيادهم وسوقهم إلى حتفهم وإلى مصيرهم الأسود الذي هو من دون أدنى شك نتيجة منطقية لإعراضهم عن سؤال أهل الذكر وعن اقتباس العلم من معدنه ممن لا يسألهم أجرا وهم مهتدون.

الفتنة التي تحدث عنها الإمام علي هي نفسها الفتنة بمفهومها القرآني, ارتكاب الأخطاء التي تؤدي إلى نزول البلاء الدنيوي أو الأخروي والتعرض لامتحانات ما كان أغنى الناس عن التعرض لها.

ليس هناك ما يمكن أن يسمى بفتنة انعدام الرؤية لأن انعدام الرؤية يعني شيئا واحدا هو سقوط التكليف ويتعين على المكلف العاقل أن بل يختار الوقيت الصحيح والصائب للرؤية قبل فوات الأوان فما يشتبه على الجاهل اليوم سيراه بأم عينيه غدا ولات حين مناص!!.

إن لم تستجب لنصيحة الراسخين في العلم أو أولئك الذين انتقل إليهم العلم الراسخ فليس من حقك أن تقول لم أكن أعلم أو ما زلت غير قادر على معرفة الفارق بين الخطأ والصواب (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا).

ليس من حقك أن تخدع غيرك كما أنه من العار أن تواصل خداع نفسك لأن الفتن والضلالات حتى وإن شبهت حين أقبلت فلا بد أنها نبهت بعد أدبرت بعد أن حطمت ودمرت وأهلكت وأضاعت عليك الفرصة التي لا تأتي في العمر إلا مرة واحدة!!.

أما عن السبب الذي يدفع صناع الفتن والضلالات ممن سكن الزيغ في قلوبهم لسلوك طريق التأويل المنحرف والمعوج فيبينه لنا الإمام علي بقوله:

(إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ البَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ; وَلكِن يُؤْخَذُ مِنْ هذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى) خطبة 50 نهج البلاغة.

الراسخون في العلم من النوع الثاني أو من تلك الحلقة الوسيطة بين أهل القمة أهل الذكر وجمهور المؤمنين المتلقين (مثل عمار بن ياسر) يشكلون ضرورة حياة وبقاء لهذا الدين ولهذه الأمة حتى ولو لم يبلغ علمهم ما بلغه علم أئمة الدين وهم قد عرفوا حدودهم وقدراتهم وهم من وصفهم الإمام بقوله:

(وَاِعْلَمْ أَنَّ اَلرَّاسِخِينَ فِي اَلْعِلْمِ هُمُ اَلَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اِقْتِحَامِ اَلسُّدَدِ اَلْمَضْرُوبَةِ دُونَ اَلْغُيُوبِ اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اَللَّهُ اِعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَسَمَّى تَرْكَهُمُ اَلتَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اَلْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْهَالِكِينَ) خطبة 90 نهج البلاغة.

خلاصة:

نعتقد أن قراءة القرآن قراءة متجددة هي فريضة العصر الراهن الذي يتعين على الأمة الإسلامية أن تنهض وتقوم بها بدلا من الاكتفاء بما كتبه المفسرون الأوائل في ضوء المتغيرات الكونية التي تحيط بهم والتي تحتم عليهم التغيير والإصلاح.

قراءة القرآن في ضوء ثوابته ومبادئه الأصيلة والحاكمة (أم الكتاب) بعيدا عن تلك الترهات والسخافات التي فرضتها عصور التخلف والاستبداد والظلام.

دكتور أحمد راسم النفيس

3-10-2006.

العاشر من رمضان 1427هجرية.

المنصورة مصر

ميدان الطميهي برج الحجاز

رقم بريدي 35111.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق