مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: عن الديمقراطية وأصالة الحقوق

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: عن الديمقراطية وأصالة الحقوق

 

(إن الحق القديم لا يغيره شيء ومن ضاق عليه العدل فالجور أضيق) علي بن أبي طالب.

يكثر الحديث هذه الأيام عن الديمقراطية وعن الأغلبية والأكثرية وعن التخوف من تغلب الأكثرية الشيعية على الأقلية السنية في العراق أما عن غير العراق فليس هناك تخوف من تغول أكثرية على أقلية ولا حتى من افتئات أقلية على أكثرية إذ أن كتابنا القوميين يرون أن النظام العربي معصوم من كل عيب وقد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا!!!.

إن هذه المناقشات تكشف عن أن النظام العربي السياسي والاجتماعي ما زال يحبو في مراحل طفولته العقلية والسياسية ويرفض التغيير والتحضر متمسكا بقيم البداوة العربية الأصيلة حتى ولو كان يتكلم بعربية ذات لكنة إنجليزية!!.

الحق الأصيل والعملية الديمقراطية:

لأن النظام العربي القديم الجديد وطأ بأقدامه الثقيلة كل شيء, الحقوق الأصيلة والحقوق المتجددة فهو يبدو اليوم مترنحا بعد أن قرر أن يتلقى ذلك الحجر الثقيل الذي انقض على رأسه بقرنيه الواهنتين المصابتين بهشاشة القرون بفعل تطاول القرون وكثرة استخدام سلاح النطح المحرم دوليا بمناسبة وبدون مناسبة وكان من الأولى بمن وجه خطابه لسنة العراق (سنة العراق أليس فيكم رجل رشيد) أن يعمم هذا الخطاب لكل العرب ذوي الأصول الإنجليزية والمُضَرية بدلا من الوقوف في وجه سيل التغيير القادم في محاولة يائسة لرده عن  منتهاه وبدلا من الإمعان في سب وتخوين كل العراقيين كما صنع البعثيون بشتى صنوفهم كان على هؤلاء التفرقة بين هذين الصنفين من الحقوق وأن يستخلصوا عبرة القرون الماضية (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص) ق 36 التي تحتم عليهم استخدام العقل والمنطق بدلا من مُدى الباقين من العصر الحجري فضلا عن قرونهم.

على العرب أن يتوجهوا نحو إقامة عقد اجتماعي وسياسي جديد الآن وليس غدا عقد يقوم على تكافؤ الحقوق والمساواة بين البشر بدلا من ذلك القائم على البطش وحراس الأمن عقد جديد لا يقتصر على العراق وحده بل يمتد إلى مجمل العالم العربي وهذا دون سواه هو الكفيل بتمرير عاصفة الهجوم الأمريكي على  النظام العربي بدلا من دفعه نحو مواجهة لا قبل لهم بها وهو وحده الذي يغنيهم عن الحج إلى البيت الأبيض لطلب الحماية من الغالبية الشيعية أو للوقوف في وجه ما يسمونه بالتدخل الإيراني في الشأن العراقي مع احتفاظهم هم بحق التدخل في شئون العراق فضلا عن مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة!!.

الحقوق الأصيلة تتضمنها الدساتير الدينية والأخلاقية (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) الرحمن 7-9 بل والدساتير الوضعية والاتفاقات الدولية التي وقع العرب على العشرات منها.

تلك الدساتير التي تكفل حرية العقيدة والعبادة للجميع سنة كان أم شيعة مسلما كان أم غير مسلم وحق الإنسان في معاملة قانونية عادلة وحقه في الحصول على عمل ووظيفة تتلاءم مع قدراته وكفاءاته وحقه في التعبير عن رأيه ومعتقده بصورة فردية أو جماعية فضلا عن حقوقه السياسية وكلها أمور لا نعتقد أن العرب يملكون سجلا مشرفا فيها ويشهد على هذا التدهور التاريخي تلك السجلات والأضابير المفتوحة لهم في كل المنظمات الدولية ثم يتساءلون في براءة يحسدون عليها عن السر الذي يجعل ملفات تلك النظم مفتوحة دائما في مجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان!!.

إنها التزامات وحقوق كفلها الدين والقانون لكل إنسان خلقه الله وهي لا تتعلق بكونه من الأغلبية أو من الأقلية وهو حق غير قابل للتصرف حتى ولو تحولت الأقلية إلى أغلبية أو العكس وهذا هو أحد أهم ركائز الديمقراطية كما يعرفها العالم لا كما يريدها العرب.

الآن أصبح الملف العراقي في مقدمة الأحداث وكنا نتمنى من عقلاء العرب أن يتأملوا في أسلوب تعاملهم معه بعيدا عن أسلوبهم التقليدي المُضَري وأن يجعلوا منه مقدمة للمصالحة العربية الشاملة بدلا من الاكتفاء بمطالبة العراقيين دون غيرهم بتلك المصالحة.

إنه مما يؤسف له أن في نفس الوقت الذي يعزف فيه العرب (أشجى ألحانهم) على أوتار الصراع المذهبي الإسلامي- الإسلامي ويتبارى البعض في إطلاق التصريحات التحريضية ويطلق آخرون بالونات الاختبار فقد أدرك الغرب الذي يمارس الآن وصايته علينا شئنا أم أبينا أقررنا أم أنكرنا ومنذ أمد بعيد ضرورة التفرقة بين هذين الصنفين من الحقوق وأن العملية الديمقراطية التي يجري الإعداد لها في العراق لا تطال تلك الحقوق الأصلية غير القابلة للتصرف ولا للتفاوض حيث يقول أحد العاملين في الإدارة الأمريكية: “اليوم نرضخ صاغرين لفكرة حكومة دينية، وكل شروطنا هي وجود دستور يضمن حقوق الإنسان يحد من صلاحياتها.. ولكن هذا لم يكن ما نريده في البداية.” ومن المعروف أيضا أن الإدارة الأمريكية أرادت حكومة علمانية تصادق إسرائيل ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.
ماذا تغير في العرب؟؟.

يبدو أن لا شيء قد تغير وأننا ما زلنا نواصل التدهور!!.

والشاهد أن ذلك الملك الذي تحدث عن استحالة التعايش الشيعي السني قد وجه طعنة نافذة إلى مجمل النظام العربي عندما قال في حديثه للواشنطن بوست (أن المتطرفين السنة يرفضون التعايش مع هذا النظام) وإذا كان من وصفهم (جلالته) بالمتطرفين السنة يرفضون التعايش مع الشيعة في الداخل فمن باب أولى فالحديث الذي تلوكه هذه النظم عن التعايش والتسامح وتجديد الخطاب الديني هو مجرد غناء في الحمام وأن هؤلاء المتطرفين جاهزون بطائراتهم ومتفجراتهم لتكرار هجماتهم بمجرد أن تتحسن الظروف وينسى العالم فعلتهم الأولى وربما أراد جلالته أن يقول أن مواصلة الاحتلال الأمريكي هو الضمانة الوحيدة لأمن العالم وأمن العراق ولكن خانه التعبير!!.

العرب حينما يتحدثون عن التسامح يوجهون حديثهم إلى الخارج الذي لم يعد يصدقهم كثيرا أما في الداخل فأسلوبهم الأمثل في التعامل مع الآخر هو الغلبة والمغالبة وعندما اجتمع العرب في القاهرة لبحث قضية التسامح وأرادوا أن يختاروا نموذجا (إسلاميا) لهذا التسامح لم يجدوا سوى يوسف بن أيوب الذي كان نموذجا مجسدا للبطش وسفك الدماء وقمع حرية الرأي والمذهب في الداخل وكأنهم أرادوا أن يقولوا للعالم هذا ديننا وهذه هي طريقتنا في التعامل مع من لا يرى ما نرى من مذهب أو تصور.

السادة الذين يولولون الآن على (جماعة المتضررين من سقوط صدام من بين سنة العراق) ويحرضونهم على مقاطعة الانتخابات ومواصلة القتال وسفك دماء العراقيين كان عليهم أن يطالبوهم بالاندماج في مجتمعهم والكف عن محاربته وتحريض العالم على بلدهم وشعبهم كما يفعل الضاري بنوعيه مثنى ومثلث الموت.

كل ما هو مطلوب من العرب أن يراقبوا ويتأكدوا من أن دستور العراق الجديد يضمن الحقوق الأصيلة للجميع أيا كانت طوائفهم أو مذاهبهم وليس سنة العراق وحدهم ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا وإنما انطلقوا يدافعون عما يرونه حق فئة واحدة في استمرار هيمنتها على بقية مكونات العراق!!.

فلماذا لم يفعلوا؟؟.

أغلب الظن أنهم لو فعلوا فسيجدون أنفسهم وقد فتحوا على أنفسهم أبواب جهنم فالبيت العربي كله هو بيت من زجاج وهناك الكثير من الملفات الملتهبة هنا وهناك سواء منها المتفجر فعلا أو القابل للانفجار بين لحظة وأخرى.

فما هو الحل إذا؟؟.

الحل هو الإصلاح الدستوري والسياسي.

الإصلاح الدستوري الذي يعطي كل مواطن حقوقه التي تحدثنا عنها سابقا سواء كان من الأغلبية أو من الأقلية من دون أن يحتاج للتظاهر أو للجوء إلى القضاء أو استخدام العنف.

والإصلاح السياسي الذي يأتي بحكومة منتخبة وممثلين منتخبين لا يكون من حقهم إلغاء حقوق الإنسان الأساسية.

هذا أو الخراب الآتي.

دكتور أحمد راسم النفيس.

Arasem99@yahoo.com

13-12-2004.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق