مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: من أُحد إلى كربلاء… من حمزة إلى الحسين!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: من أُحد إلى كربلاء… من حمزة إلى الحسين!!

رغم أن الواقع المأساوي للمسلمين لم يبدأ يوم أمس إذ أن تاريخنا زاخر  بالكوارث والمصائب التي تكاد تكون هي السمة الغالبة، إلا أنهم يعشقون اللون البمبي ويكرهون كل من يذكرهم بالجانب الأسود في تاريخهم.

قدم القرآن الكريم سجلا وافيا للأحداث والتحولات التي شهدها البشر عامة والمسلمون خاصة حلوها ومرها وأشار إلى العبر والدروس التي يتعين استخلاصها ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

دوما كان للطبقة المتغلبة على المسلمين وجهة نظر مغايرة مفادها أننا لا نأخذ من التاريخ إلا ما يروق لنا وما لا يشوش على الصورة الوردية التي تقرر فرضها على الرأي العام وجعلها معيارا للحق والحقيقة.

أيضا فإن جماعة المزورين أكدوا لنا أن المرحلة الأولى من تاريخ الإسلام، مرحلة النبوة بشخوصها وأحداثها التي ذكرها القرآن منفصلة تماما عما جاء بعدها تلك التي تصدرها ما يسمى بالخلفاء الراشدين ثم الأمويون الذين نقلوا الإسلام من المحلية إلى العالمية عبر ما يسمونه بالفتوحات وكأن أعداء محمد وآل محمد وأكابر مجرمي قريش هم الخلق المناسب في الوقت المناسب وكأن قوله تعالى (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ينطبق عليهم!!.

أيضا فإن هذه الخلطة الدعائية تريد أن تقول لنا أنه لولا القضاء على أهل البيت والتخلص منهم لما انتقل الإسلام من المحلية إلى العالمية!!.

بنو أمية يوم بدر وأحد كانوا شياطين صاروا ملائكة بمجرد نطقهم بالشهادتين حيث جرى تسجيلهم في وعينا المزيف باعتبارهم صناع مجد الإسلام وبناة حضارته بعد أن أفنوا أعمارهم وضحوا بأرواح قادتهم يوم بدر وأحد من أجل هدم الإسلام بمجرد تغيير بطاقة الهوية وإضافة (مسلم) في خانة الديانة!!.

بنو أمية حاربوا الدين وسعوا لإطفاء نور الله يوم بدر وأحد والخندق لكنهم كفروا عن كل ذنوبهم وجرائمهم ورفعوا راية الإسلام خفاقة في العالمين!.

عندما يرد ذكر فاجعة كربلاء والطريقة البشعة التي قتل بها الحسين السبط وأهل بيته الأطهار يتخبطهم الشيطان من المس وكأنما لدغتهم الأفاعي فيقولون (تلك أمة قد خلت)، ما لنا وللتاريخ!!.

الدفاع عن بني أمية وتسويغ جرائمهم والرضوخ لنهجهم قام ويقوم على دعامتين: الأولى حجة التقادم (تلك أمة قد خلت!!) والثانية حجة الانقطاع فهؤلاء لا علاقة لهم بهؤلاء ومعاوية ويزيد ليسوا عتبة بن ربيعة ولا شيبة ولا الوليد بن عتبة!!.

وبينما تحدث القرآن الكريم عن صراط الله المستقيم وحذرنا من اتباع المجرمين الضالين المضلين وقص علينا قصص الأولين وسيرة النبي محمد وجهاده وتضحيته وأهل بيته في مواجهة أعداء الدين (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) إذا بالطبقة المتغلبة تبيض صفحة هؤلاء وتنسخ آيات الله التي فضحتهم وكشفت جرائمهم وتعتبر أن أي مس بهم أو عدم تقديسهم والثناء عليهم هو اعتداء على صحيح الدين!!.

تحدث القرآن الكريم عن واقعة أحد التي كانت انكسارا في مواجهة قوى البغي القرشي والتي استشهد فيها أحد أبرز رموز الإسلام الصاعد آنئذ حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يكن استشهاده حدثا عشوائيا بل عملا مخططا ومدروسا أملاه الحقد ورغبة الانتقام من هذا البطل الرمز.

لم تكن العصابة الأموية ومنذ البدء تحارب الإسلام بصورة عشوائية أو تسعى لقتل أكبر عدد من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم أولئك الذين كشفت المواجهة يوم أحد عن هشاشة إيمانهم وخواء قلوبهم بينما يفضحهم القرآن ويكشف عن دناءتهم (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

استشهاد حمزة بن عبد المطلب

 

يروي المؤرخون: وَكَانَ وَحْشِىّ عَبْدًا لابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَتْ ابْنَةُ الْحَارِثِ: إنّ أَبِى قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْت أَحَدَ الثّلاثَةِ فَأَنْتَ حُرّ، إنْ قَتَلْت مُحَمّدًا، أَوْ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَوْ عَلِىّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ، فَإِنّى لا أَرَى فِى الْقَوْمِ كُفُؤًا لأَبِى غَيْرَهُمْ.

قَالَ وَحْشِىّ: أَمّا رَسُولُ اللّهِ فَقَدْ عَلِمْت أَنّى لا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَنّ أَصْحَابَهُ لَنْ يُسْلِمُوهُ، وَأَمّا حَمْزَةُ، فَقُلْت: وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته نَائِمًا مَا أَيْقَظْته مِنْ هَيْبَتِهِ، وَأَمّا عَلِىّ فَقَدْ كُنْت أَلْتَمِسُهُ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِى النّاسِ أَلْتَمِسُ عَلِيّا إلَى أَنْ طَلَعَ عَلَىّ فَطَلَعَ رَجُلٌ حَذِرٌ مَرِسٌ كَثِيرُ الالْتِفَاتِ.

فَقُلْت: مَا هَذَا صَاحِبِى الّذِى أَلْتَمِسُ إذْ رَأَيْت حَمْزَةَ يَفْرِى النّاسَ فَرْيًا، فَكَمَنْت إلَى صَخْرَةٍ وَهُوَ مُكَبّسٌ لَهُ كَثِيبٌ، فَاعْتَرَضَ لَهُ سِبَاعُ بْنُ أُمّ أَنْمَارٍ – وَكَانَتْ أُمّهُ خَتّانَةً بِمَكّةَ وَكَانَ سِبَاعٌ يُكَنّى أَبَا نِيَارٍ – فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: وَأَنْتَ أَيْضًا يَا ابْنَ مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ مِمّنْ يُكْثِرُ عَلَيْنَا. هَلُمّ إلَىّ فَاحْتَمَلَهُ حَتّى إذَا بَرَقَتْ قَدَمَاهُ رَمَى بِهِ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَشَحَطَهُ شَحْطَ الشّاةِ. ثُمّ أَقْبَلَ إلَىّ حِينَ رَآنِى، فَلَمّا بَلَغَ الْمَسِيلَ وَطِئَ عَلَى جُرُفٍ فَزَلّتْ قَدَمُهُ فَهَزَزْت حَرْبَتِى حَتّى رَضِيت مِنْهَا، فَأَضْرِبُ بِهَا فِى خَاصِرَتِهِ حَتّى خَرَجْت مِنْ مَثَانَتِهِ.

كان استشهاد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله عملا مخططا ومدروسا وليس بسبب قذيفة أصابته أو رصاصة طائشة، يراد منه التخلص من نجوم هذه الأمة ورموز هدايتها أبرار بني هاشم!!.

المعنى أن المواجهة التي بدأت بين الشرك الأموي والحق المحمدي يوم بدر ما تزال ممتدة حتى الظهور المهدوي لم تكن على المشاع كما يزعم إعلام الفئة الباغية المتغلبة حيث كان معسكر الكفر يلجأ دوما لاستهداف الرموز والنجوم المضيئة التي لو بقيت واستكملت عطاءها لكان للبشرية عامة والمسلمين خاصة الآن شأن مختلف.

حق وباطل ولكل أهل.

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).

ليس فقط قتلوا حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وإمامنا الحسين بل عملوا لطمس نورهم وإخفاء سيرتهم حيث لم يبق لنا في دفتر الوعي إلا أشباه الرجال ولا رجال.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏22‏/08‏/2020

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق