مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: شهر رمضان في مصر شهر النور والقرآن

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: شهر رمضان في مصر شهر النور والقرآن

يقول تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. البقرة 185.

إنه إذا شهر النور الإلهي الذي يفرح فيه المسلمون بتقربهم من الله عز وجل وبالبذل والإنفاق تأكيدا على إظهار رغبتهم في القرب من المولى.

توارث المصريون تلك الأجواء منذ عصر الحضارة الفاطمية ورغم اعتلاء الوهابية قمة المشهد فما تزال الروح العامة للاحتفاء الحضاري بشهر الصيام عصية على الإذعان والترويض.

يقول الكاتب المصري الكبير عباس محمود العقاد في وصف حضارة الفاطميين:

وإذا استثنينا الحضارات المصرية الأولى في عهد الفراعنة جاز أن يقال أن حضارة مصر في عهد الفاطميين لم يعرف لها نظير بعد الميلاد ولا استثناء لعهد البطالسة لأنه عهد غلبت عليه الصبغة الأجنبية على الصبغة الوطنية خلافا لحضارة الفاطميين فإن صبغتها المصرية كانت غالبة على كل صبغة، ومن ثم لم تتكرر في وطن آخر على هذه الصورة. وتصدق كلمة الحضارة على كل حضارة تقاس بمقياس الثقافة أو بمقياس الثروة أو بمقياس الشؤون الاجتماعية.

فلم توجد في مكتبة بعد مكتبة الإسكندرية خزائن للكتب كالخزائن التي وجدت في القصر الشرقي وتفاوت تقديرها بين ستمائة ألف ومليوني كتاب وقد كان فيها لبعض الكتب عشرات من النسخ للإعارة أو الاطلاع.

وتنافست القصور في اقتناء الكتب النادرة فكان في كل قصر مكتبة تحتوي عشرات الألوف من كتب الفقه والأدب والرياضة والطب وسائر العلوم.

وأنشئت دار الحكمة ودار العلم، هذه للمتعلمين وتلك للمعلمين وفتحت فيها مجالس المناظرة والمحاضرة يخصص منها قسم للرجال وقسم للنساء وتنقل المناظرة أحيانا إلى قصر الخليفة فيشترك فيها أو يشرف عليها ويأذن لكل ذي رأي أن يدلي برأيه فيها وإن خالف به إجماع الآراء.

وفي عهدهم أصلحت الدواووين ونظمت وسائل الري وأعيدت مساحة الأرض وفكروا في بناء الخزان عند أسوان.

وتقدمت الفنون والصناعات وتنافس الفنانون والصناع في هندسة البناء والنقش على الجدران والحفر على الأحجار الكريمة وشوهدت رسوم على النسيج تحكي اللوحات الفنية في دقة التصوير وجمال التلوين وبلغ فن التصوير البارز والتصوير الغائر غاية ما يبلغه في عصر من العصور وصيغت التماثيل من المعادن والجواهر فأوشكت قيمة المعدن المرتخص أن تناظر قيمة المعدن النفيس بفضل الصناعة والإتقان.

وتناظرت محافل الليل ومحافل النهار لا سيما في شهر رمضان وليالي الأعياد وعَوَدَ الخلفاء الشعب أن يستضيفوه ويمدوا له أسمطة ويخرجوا لتحية الناس وتلقي التحية وأصبح الوافدون إلى مصر يحسبونها أمة فرغت للمواكب والمحافل والأسمار.

ولم يكن قصارى ما في تلك المواكب أنها مظاهر لهو وفراغ بل كانت في حقيقتها معارض للفنون والصناعات يسير فيها أصحاب كل فن وصناعى على نظام معلوم ويتقدم كل طائفة نقيبها وأستاذها يترنمون بمفاخر فنونهم وصناعتهم يعلنون عنها ومن هذه المواكب ما بقي إلى اليوم[1] في زفة رمضان والمحمل. لا جرم كانت مصر إبان هذه الحضارة ملتقى الرواد والقصاد وأن تحفل قصور الخلفاء والكبراء بمن يقصدون رحاب ذوي السلطان في كل زمان ومكان وأولهم السياح والشعراء[2].

كان الاحتفاء بشهر رمضان متنوعا حيث تمد الموائد في قصور الخلافة كما في قصور الأثرياء ويدعى إليها قراء القرآن الذين أبدعوا فنون التجويد والتطريب والقراءة  بالمعاني وهذا هو السبب في علو مكانة قراء مصر التي قدمت للعالم الإسلامي وما تزال حتى الآن تلك المدرسة القرآنية الفريدة والمتميزة.

قال المقريزي في اتعاظ الحنفا‏:‏ ولما كان في التاسع والعشرين من شهر رمضان خرجت الأوامر بأضعاف ما هو مستقر للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختم الشهر وحضر المأمون (أحد وزراء الدولة) في آخر النهار إلى القصر للفطور مع الخليفة والحضور على الأسمطة على العادة وحضر إخوته وعمومته وجميع الجلساء وحضر المقرئون والمؤذنون وسلموا على عادتهم وجلسوا تحت الروشن وحمل من عند معظم الجهات والسيدات والمميزات من أهل القصور بلاحي وموكبيات مملوءة ماء ملفوفة في عراضي ديبقي وجعلت أمام المذكورين ليشملها بركة ختم القرآن واستفتح المقرئون من الحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة وتطريبًا ثم وقف بعد ذلك من خطب فأسمع ودعا فأبلغ ورفع الفراشون ما أعدوه برسم الجهات ثم كبر المؤذنون وهللوا وأخذوا في الصوفيات إلى أن نثر عليهم من الروشن دراهم ودنانير ورباعيات وقدمت جفان القطائف على الرسم مع الحلوى فجروا على دعاتهم وملأوا أكمامهم ثم خرج أستاذ من باب الدار الجليلة بخلع خلعها على الخطيب وغيره ودراهم تفرق على الطائفتين المقرئين والمؤذنين ورسم أن تحمل الفطرة إلى قاعة الذهب وأن تكون التعبية في مجلس الملك وتعبى الطيافير المشورة الكبار من السرير إلى باب المجلس وتعبى من باب المجلس إلى ثلثي القاعة سماطًا واحدًا مثل سماط الطعام ويكون جميعه سدًا واحدًا من حلاوة الموسم ويزين بالقطع المنفوخ فامتثل الأمر وحضر الخليفة إلى الإيوان واستدعى المأمون وأولاده وإخوته وعرضت المظال المذهبة المحاومة وكان المقرئون يلوحون عند ذكرها بالآيات التي في سورة النحل والله جعل لكم مما خلق ظلالها إلى آخرها‏.‏

وعاد استفتاح المقرئين وكانوا محسنين فيما ينتزعونه من القرآن الكريم مما يوافق الحال مثل الآية من آل عمران‏:‏ ‏”‏ زين للناس حب الشهوات ‏”‏ إلى آخرها ثم بعدها‏:‏ ‏”‏ قل الله مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ‏”‏ إلى آخرها‏.‏

لم يكن ليل القاهرة في رمضان أو غيره مظلما حيث واصل الخليفة الحاكم الركوب كل ليلة وكان يركب إلى موضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق‏.‏ وأمر الناس بالوقيد فتزايدوا فيه بالشوارع والأزقة وزينت الأسواق والقياسر بأنواع الزينة وباعوا واشتروا وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو‏.‏

ومنع الرجال المشاة بين يدي الحاكم أن يقرب أحد من الناس الحاكم فزجرهم وقال لا تمنعوا أحداً فأحدق الناس به وأكثروا من الدعاء له‏.‏

وزينت الصناعة وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء الرجال على الخروج في الليل وتزايد الزحام في الشوارع والطرقات وتجاهروا بكثير من المسكرات وأفرط الأمر فلما خرج الناس عن الحد أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء فإن ظهرت نكل بها‏.‏ ومنع الناس من الجلوس في الحوانيت‏.‏

وكثر وقود المصابيح في الشوارع والطرقات وأمر الناس بالاستكثار منها وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها‏ وهناك أسواق وشوارع تضاء فيها القناديل ليلا ونهارا لأن الضوء لا يصل إلى أرضها ويسير فيها الناس.

ما زلنا حتى أيامنا هذه نتنسم هذا العطر الحضاري حيث تضاء الشوارع وواجهات البيوت وتعلق فيها الفوانيس ابتهاجا بهذه الأيام المباركة التي يتجمع فيها الناس في المساجد حول مائدة الله عز وجل كتاب الله النور الذي نزل من السماء.

عندما جاء الغزو الوهابي إلى مصر بعد نكبة يونيو 1967 راهن على محو تلك الأجواء الرمضانية فإذا به يصبح جزءا منها وصدق الله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) المائدة (32).

دكتور أحمد راسم النفيس

‏10‏/03‏/2024


[1] كان هذا قبل ستين عاما في عصر عباس العقاد وقبل أن تجهز الوهابية على كثير مما تبقى من بقايا التراث الفاطمي الشعبي.

[2] فاطمة الزهراء والفاطميون عباس محمود العقاد. 137-139.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى