مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: دفاع النفيس عن الوزير الخائن (ابن العلقمي)؟! نقلا عن جريدة القاهرة بتاريخ 11-8-2005

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: دفاع النفيس عن الوزير الخائن

نقلا عن جريدة القاهرة بتاريخ 11-8-2005

 

الشاعر كمال عبد الرحيم غاضب من العبد لله بسبب (دفاعه عن الوزير ابن العلقمي “الرافضي الخبيث” الذي قام بتسليم مفاتيح بغداد للتتار) وحجته في ذلك ما ذكره ابن تغري بردي وابن كثير عن تلك الواقعة.

كما ذكر الأستاذ عبد الرحيم أيضا أنه (قارئ جيد) للتاريخ وأنه لم ولن يسمح لأحد بتزييف وعي الأمة!!.

أما قارئ فنعم وأما (جيد) فهو ما يحتاج إلى إثبات إذ لو كان الأمر كذلك لقرأ الأستاذ مقالي قراءة جيدة ولأدرك أنه لم يكن منصبا على الدفاع على الوزير ابن العلقمي بل كان موجها ضد أولئك التهييجيين الذين لا يكفون عن سب الناس وشتمهم ووصفهم بالرافضة ويقومون بتوزيع تهم الكفر والخيانة والعمالة على أعقابهم وأعقاب أعقابهم وهو ما لا يقره شرع ولا يرضاه دين وهب أن الوزير العلقمي كان خائنا فهل يجوز اتهام كل الشيعة بالخيانة والعمالة كما يفعل الزرقاويون القدامى الذين استشهد بهم شاعرنا عبد الرحيم من أمثال ابن كثير وابن تغري بردي؟؟!!.

ألم يقرأ شاعرنا قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى)؟؟!!.

أو لم يقرأ أيضا قول الحق تبارك وتعالى (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) ليدرك أن كلمة الرافضة التي يوصف بها شيعة أهل البيت داخلة في لائحة المحرمات التي ينبغي أن يتنزه عنها أي قارئ جيد لكتاب الله.

وقبل أن ندخل في التفاصيل نقول أننا نلتمس العذر للشاعر كمال عبد الرحيم فهو ابن ثقافتنا السردية التجزيئية التي لم تعتن يوما ما بتقديم تفسير كلي لمسار الأمة التاريخي ويكفي أن جورنالجي الزعيم الأوحد ينفق ما تبقى من عمره لإثبات أنها كانت نكسة وليست هزيمة مع أنها كانت نكبة وكارثة عظمى.

ينقل شاعرنا عن «النجوم الزاهرة» لـ «ابن تغري بردي».. ما نصه: «وكان وزير الدولة مؤيد الدين ابن العلقمي ببغداد وكان رافضيا خبيثا (..) حريصا علي زوال الدولة الإسلامية ونقل الخلافة إلي العلويين ومازال يثير الفتن بين أهل السنة والرافضة حتى تجالدوا بالسيوف وقتل جماعة من الرافضة ونهبوا فحنق الوزير ابن العلقمي ونوي الشر في الباطن وأمر أهل الكرخ الرافضة بالصبر وقال لهم «أنا أكفيكم فيهم».

ابن تغري بردي يزعم أن الوزير ابن العلقمي هو (من أثار الفتنة بين الرافضة وأهل السنة) وان الأمر كان مجرد شجار عادي من تدبير (الرافضي الخبيث) بينما يقول ابن خلدون المتحامل بدوره على العلقمي (كان ابن العلقمي رافضياً هو وأهل محلته بالكرخ‏.‏ وتعصب عليهم أهل السنة وتمسكوا بأن الخليفة والدوادار يظاهرونهم فأوقعوا بأهل الكرخ‏.‏ وغضب لذلك ابن العلقمي ودس إلى ابن الصلايا بإربيل وكان صديقاً له بأن يستحث التتر لملك بغداد) أي أن أنصار الدوادار هم من هجموا وقتلوا! أما الرسول فهو ابن الصلايا‏.‏

أما ابن تغري بردي فيقول غير ذلك «أن الوزير أرسل إليهم غلامه وأخاه وسهل عليهم فتح العراق وأخذ بغداد وطلب منهم أن يكون نائبهم بالبلاد فوعدوه بذلك».

أما الأسباب الحقيقية لسقوط الدولة العباسية بأيدي التتار فكثيرة ومتعددة ومن بينها ما ذكره ابن خلدون في تاريخه (وفي سنة 622هـ توفي أبو العباس أحمد الناصر بن المستضيئ لسبع وأربعين سنة من خلافته وكانت حاله مختلفة في الجد واللعب وكان متفننا في العلوم ويقال أنه الذي أطمع التتار في ملك العراق لما كان بينه وبين خوارزم شاه من الفتنة “لاحظ وتأمل” وكان كثيرا ما ينشغل برمي البندق واللعب بالحمام ويلبس سراويل الفتوة شأن العيارين من أهل بغداد وكان ذلك دليلا على هرم الدولة وذهاب الملك عن أهلها بذهاب ملاكها).

أما عن أوضاع الدولة نفسها بعد هذا المستضيئ فيقول عنها ابن خلدون (لم يزل الخليفة المستنصر ببغداد في النطاق الذي بقي لهم بعد استبداد أهل النواحي وتملك التتار سائر البلاد وتغلبوا على ملوك النواحي ودولهم أجمعين ثم زاحموهم في هذا النطاق وملكوا أكثره ثم توفي المستنصر سنة 641 وبويع بالخلافة ابنه عبد الله المستعصم)

التفسير الرسمي التتري لما فعلوه بمكتبة بغداد:

يقول ابن خلدون: واستولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يحصره العدد والضبط وألقيت كتب العلم التي كانت في خزائنهم بدجلة مقابلة بزعمهم لما فعله المسلمون بكتب الفرس عند فتح المدائن!!.

وهو نفس ما فعله صلاح الدين بمكتبة القاهرة.

أين كانت أمة لا إله إلا الله من سقوط بغداد؟؟!!.

لا أدري أين كانت هذه الغيرة والحماس على أمة الإسلام يوم أن اجتاح التتار بغداد (بمؤامرة من الوزير الشيعي) ولماذا لم يتحرك “أبطال الإسلام المماليك” لنصرة دولة الخلافة العباسية التي كان يخطب على المنابر باسم خليفتها؟؟.

كان على قارئ التاريخ الجيد أن يبحث عن إجابة لهذا السؤال ولأن أحدا لن يسأل وأحدا لن يجيب فسنقوم نحن بالمهمة:

سقطت بغداد كما هو معلوم عام 656هـ أي أن الاستعدادات للغزو كانت قائمة قبل هذا على قدم وساق وكانت مدن وبلدان فارس والعراق تتساقط مدينة تلو الأخرى بينما كانت مصر مشغولة عام 655هـ بمعركة القباقيب الكبرى الدائرة بين عز الدين أيبك وحرمه ربة الصون والعفاف الست أم خليل ملكة مصر وقد تزايدت الوحشة بين الزوجين العزيزين فعزم على قتلها‏ وذلك أنه كان قد بعث يخطب ابنة صاحب الموصل‏ وأتفق أن المعز قبض على عدة من البحرية وسيرهم ليعتقلوا بقلعة الجبل فلما وصلوا تحت الشباك الذي تجلس فيه شجر الدر قال أحدهم والله يا خوند ما علمنا ذنباً يوجب مسكنا إلا أنه لما سير يخطب بنت صاحب الموصل ما هان علينا لأجلك فإنا تربية نعمتك ونعمة الشهيد المرحوم فلما عتبناه تغير علينا وفعل بنا ما ترين فأومأت شجر الدر إليه بمنديل يعني‏:‏ لقد سمعت كلامك فلما نزلوا بهم إلى الجب قال أيدكين‏:‏ إن كان حبسنا فقد قتلناه‏.‏ وكانت شجر الدر قد استبدت بأمور المملكة ولا تطلعه عليها وتمنعه من الاجتماع بأم ابنه وألزمته بطلاقها ولم تطلعه على ذخائر الملك الصالح‏ فأقام الملك المعز بمناظر اللوق أياماً حتى بعثت شجر الدر من حلف عليه‏ فلما صعد إلى قلعة الجبل آخر النهار‏ ودخل إلى الحمام ليلاً فأغلق عليه الباب وأخذ بعضهم بأنثييه وبخناقه ثم قتلوه‏.‏ فلما أقيم ابن المعز في السلطنة حملت شجر الدر إلى أمه فضربها الجواري بالقباقيب إلى أن ماتت وألقوها من سور القلعة إلى الخندق وليس عليها سراويل وقميص فبقيت في الخندق أياماً وأخذ بعض أراذل العامة تكة سراويلها‏.‏ ثم دفنت بعد أيام وقد نتنت وحملت في قفة بتربتها قريب الشهد النفيسي‏.‏

كنا نتمنى على الشاعر عبد الرحيم أن يتأمل في هذا الدرك الأخلاقي الذي وصلت إليه الطبقة الحاكمة بدلا من تكرار ما يقوله الزرقاويون القدامى والجدد.

وقبل هذا في سنة 632هـ استولى الفرنج على قرطبة.. أي أن العالم الإسلامي كله كان يتساقط وليس بغداد وحدها!!.

جناية العباسيين على الفاطميين:

سقطت القاهرة في يد العبيد والمرتزقة قبل سقوط بغداد بقرابة المائة عام وكان لمخابرات الدولة العباسية ورجالاتها من المماليك اليد الطولى في تحقيق هذا (الإنجاز) ولأن الحكمة تقول (أكلت يوم أكل الثور الأسود) كان من الضروري أن يلقى العباسيون نفس المصير الظالم الذي أذاقوه لغيرهم … هذه المرة على يد التتار.

أنصار صلاح الدين كانوا ولا زالوا يزعمون أن إسقاط الدولة الفاطمية وإقامة دولة المماليك كان ضروريا للدفاع عن الإسلام ضد الحملة الصليبية فلماذا لم يكن الأمر كذلك ضد الهجمة التترية؟!.

دمرت مكتبة مصر الكبرى أعظم مكتبات العالم على يد رجالات العباسيين ثم دمرت مكتبة بغداد على يد التتار بعد ذلك بأقل من مائة عام!!!.

ماذا استفاد المسلمون من هذه الحروب الخاسرة؟؟!!.

الجواب: لا شيء فالمسلمون لا يتعلمون ولا يتعظون مما ألحقوه بأنفسهم من خراب ودمار.. ناهيك عن تلك الطبقة الغريبة من البشر ممن نقل عنهم شاعرنا ما كتبوه في صحفهم من هجاء لخصومهم في الرأي والمذهب.

مؤرخنا المصري العظيم المقريزي يقول عن هؤلاء الذين أبدعوا في فن الهجاء والافتراء على كل ما هو شيعي:  ومما يدلك على كثرة الحمل عليهم (على الفاطميين) أن الأخبار الشنيعة لا سيما التي فيها إخراجهم من ملة الإسلام لا تكاد تجدها إلا في كتب المشارقة من البغداديين والشاميين كالمنتظم لابن الجوزي والكامل لابن الأثير وتاريخ حلب لابن أبي طي وتاريخ ابن كثير وكتاب ابن واصل الحموي وكتاب ابن شداد وكتاب العماد الأصفهاني ‏ أما كتب المصريين الذين اعتنوا بتدوين أخبارها فلا تكاد تجد في شيء منها ذلك ألبتة‏.‏ فحكم العقل واهزم جيوش الهوى وأعط كل ذي حق حقه ترشد إن شاء الله تعالى‏.‏ ا.هـ.

ونحن نقول لشاعرنا ما قاله شيخنا المقريزي: فحكم العقل واهزم جيوش الهوى وأعد قراءة التاريخ بإمعان وتدبر ولا تصدق كل ما يقال مسبوقا بلقب (ابن) وأعط كل ذي حق حقه.

فلم يعد لدينا قدرة على تحمل المزيد من الكوارث والنكبات.

دكتور احمد راسم النفيس

5-8-2005.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق