
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: كيف تمكن صلاح الدين الأيوبي من علمنة مصر؟؟!!
لم تكن السلطنة العثمانية خلافة إسلامية لا شكلا ولا موضوعا اللهم إلا في مخيلة البسطاء فجاء أتاتورك وحولها إلى دولة علمانية!!.
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: كيف تمكن صلاح الدين الأيوبي من علمنة مصر؟؟!!
كثيرة هي العناوين التي لا يعرف أحد معناها بدقة ومنها عنوان كيف تمكن أتاتورك من علمنة تركيا وفشل شاه إيران في القيام بذات الأمر؟!.
في أغلب الأحيان يحدد السؤال طبيعة الجواب المطلوب، فما هو معنى العلمنة التي علمنها أتاتورك لتركيا وهل كان أتاتورك هو صاحب الانقلاب الذي أوصل لهذه النتيجة؟!.
لم تكن (علمنة) تركيا سوى خطوة إضافية لمسخ الإسلام التركي شكلا وهو إسلام سلجوقي ممسوخ موضوعا جرى فرضه على رقعة واسعة من العالم الإسلامي طيلة قرون عديدة منذ قام يوسف بن أيوب بتدمير الدولة الفاطمية.
لم تكن السلطنة العثمانية خلافة إسلامية لا شكلا ولا موضوعا اللهم إلا في مخيلة البسطاء فجاء أتاتورك وحولها إلى دولة علمانية!!.
عديدة هي الانقلابات الكبرى التي غيرت مسار المجتمعات الإسلامية وأغلبها نحو الأسوأ ومنها انقلاب يوسف بن أيوب الذي فرض على العالم الإسلامي مسارا نحو مزيد من الانحدار والتدهور ولكن القوم لا يذكرونه بسوء بل يصرون على تذكيرنا بما فعله أتاتورك فقط لا غير وكأنه كان نهاية التاريخ.
كثيرة هي حملات الإبادة التي قام بها العثمانيون ومن بعدهم العبيد المماليك ضد الشيعة في إيران وبلاد الشام وشمال أفريقيا وأدت لانحسار وجودهم في هذه المناطق مما يعد أسوأ من علمنة تركيا على يد مصطفى كمال أتاتورك.
علمنة تركيا على الطريقة الأتاتوركية شكلت هاجسا مبالغا فيه لدى الكثير وكأن تركيا السلجوقية كانت تحكم العالم الإسلامي وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية وتقيم العدل الإلهي وكل هذا على خلاف الحقيقة حيث مارست هذه الدولة شتى صنوف الإجرام ضد الشعوب التي وقعت تحت سطوتها الجائرة.
السؤال الأهم: كيف تمكن هؤلاء المجرمين من إحكام قبضتهم على رقاب المسلمين طيلة هذه القرون واستنزاف ثرواتها المادية وتدمير مخزونها العلمي والمعرفي وصولا إلى تخريب ثقافتها وتغيير نمط حياتها ومحاولة إلحقها بنمط الحياة الغربي؟.
الذي يعرفه قارئ التاريخ أن مصطفى كمال لم يكن هو الذي أسقط السلطنة العثمانية التي هزمت في الحرب العالمية الأولى وكان للعرب نصيبهم في الوصول لهذه النهاية البائسة حيث تفككت السلطنة وخرجت ولاياتها العربية من ربقة الهيمنة السلجوقية سواء في مصر أو الشام ولم يكن ثمة مفر من إعلان الجمهورية على يد أتاتورك الذي اختار لها مسارا متخاصما مع العروبة والإسلام.
السلطنة العثمانية التي استولت على مصر وقبلها سوريا بداية القرن السادس عشر الميلادي لم تزعم يوما ما أنها دولة دينية بل كانت سلطة زمنية فجة لا هم لها إلا الغزو والتمدد والسلب والنهب ولما أدركت عظم المخاطر والتهديدات التي تحيط بها من كل جانب لجأت إلى التمسح بالدين وتبني مشروع النهضة الإسلامية بتحريض من بعض علماء الدين ولا داعي لذكر الأسماء.
في كتاب (حاضر العالم الإسلامي) الصادر أوائل القرن العشرين وضمن هوامشه التي تجاوزت الكتاب الأصلي يقول الأمير شكيب أرسلان (صاحب الحواشي):
من شأن تتبع الأدوار المختلفة التي اجتازتها (الجامعة الإسلامية) الحديثة مبتدئين بالدور الأول الذي ظهرت فيه للعالم ظهورا بينا وهو دور الدعوة الوهابية حيث أنشأ ابن عبد الوهاب حكومته على أساس الشورى (؟!) ولما استولى سعود على الأماكن المقدسة في الحجاز تصور أنها الخطوة الأولى في سبيل فتح العالم الإسلامي قاطبة فتحا إصلاحيا دينيا تتلوه وحدة سياسية عامة بين جميع ممالك الإسلام ولما سقطت الوهابية دون مبتغاها العظيم أخذ الاضطراب السياسي على أثر ذلك يشتد في العالم الإسلامي.
على مثل هذه الأسس بنى السلطان عبد الحميد الذي ارتقى العرش سنة 1876م، مشروع الجامعة الإسلامية فقد اختط الخطط الكبرى لتحقيق مشروعاته العظمى حيث ألغى مجلس النواب وجعل نفسه السلطان المطلق لا تعلو يده يد له الأمر والنهي وحده ولما استوثق له الأمر نحى بسياسته منحى الجامعة الإسلامية فعقد عزمه على التذرع بالخلافة لبلوغ أغراض سياسية عظيمة فأعلن للملأ أنه فوق كونه سلطانا للدولة العثمانية ورئيسها السياسي الوحيد فهو الخليفة الديني لجميع المسلمين وأخذ يستصرخ الأمم الإسلامية في شتى بقاع الأرض لتمد يد العون إليه وكان منذ عهد بعيد يدبر أمور نشر الدعوة للجامعة الإسلامية بوسائل خفية هائلة فغدت القسطنطينية مكة الثانية يلوذ بها جميع ذادة الإسلام المشتهرين بأعمال المقاومة للدول الغربية مثل جمال الدين الأفغاني وأقرانه ومنها صارت توفد الوفود وترسل الرسائل لجميع الأقطار الإسلامية حاملة رسالة الخليفة وهي الأمل المحقق في النجاة من خطر حكم الفرنجة الكافرين.
المسلمون اليوم هم في دور النهضة والانتقال والتجدد يستردون مجدهم الإسلامي الفائت ويستعيدون عزهم التليد حيث قال السير تيودور موريسون (ليس من مسلم يعتقد أن الحضارة الإسلامية فانية أو غير متجددة مترقية إنما يعتقد أن قد عرتها قهقرى قصيرة فحسب، فقصر المسلمون أمرهم على التطوح في الإشادة بمجد الجدود وتعصبوا في ذلك وغالوا غلوا شديدا، يعتقد المسلمون اليوم أن العالم الإسلامي سائر في طريق استئناف الارتقاء يأخذ عن الغرب ما يزيد في استحثاثه ويبعث فيه عزما وإقداما ونشاطا)[1]. انتهى النقل.
في يوليو عام 1923 وقعت حكومة مصطفى كمال معاهدة لوزان التي كرست قيادته لتركيا باعتراف دولي، وفي 29 أكتوبر من نفس العام ولادة الجمهورية التركية وألغى الخلافة، وجعل أنقرة عاصمة للدولة الجديدة بدلا من إسطنبول وبدأ سلسلة إجراءات، غير من خلالها وجه تركيا بالكامل.
ثم بدأ إجراءاته بتغيير أشكال الناس، حيث منع اعتمار الطربوش والعمامة وروج للباس الغربي، منع المدارس الدينية وألغى المحاكم الشرعية، أزال التكايا والأضرحة وألغى الألقاب المذهبية والدينية، وتبنى التقويم الدولي، كتب قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، وفي عام 1928 ألغى استخدام الحرف العربي في الكتابة وأمر باستخدام الحرف اللاتيني في محاولة لقطع ارتباط تركيا بالشرق والعالم الإسلامي.
بعد وفاة أتاتورك عام 1954 تسلّم عصمت إينونو التركة العلمانية حيث حظر الطرق الصوفية، منع اعتمار الطربوش، الغاء مركز شيخ الاسلام والمدارس الدينية، علمنة النظام التعليمي، استبدال الأذان العربي بآخر تركي ترافقه موسيقى أعدّها المعهد الموسيقي للدولة…
لكن، ظهر أنّ اصلاحات «القائد» لم تكن في فصل الدين عن الدولة، بل كانت في تسييس هذا الدين، عبر «تأميمه» وإخضاعه. إذ لم يكد يعلن الرئيس إينونو التعدّدية الحزبية عام 1946، حتى عاد نفوذ الاسلام الاجتماعي والسياسي.
تكون «الحزب الديموقراطي» من 4 منشقين عن «الشعب الجمهوري» (عدنان مندريس، جلال بايار، رفيق كورالتان، وفؤاد كوبرلو). تبنّى هؤلاء «المبادئ الكمالية»، لكن حزبهم تحوّل إلى مأوى لذوي التوجهات الإسلامية[2].
جاء من بعده رضا خان ليحكم إيران منذ عام 1925 حتى 1941 قبل أن يجبر على التنحي بسبب مواقفه المؤيدة لهتلر حيث حاول تكرار نفس التجربة الأتاتوركية (العلمانية) فلم يفلح.
تلك هي العلمانية في ثوبها الإسلامي الشرق أوسطي والتي لم تفلح في إيران ولم تعمر طويلا في تركيا مثواها الأول والأخير.
إنها (علمانية) شكلية لم تستند إلى أي أساس فكري أو حتى سياسي، كان كل همها تغيير موعد العطلة الأسبوعية لتصبح السبت والأحد بدلا من الجمعة وإجبار النساء على خلع الحجاب لكنها لم تتطرق من قريب أو من بعيد لمضمون التدين التقليدي القائم على التعصب الأعمى للموروث الديني بعجره وبجره بل على العكس من ذلك إذ استنفرت هذه القوى التي بقي أوارها متأهبا للاشتعال مرة أخرى كما رأينا الآن عبر تلك التي تسمي نفسها الصحوة الإسلامية أو تيارات الإحياء الديني.
السلطة الحاكمة في أي دولة تمتلك قدرات هائلة ولكنها ليست مطلقة خاصة على البنى العلوية المتحكمة في حياة الناس مثل الأمن والجيش والقضاء لكنها لا تمتلك نفس السلطة على الحياة الاجتماعية والأخلاقية للناس ولذا لم تحقق مشاريع الشاه رضا خان نجاحا مماثلا للنجاح الذي حققه أتاتورك في إقصاء الدين من حياة الناس.
في مصر تمكن يوسف بن أيوب من استبعاد التشيع من حياة الناس وذلك عبر عملية معقدة تضمنت التهجير الجماعي والإبادة وتغيير الخارطة البشرية واستجلاب المعروفين بعدائهم لأهل البيت ومصادرة ثقافة أهل بيت النبوة إلا أن الولاء الفطري لأهل البيت ما يزال راسخا في جنبات المجتمع المصري حتى هذه اللحظة.
دكتور أحمد راسم النفيس
25/08/2025
[1] حاضر العالم الإسلامي. حواشي شكيب أرسلان دار الفكر ط 3 1971. ص 308-310.
[2] http://www.al-akhbar.com/node/261533



