دراسات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يقدم: شهادة –قديمة… جديدة- على العصر

مقال قديم جديد!!!!

شهادة –قديمة… جديدة- على العصر

 

مقال قديم جديد

أحمد راسم النفيس

‏20‏/09‏/2019

 

 

بداية أتحفظ على استخدام مصطلح (شاهد على العصر) إذ أن الشاهد الأول الذي أقسم الله به هو شخص معين ومعلوم أقسم الله سبحانه وتعالى به عندما قال في محكم كتابه (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ * وَالْيَوْمِ المَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ *النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[1].

ولذا قإنني أفضل أن أكون شاهدا على بعض ما جرى في هذا العصر.

 

زمن النجوم البلاستيك!!!

 

كلنا يعرف أن البعض لجأ إلى تزيين شوارع المدينة بنخيل وهمي من البلاستيك لا يسمن ولا يغني من جوع.

الآن أصبحنا نعيش في عالمٍ, لا يختلف الكثيرُ من نجوم ثقافته لا عن هذا النخيل الاصطناعي والأمر لا يعدو كونه محاولة لمحاكاة الشكل الطبيعي إلا أنه لا يضيء ولا يتفاعل مع ما يجري من حوله وهو ثابت لا يتزحزح في مكانه بقوة نفوذ من زرعوه كما أنه لا يغير ولا يتغير ولا يزيد ولا ينقص, لا يضيء ظلاما ولا ينطفئ خجلا إذا طلع النهار بل يصر على أنه النجم الأوحد وكلما تكاثر عليه غبار الزمان تقدمت أجهزة الدعاية والتلميع لتعيد إليه بهاءه المصنوع ولونه المطبوع.

أزمتنا الثقافية ومن ثم الأخلاقية ليست جديدة والجديد فيها هو تزايد العناد الذي تبديه القوى المتصارعة حول الثروة والنفوذ المتفقة فيما بينها على بقاء حالنا الثقافي والأخلاقي على ما هو عليه من دون مراجعة ولا تعديل احتراما لقواعد لعبة التخلف اللا ديموقراطية.

أوضاعنا الثقافية هي محصلة لهذا التحالف القديم المشئوم بين القوى السلطوية وتوابعها الدينية والثقافية التي ترفض التخلي عن هذا الإرث ونتاجه الأخلاقي الذي أودى بمكانتنا بين الأمم.

إنهم يتحدثون الآن عن (تحسين الصورة) ووقف العنف ولكنهم لا يعالجون الجذور الثقافية لهذا العنف الذي صبغ حياتنا في الداخل وأصبح سمة ملازمة للإسلام في الخارج.

أصابنا الإخوان وخاصة أخونا عصام العريان بالغثيان تضامنا مع حالة إسهال التصريحات واستسهال إطلاق الكلام على عواهنه التي انتابتهم عندما أعلنوا عن اكتشافهم العبقري المسمى برنامج حزب الإخوان.

ما زال السيد عصام العريان مصرا على اجترار موروثه الأموي فيقول (مما دفع الغاضبين على اغتصاب السلطة والراغبين في استئناف حياة إسلامية سليمة من وجهة نظرهم منذ عهد “يزيد بن معاوية بن أبي سفيان” وفي مقدمتهم سيد الشهداء وسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب للخروج المسلح رافضا توريث الحكم عبر الضغوط والإرهاب رافضا بيعة الإكراه، وما زال موقفه هذا وخروجه محل نظر بين المؤرخين والناقدين هل هو محق فيه أم كان يمكن تجنب سفك الدماء البريئة؟! وهل الخروج المسلح على الحاكم يحسم المسألة؟!).

الرجل ما زال مصرا على ألا يقرأ وألا يفهم وألا يتدبر وكيف يتدبر ما يقرأ وهو لا يتدبر ما يقول فيصف رفض الإمام الحسين عليه السلام للظلم بالخروج المسلح وأن الأمر كان محاولة لاستعادة الحياة الإسلامية (من وجهة نظر الإمام الحسين وليس من وجهة نظر الإمام الشهيد حسن البنا!!) وأن خروجه كان وما زال محل نظر “من عديمي النظر!!” وهل هو حق أم على باطل ورغم هذا الهذيان فالسيد العريان يرى أن الحسين (سيد شباب أهل الجنة)!!.

الأمر كله لا يعدو كونه نوبة هذيان سياسي أطلقها أحد نجوم البلاستيك ذات الإضاءة الصناعية من أسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل.

لماذا يغضب الإخوان عندما يتعرضون للنقد وعندما يقال لهم أن مشاركتهم في انقلاب يوليو كانت جريمة وأنهم لم يكونوا محقين فيما فعلوه وأنه كان من الممكن تجنيب مصر الوقوع في فخ الديكتاتورية العسكرية وأن خروجهم المسلح زاد الأمور تعقيدا.

لماذا لم يراجع الحركيون الإسلاميون أنفسهم ويتحملوا المسئولية عن مناخ التسخين والهيجان الذي انتهى بقتل أنور السادات وإعادتنا مرة أخرى إلى الطوارئ والأحكام العرفية من يومها وإلى الآن؟؟.

الحجة المتكررة التي يرددها قادة الإخوان في شرح أسباب تقديم برنامج الحزب هو (أن الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها) وهم قد وجدوها عند عدوهم القديم (الغرب الكافر) المسئول الأول من وجهة نظرهم عن كل مصائب المسلمين ولكنهم عجزوا عن العثور عليها تحت أقدامهم وبين أيديهم في ثورة الحسين ضد الظلم وهاهم يصرون على إعادة طرح التساؤل عن الحكمة من خروج الإمام الحسين عليه السلام.

هؤلاء هم نجوم الثقافة (البلاستيك) وهم لا يكفون عن الضجيج والعجيج فيلتف حولهم شباب يحتاج لأن يتعلم فلا يسمع سوى تلك المواضيع الإنشائية المكررة التي لا تنفذ أبدا إلى عمق حقائق التاريخ المعاصر فما بالك بتاريخنا القديم الذي يرفض هؤلاء قراءته أو يقرءونه بهذه الصورة الهزلية الفجة ولا يهم فالنجوم البلاستيك لا تنطفئ بالليل ولا بالنهار وستبقى هكذا تضيء وتضئ حتى تحترق أو يعجز داعموها عن دفع فاتورة استهلاك الكهرباء أو ينهض فتى مشاغب ليضرب كرسي في الكلوب ليكتشف الناس كم الزيف والخداع الذي يتعرضون له!!.

هؤلاء هم الإخوان وهم جزء لا يستهان به من الصورة ومع ذلك فنحن لا نرغب في معاداتهم لا بصورة مباشرة ولا بالتضامن مع أعدائهم وقد صمتنا عندما تعرضوا للحملة الأخيرة عن توجيه النقد لبرنامجهم الحزبي الأعجوبة.

السبب في لزوم الصمت هو اعتقادي أنه قد جرى استدراجهم لكمين محكم في توقيت غبي للغاية بالنسبة لهم وربما بالنسبة للجميع حيث قدم الإخوان خدمة مجانية للراغبين في الاستفراد بالساحة وبدت الكثير من عيوبهم التي طالما أخفوها عندما التزموا الصمت تجاه بعض القضايا ومن أهمها بالطبع موقفهم من إسرائيل.

الجزء الأكبر من الصورة يشكله النظام السياسي صاحب اليد الغليظة التي تلبس قفازا حريريا تضرب بها ضربات مؤلمة للغاية نالنا منها الشيء الكثير حتى الآن.

شعارهم إما أن تكون معنا أو علينا, فإن لم تكن معهم فعليك أن تتحمل وتدفع الثمن حصارا في الرزق وتضييقا وإحصاء للأنفاس خاصة وأنهم قد نجحوا في زراعة النخيل البلاستيك والنجوم البلاستيك في كل مكان.

النظام ليس بحاجة إلى ثقافة ولا مثقفين ولا فكر ولا مفكرين ولا من يقرأ كتب التاريخ ولا من يكتب عنه خاصة لو كان هذا الكاتب شيعيا!!.

ياللهول شيعي يصلي على (شقفة)!! ولا بد أن يضرب بلا شفقة ولا رحمة!!.

سمك زلط تمر هندي… في الماضي كان سمك لبن ولكنه الآن زلط حيث من الضروري تكسير أسنان كل من يتمرد على ثقافة القطيع السائدة فيموت جوعا ويفقد القدرة على النطق حتى يتم التخلص النهائي منه.

أقوال مأثورة: (عندما جئت إلى هنا لم أكن أعرف الفرق بين الشيعي والشيوعي ولكنني رغم ذلك لن أتسامح مع الشيعي لأنه ليس على عقيدتي وسأتسامح مع القتلة التابعين للجماعة الإسلامية لأنهم مثلي)……

صدقت هم مثلك وأنت مثلهم والعنف الذي يمارسه الفريقان ينبع من معين ثقافي وأخلاقي واجتماعي واحد!!.

السؤال هو: كيف يَعرف المسلم ومن أين له أن يعرف الفارق بين الشيوعي والشيوعي وهو قد استسلم لأناس فاسدين لا يرون في الدين سوى وسيلة للهيمنة على رقاب العباد والتحكم فيهم.

ما هو وجه المقارنة بين الشيعي الموالي لأهل البيت والشيوعي المادي؟!.

الشيعي الموالي لأهل البيت يؤدي الفرائض الإلهية كاملة غير منقوصة ولا يقع في الأخطاء الفقهية القاتلة التي يقع فيها غيره والتي تؤدي إلى بطلان الصيام والوضوء والصلاة وغيرها من العبادات ودليل أئمة أهل البيت دائما هو الأقوى وهو دوما مطابق لكتاب الله وسنة رسوله سواء كان مصدرها البخاري أو الكافي!!.

الشيعي يحفظ القرآن ويستشهد به ولا يكف عن تلاوته.

الشيعي يتعبد إلى الله بالأدعية الواردة عن الرسول وأئمة أهل البيت عليهم السلام وهو ممن يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ولا ندري حتى هذه اللحظة ما هي جريمته؟!.

مشكلة المتشيع لأهل البيت الوحيدة أن موالاته لهم هي موالاة عملية فهو يوالي من والاهم ويعادي من عاداهم وهذا ما سبب له كل هذه المصائب والويلات طيلة تاريخنا الذي لا يمت للإسلام بصلة رغم أنه يقولون أنه إسلامي!!.

الإصرار على سلخ شيعة أهل البيت من الإسلام وتقديمهم كحالة منفصلة لا تمثل امتدادا للإسلام أو أصلا له كما نعتقد نحن هو جزء من خطة أموية خبيثة كانت ولا زالت سارية وممتدة حتى الآن.

قبل فترة وجيزة حاورتني صحيفة (الوطني اليوم) الناطقة بلسان حزب السلطة ثم قدمت الحوار بعنوان (الشيعي أحمد راسم النفيس يقول)!!.

المتشيع من وجهة نظر هذه الصحيفة الصفراء يمثل حالة منفصلة ومنسلخة عن الإسلام وليس مسلما لا يحتاج إلى شهادة منهم ولا من غيرهم بإسلامه.

إنه إذن صراع بين الشيعة والمتسلطين على الرقاب وليس صراعا بين السنة والشيعة فنحن لا نجادل في حق غيرنا في الاختيار ولكننا نقول أن حق الاختيار إما أن يكون للجميع أو لا يكون.

وإذا لم يكن من حق المسلم أن يختار موالاة أهل البيت أو التشيع لهم فكيف يقال أن الآخرين قد اختاروا مذهبهم خاصة وأن الاختيار هو بين أمرين أو أكثر!!.

ثقافة المثالب

الآن يصر خصوم الشيعة الذين لم يغيروا منهجهم منذ العهد الأموي على وصم الشيعة بكل المثالب والنقائص بدءا من إباحة زواج المتعة وصولا إلى التشفي من بطل العروبة صدام حسين.

لو نظر هؤلاء في المرآة لرأوا العجب العجاب ولاكتشفوا على الفور أن سكوت الآخرين عن تأليف كتب وموسوعات في مثالبهم لا يرجع إلى نقاء صورتهم بل إلى جرأتهم وتبجحهم وما يحظون به من دعم مالي وإعلامي وسياسي.

لم أجد أحمق ولا أوقح من أولئك الذين تباكوا على سفاح العصر صدام حسين معتبرين أن تطبيق حكم الإعدام الصادر في حقه عدوانا على العروبة والإسلام!!.

أين يقع هؤلاء في سلم الحضارة والآدمية والدين؟!.

لو كلف أي منهم نفسه ونظر في المرآة لاكتشف الحقيقة ولتوقف على الفور عن إطراء ذاته المتورمة المشوهة!!.

الأزمة التي نعاني منها لا تعود إلى غياب الديموقراطية فقط كما يقول البعض ولكنها ترجع إلى ذلك الجيل من الديكتاتورين الصغار أو الأقزام المتصنمة التي تريد لنفسها الحرية وترفض أن تعطيها لغيرها.

لو كان هؤلاء الأقزام الأصنام جادين وصادقين في دعاويهم عن الحرية لسعوا إلى الحوار مع الجميع وليس مع السلطة تارة ومع الأمريكان تارة أخرى ودعك من أكاذيبهم التي يطلقونها عن رفض الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية فقد رأيت بعض ممثلي هذه التيارات بعيني رأسي وهم يقدمون الشكر للدكتور سعد الدين إبراهيم على دفاعه عنهم أمام الإدارة الأمريكية.

ورغم أنني لا أعتقد بحرمة الحوار مع الغرب ولكن أعتقد بحرمة الازدواجية الأخلاقية والنفاق وأن تظهر غير ما تبطن وأن تقول للناس شيئا ثم تفعل عكسه.

تلك هي كارثة الكثير من التيارات السياسية المتواجدة في الساحة ولذا فالنظام الحاكم لا يأبه لهم ولا يقيم لهم وزنا وهو يعرف (دية الكثير منهم) كما يقول الناس.

النظام قام بشراء البعض بالمناصب التافهة وقام بتلويث سمعة البعض الآخر وقلما قام النظام بإجبار أحد على السقوط بل كان يراقبهم عن بعد ويبتسم للكثير منهم ويمنحهم في البداية بعض الامتيازات التافهة وكأنه يشجعهم على السقوط وما إن يتم المطلوب ويتمرد الزعيم يجري إخراج الملف والتشهير بصاحبه أو إرساله للمحكمة أو إجباره على الانسحاب في صمت.

العبد الفقير جرى استخدام بعض هذه الأساليب معه بدءا من الضغوط المعاشية والوظيفية (عشر سنوات قبل الحصول على درجة الدكتوراه) التي تمنح للمحظوظين خلال ثلاث أعوام على أقصى تقدير ومع ذلك فشلوا في سحبي إلى القفص.

ضغوط معاشية وإلغاء لتعاقدات العيادة الخاصة حتى نذهب إليهم راكعين ورغم ذلك لم ولن نركع إلا لله رب العالمين.

 

الضغوط الموجهة ضد الحالة الشيعية

 

التشيع في مصر يشكل حالة, يعني ليس حركة سياسية منظمة ولا يمتلك مؤسسات دينية أو اجتماعية والأسباب كثيرة ومتنوعة من أهمها الضغوط الأمنية المتواصلة الخشنة والناعمة ومحاولة شق صفوف الشيعة وإثارة النزاعات بينهم.

الانتقال إلى التشيع أو إلى الاقتناع بضرورة موالاة أهل البيت فقهيا وعقائديا لا يعني بحال من الأحوال الانتقال من (الكفر إلى الإيمان) ولا من الأسود إلى الأبيض قدر ما يعني البدء في إعادة تنظيم العقل المسلم من الداخل وفقا لمعايير منضبطة لا نراها عند غير الشيعة ولأنها غير متوفرة إلا في مدرسة أهل البيت.

لم أرحب يوما ما بإطلاق أوصاف مثل (ثم اهتديت) ولا (الخدعة), فنحن لم ندخل في الإسلام يوم أن عرفنا منهج أهل البيت ولسنا تكفيريين بحال من الأحوال وفي نفس الوقت يتعين على غيرنا أن يجيبوا على سؤال هام وهو لماذا أسقطوا من الثقافة الإسلامية  أغلب تراث أهل البيت إن لم يكن كله؟!.

هذا هو السؤال الذي يصعب عليهم الإجابة عليه.

الضغوط التاريخية على الشيعة وحروب الإبادة والتجويع والتهجير الجماعي الذي تعرضوا له أوجدت لدى أغلبهم حالة من الانفعال والغضب المكبوت التي يصعب على البعض ضبطها والتحكم فيها.

الحمد لله أن هذا الغضب لم يتحول إرهابا ولا سفكا لدماء الأبرياء وقصارى الأمر أنه يَظهر نزقا في التعبير لدى البعض.

الشيعة لا يعرفون مبدأ التكفير وليست هناك حركات إرهابية شيعية وهم ضحايا الإرهاب الوهابي في العراق وباكستان وأفغانستان.

لم نسمع أن انتحاريا شيعيا فجر نفسه وسط المصلين في أحد المساجد كما فعل الوهابيون الإرهابيون.

رغم هذا فإن العاقل الحكيم لا يستسلم لانفعالاته ولا غضبه لأن غالبية الناس هم أيضا ضحايا لهذا التجهيل المتعمد.

الحكمة مكون أصيل من مكونات تراثنا الديني وهي تملي علينا اختيار الألفاظ واختيار المواضيع التي نطرحها على الناس وقد أوصى بذلك رسول الله وأئمة أهل البيت عليهم السلام (خاطبوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون) وقال تعالى (وقولوا للناس حسنا).

مما يؤسف له أن بعض المتشيعين لا يلتزمون بهذه القواعد فيطلقون ألسنتهم بأمور لا تفيد قضية أهل البيت في شيء حتى ولو كانت صحيحة.

من يقرأ كتب التراث السنية أو الشيعية سيرى فيها عجبا!!.

لقد نقل المؤرخون المثالب والمعايب تماما كما نقلوا ما يسمى بالفضائل وليس كل ما نقلوه صحيحا وليس كل ما يعرف يقال.

الشيعة بشر كالبشر فيهم الصادق وغير الصادق وفيهم العاقل وفيهم غير ذلك كما أننا لم ولن نقسم البشر إلى معسكرات وفقا لانتمائهم الديني أو المذهبي ونحن لا نؤمن برؤية أسامة بن لادن التي تقسم العالم إلى فسطاطين فسطاط الكفر مقابل فسطاط الإيمان أو فسطاط الشيعة مقابل فسطاط السنة.

كفانا هراء وهستيريا باسم الدين أو المذهب أو القومية.

الديني أو المذهبي لا يشكلان العنصر الأوحد لبناء المجتمعات فالمسيحيون والبوذيون واتباع كونفوشيوس لهم دول متحضرة ومتقدمة يسعى كثير من المسلمين للهجرة والإقامة فيها.

لا يدهشني إذن أن ينحرف بعض المتشيعين أو أن يحاول البعض الآخر التصرف مع حركة التشيع باعتبارها إرثا منهوبا يمكن لصاحب الصوت الأعلى أو لصاحب اللياقة البدنية والقدرة على ممارسة الحركات البهلوانية أن يستولي عليها.

هذا يفسر بعض ما جرى في الساحة الشيعية المصرية خلال السنوات الماضية.

البعض ممن أعلنوا تشيعهم (وزعامتهم) نصابون ومحتالون من طراز فريد جاءوا إلى التشيع من بطون التيارات القومية والبعض الآخر قفز إلينا من بطون أجهزة (اللهو الخفي) التي ترى أن من واجبها تخريب كل شيء وخلط الحابل بالنابل والاستفادة من كل الأوراق.

أجهزة (اللهو الخفي) تعتبر الملف الشيعي المصري ورقة بالغة الأهمية فالشيعة من كل أنحاء العالم يأتون إلى مصر ولاعبو السيرك هؤلاء يمكن أن يشكلوا نافذة مهمة للإطلال عليهم.

قبل شهور قليلة جرى القبض على بعض هؤلاء الجمبازية ثم خرجوا بعدها ليشيدوا بحسن المعاملة وأنهم كانوا يأكلون في اليوم والليلة ست وجبات فاخرة من بنك الطعام وثم تبين بعد ذلك أن سبب القبض على هؤلاء كان الخلاف على قسمة الغنائم!!.

وكفى فلو بحت بأكثر من هذا لقطع البلعوم كما قال أبو هريرة.

شيعة العراق والعمالة للأمريكان

في إطار اللوثة العقلية التي انتابت البعض كما قلنا قام البعض بشن حملة على شيعة العراق متهما إياهم بالعمالة للأمريكان وأراد أن يسحب هذا الاتهام على الشيعة في العالم بأسره كما قام البعض بالحديث عن خيانة ابن العلقمي للخليفة العباسي.

بداية نقول أن الخيانة والعمالة ليست بالضرورة صفات تلتصق بالأديان والمذاهب.

قمت بالرد من خلال مقالاتي في جريدة القاهرة على أكذوبة ابن العلقمي وأثبت أن الرجل كان ضحية لانهيار العباسيين الأخلاقي والسياسي والعسكري وأنه حاول القيام بما في وسعه فلم تسعفه الظروف والإمكانات.

إذا كان ابن العلقمي خائنا (وهذا ليس بصحيح) فما هو مبرر تعميم الاتهام ضد جميع الشيعة؟!.

هل كان حزب الله اللبناني وآية الله الخميني أيضا من الخونة ومن عملاء الصهيونية والأمريكان؟!.

نسمع هذا الهراء في نفس الوقت الذي تحالف فيه البعض باسم الدفاع عن (أهل السنة) مع أمريكا وإسرائيل ضد حزب الله؟!.

ما هي الجريمة التي ارتكبها شيعة العراق؟!.

ألم ينتفض الشيعة ضد النظام الصدامي عام 1991 وجرى قمعهم بالتواطؤ بين النظم العربية والولايات المتحدة وصدام حسين؟!.

من أين دخلت الجيوش الأمريكية للعراق وأين ترابط هذه الجيوش الآن وهي تتأهب لغزو إيران؟!.

لا جدوى إذن من تلك التقسيمات التعسفية ولا الاتهامات العشوائية وتعالوا إلى العدالة والإنصاف!!.

إلى أين؟؟

هذا هو السؤال.

نحن من دون أدنى شك في حاجة إلى إعادة قراءة الدين وتجديد فهمنا له فهو مكون رئيس من مكونات الحياة ولكنني لا أعتقد أن الإصلاح الديني وحده هو المدخل للإصلاح لأن القبول بهذا المنطق يعني القبول بالمنطق التكفيري للجماعات الدينية التي تقول أن علة مصائبنا هي الخروج عن (هذا الإسلام) والحل يكمن في العودة إلى (هذا الإسلام).

(هذا الإسلام) هو إسلام ابن تيميه الذي اجترأ على حرمة الدماء قديما وحديثا والذي أغلق باب الاجتهاد الفكري والفقهي كى نبقى أسارى للعقد المذهبية السرطانية التي دمرتنا.

(هذا الإسلام) الذي يريد أن يكسب معركة وضع المسلمين في (جيتو) ديني بين الأمم كما أفلح من قبل في وضع شيعة أهل البيت في هذا الجيتو الإرهابي.

من هنا تبدو القيمة العالية للمعركة التي يخوضها الشيعة لكسر أسوار الإرهاب والتخويف المحيطة بهم وهي وحدها التي ستمكن المسلمين من فك الحصار العالمي الذي يراد فرضه عليهم من الداخل كما من الخارج.

من هنا فلا بد من فك التلازم أو ذلك الربط بين الإصلاح الديني فالإصلاح السياسي فهو من وجهة نظري ينبغي أن يسبق الإصلاح الديني لأننا مسلمون منذ 14 قرن ولأن السياسة مسئولة عن حياة الناس اليومية ولا مجال لتأجيل ذلك انتظارا لحسم الجدل القديم الجديد بين السنة والشيعة أو بين ابن رشد والغزالي فالغالبية العظمى من الناس لا تعرف شيئا عن هؤلاء ولا عن مواضيع الخلاف بينهم.

ورغم صحة القول بأنه لا صلاح لأحوال الناس إلا بالعودة إلى الله إلا أن هذا لا يعني أن العودة إلى الله تتلخص في تلك المظاهر التي اكتست بها حياتنا الآن باسم الدين.

العودة إلى الله تعني أول ما تعني عدم محاربته بظلم العباد أو بالاستئثار بالثروة كما يحدث الآن باسم الدين أو بغير اسمه.

العودة إلى الله تعني سلوكا مغايرا لسلوك الذين أثروا من خلال الاتجار باسم الدين. ولا أدري كيف يمكن أن يكون أدلتنا إلى الله أولئك المتخمين المترفين بأموال النفط؟!.

كيف يمكن أن يكون أدلتنا إلى الله من تحالفوا مع إسرائيل ضد حزب الله أثناء عدوانها على لبنان صيف 2006.

العودة إلى الله تعني العودة إلى العدالة ونبذ الظلم والتمييز بين البشر بغير حق وتعني رفض استئثار فئة أو طبقة بالسلطة والثروة وتعني الزهد الواعي وكلها أمور تفتقدها تلك التيارات التي لا تفعل شيئا سوى الحديث عن الإسلام ولكنها لا تطبقه.

أقول أن العلة الحقيقية لتعطل مسيرة الإصلاح هي افتقاد أغلب المتصدرين للشأن الديني والسياسي للمصداقية الأخلاقية وهذه هي علة العلل.

نريد عدلا سياسيا وقانونيا واجتماعيا لا يفرق بين الناس بسبب الدين أو العقيدة أو المذهب.

نريد نظاما سياسيا يهتم بمصالح الناس ومعايشهم وينقذهم من العري والجوع والقهر الذي يقتلهم.

في نفس الوقت يمكن للجدل الفكري أن يستمر ويدور في مناخ من الحرية من دون أن يفترض أحد أن انتصاره في هذا الصراع يعني مكافأته باستلام السلطة والتحكم في رقاب العباد.

وإلى أن يحدث هذا ستبقى أمورنا على ما هي عليه.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏19‏/11‏/2007

[1] البروج 1-9.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق