
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الممهدون للمهدي: كتيبة الوعي!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الممهدون للمهدي: كتيبة الوعي!!
خطب الإمام علي عليه السلام في أعقاب واقعة النهروان: (ألا فويل للمتكبرين، عند حصاد الحاصدين وقتل الفاسقين عصاة ذى العرش العظيم، فبأبي وأمى من عدة قليلة! أسماؤهم في الارض مجهولة، قد دنا حينئذ ظهورهم، ولو شئت لاخبرتكم بما يأتي ويكون من حوادث دهركم ونوائب زمانكم، وبلايا أيامكم، وغمرات ساعاتكم، ولكن أفضيه إلى من أفضيه إليه، مخافة عليكم، ونظرا لكم).
اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولَئِكَ ، أُولَئِكَ وَاللَّهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ. نهج البلاغة.
الذي نؤمن به ونعتقده أن أمتنا قد تعرضت طيلة القرون الماضية لعملية غسيل مخ أدت بها إلى حالة من تآكل الوعي وانخفاض منسوب الإدراك لديها خاصة أولئك الذين يرجى منهم توعية الناس ومساعدتهم على التمييز بين الخطأ والصواب.
بعض نماذج هذا الخلل تبدو الآن واضحة وضوح الشمس من خلال تناول بعض القضايا ومن ضمنها معضلة الحاخام الأكبر ابن تيميه الحراني الذي يراه البعض شيخا للإسلام ويراه البعض الآخر إماما مجددا أخرج الأمة من الظلمات إلى النور بينما نراه نحن رأس الرمح في خطة الاختراق اليهودي للإسلام مثلما كان مارتن لوثر رأس حربة الاختراق الصهيوني للمسيحية!!.
ينبه الإمام علي عليه السلام إلى هذا الترابط بين الوعي العام والعلم والمعرفة وعملية الانتقال من مجتمع فاسد ذي وعي مزيف والسير به نحو مجتمع يقيم العدل ويحققه فيقول عليه السلام: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَصَامِتٌ نَاطِقٌ.
إنه العبء الملقى على كتيبة الممهدين بفصائلها المختلفة، ليس فقط من يحمل السلاح في مواجهة أعداء الأمة من الصهاينة أو الدواعش، بل من يحملون راية التنوير الحقيقي وليس ذاك التنوير المزيف الذي يروج له أعداء الأمة الذين نجحوا سابقا في خداعها وتسخير جهدها وطاقاتها في خدمة المسيخ الدجال.
إنها كتيبة الوعي التي لا يكترث لها أحد اعتمادا على تلك البنى القديمة المتهالكة والتي لا تتوقف عن مدح نفسها وكيل الثناء لذاتها!!.
ليس واضحا ما إذا كان ظهور هؤلاء واضطلاعهم بدورهم سيسبق الظهور المهدوي أم سيكون مترافقا معه إلا أن الشيء المؤكد أن ما بعد ظهور الإمام سيكون مرحلة جهاد وصدام هائل بين قوى الفساد والضلال السائد والمستشري وبين قوى النور التي تملك الرؤية والبصيرة وتسعى لإعلاء كلمة الله.
صحيح أن الظهور يعني تغيرا كبيرا في موازين القوى العالمية إلا أن من يعولون على انتقال المسلمين من حال الوعي الضبابي المشوش التي يعيشونها الآن وبمجرد ظهور الإمام إلى مرحلة تكامل الوعي يفتقدون الرؤية الصحيحة لقوانين الكون ولسنن الأنبياء عليهم السلام.
لو كانت هذه الفرضية صحيحة فمن باب أولى فعلينا أن نفترض أن البشر سيدخلون طوعا في طاعة الإمام بينما تحدثنا الروايات أنه “إذا قام القائم نزلت سيوف القتال، على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه”.
إنه نفس المعنى الوارد عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ وَلَا يُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونِيهِ.
أليس من واجب الإمام المهدي سلام الله عليه آنئذ أن يستعين بكتيبة الوعي وليس فقط بأنصاره المجاهدين الاستشهاديين؟!.
موازين القوى التي تؤخر موعد الظهور ليست قاصرة على موازين القوى العسكرية فالأهم هو موازين الوعي السياسي والأخلاقي والاجتماعي التي ما تزال مختلة حتى هذه الساعة والتي لا تكاد تجد من يسعى لتصحيحها حيث يبدو لنا واضحا أن قوى الأمر الواقع لا ترغب ولو للحظة واحدة في التنازل عن هيمنتها شبه المطلقة على طريقة صاحب الجنة الذي يعتقد جازما أنه قدم أفضل ما عنده ولا زال ينتظر المزيد (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا).
تعتقد جماعات المصالح المسيطرة أن مواقعهم ومصالحهم ثابتة كالجبال الرواسي وأنها غير قابلة للاهتزاز والتزحزح وأنهم سيشكلون (أول حكومة للإمام) بينما يبدو لنا مؤكدا أن الزلزال المهدوي القادم سيقلب كل شيء رأسا على عقب!!.
دكتور أحمد راسم النفيس
20/05/2020
27 رمضان 1421هـ



