مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: هل يشهد العالم مولد نظام عالمي جديد: الإسلام كبديل الجزء الثاني؟

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: هل يشهد العالم مولد نظام عالمي جديد: الإسلام كبديل الجزء الثاني؟

 

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).

شهدت خمسينات القرن الماضي فورة غضب ورفض ضد الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي فضلا عن تحميله المسئولية عن حال التخلف والتراجع الذي يعيشه المسلمون.

تبنت أدبيات تنظيم الإخوان هذه السردية:

بريطانيا هي من عطلت الحكم بالشريعة الإسلامية بعد احتلالها لمصر سنة 1882 مـ.

اليهود وتحديدا يهود الدونمة يتحملون مسئولية سقوط الدولة العثمانية وتفككها أما ملوكها وقادتها (فكانوا خير أمة أخرجت للناس) ولا يتحملون أي مسئولية ولولا التآمر عليهم لبقي حكمهم ألف عام!!.

الأوروبيون وقبل انسحابهم من البلدان الإسلامية التي احتلوها تركوا وراءهم شرذمة من الحكام العملاء أصحاب الثقافة الغربية الذين تربوا في مدارس الألسن ولذا فهم –ولأسباب فكرية بحتة- يدينون بالولاء لهم!.

ورغم تخبط هذه الادعاءات وعدم استنادها لأدلة أو دعائم فقد حظيت بالرضا والقبول لأنها تعفي المسلمين من المسئولية وتلقي بها على كاهل العدو وتجعل مهمة (حركات الإصلاح) التي تكاثرت وانتشرت سهلة للغاية فهي قاصرة على (العودة إلى الإسلام) ويكاد يختصرها شعار (الإسلام هو الحل) الذي رفعته جماعة الإخوان بعد رش بعض البهارات والزعم بأن الجماعة وحدها هي التي (فهمت الإسلام فهما صحيحا شاملا كاملا كما أنه دين ودولة ومصحف وسيف)!!.

ورغم أن (الجماعة الوحيدة) لعبت دورا رئيسيا في الانقلاب على حكم أسرة محمد علي مما أدى لوصول (البكباشي) جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم وهو لم يكن من خريجي مدارس الألسن ولا السوربون بل خريجا للكلية الحربية المصرية وكذا كل من جاءوا بعده!!.

لو تأملنا حال مصر قبل انقلاب يوليو 1952 وحالها بعد الانقلاب، خاصة بعد هزيمة يونيو 1967 أمام اليهود لأدركنا أنه وبدلا من إنهاء النفوذ الغربي فقد تكرس هذا النفوذ بل وتضاعف ما لا يقل عن مائة مرة ولا يتحمل الغرب وحده مسئولية الهزيمة لأنه دعم العدوان وإنما ذلك النظام التسلطي الذي خرج من رحم الجماعة والذي جاء (يكحلها فأعماها)!!.

وقبل ذلك كانت مصر مكبلة بأغلال اتفاق 1840 الذي فرضته القوى الغربية على محمد علي باشا وأجبرته على سحب جيشه من الشام وألزمته بتحديد عدد هذا الجيش حيث تضمن الفرمان العثماني ألا يزيد عدد الجيش المصري في زمن السلم عن 18000 الف جندي وللباب العالي ان يرفعه الى ما شاء في زمن الحرب وألا تبني مصر سفنا حربية الا بإذن صريح من الباب العالي.

المعنى أن وقوع العالم الإسلامي تحت وطأة النفوذ الغربي مقابل التطلع المحق والمشروع للتخلص من هذه الهيمنة هو نتيجة للأخطاء الفادحة التي ارتكبها المسلمون طيلة تاريخهم وليس من المنطقي أن نخلط بين النتيجة والأسباب.

ومن خلال قراءتنا للتاريخ يمكننا القول أن سقوط العالم الإسلامي في القاع الحضاري حدث إثر إسقاط الحضارة الفاطمية ودولتها في مصر وهو حدث شارك في تنفيذ الجزء الأهم منه متآمرون يرفعون شعار الإسلام والدفاع عن العقيدة الصحيحة مما أدى لوقوع مصر تحت حكم العبيد المماليك لفترة جاوزت الستة قرون إلى أن أزاحهم نابليون بونابرت.

الاحتلال الغربي لم يهبط على رؤوسنا فجأة بالمظلات حيث كانت تلك الظروف والأوضاع تمهيدا منطقيا لتحويل أمتنا إلى أمة مرهقة ومستعبدة.

صحيح أن الاحتلال الغربي بعد تمكنه قد تسبب في مزيد من التفكك والانهيار ومن الطبيعي أن يعمل على إحكام قبضته على رقاب المسلمين وأن يدفعهم نحو مزيد من التبعية والانحدار وأن يتفنن في توظيف أساليبه الشيطانية وفقا لقاعدة فرق تسد.

العالم الإسلامي وبسبب جهل وغرور أغلب من حكموه وقع في الفخاخ المنصوبة له من قبل هذا الغرب وما إن سقط حتى بدأت عملية الذبح والسلخ والتقطيع.

هل يمكن الخروج من الحفرة؟!

علينا أولا أن نقر ونعترف بمسئوليتنا عن نقاط الخلل والضعف وأهمها تلك العداوات والإحن والأحقاد التي مزقت شمل الأمة وأنهكتها كما سولت وزينت لبعض الأعراب أن يسارعوا لطلب الرضا اليهودي زاعمين أنهم يتعرضون لمخاطر وتهديدات من الجارة إيران رغم عجزهم عن إثبات وجود مثل هذا الخطر بأي دليل ملموس!!.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ).

ولأننا نتطلع لنظام عالمي جديد أكثر عدالة وأمنا واحتراما لحقوق البشر قولا وعملا وليس قولا فقط كما هو الحال الآن فإننا نعتقد جازمين أن أمتنا الإسلامية تمتلك خاتم الرسالات التي وعد الله تبارك وتعالة أن يظهرها على الدين كله ولو كره المشركون وهي مرشحة لتكون رائدة وطليعة لهذا التأسيس الإنساني الجديد.

إنه إعادة تأسيس للنظام الإنساني وللعلاقات بين البشر وهذا هو جوهر رسالة السماء التي حملها رسول الله لكل البشر وليس لعرق بعينه.

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

إعادة تأسيس النظام الإنساني تحتاج لرجال من نوع مغاير لذلك النوع الفاسد المتجبر الذي طالما حكم وتحكم في رقاب البشر وأذل أعناقهم وصادر أقواتهم وأعمى أبصارهم!!.

شتان بين تلك الإنسانية الواضحة التي تسوي بين البشر رغم اختلاف اللون والعرق وبين الدولة العنصرية الاستعلائية التي يزعم اليهود أنهم بصدد إقامتها حيث لا يرى هؤلاء في المختلفين معهم إلا حفنة من الدواب أوجدها الله ليركبها شعب الله المختار!!!.

هذا هو معنى قوله تعالى (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.

شتان أيضا بين تلك الإنسانية والنظرة الاستعلائية الأوروبية التي تقوم على النظرة الفوقية التي تزعم أن الرجل الأبيض هو سيد هذا العالم وهو ما رأيناه بأم أعيننا في الأحداث العنصرية التي شهدتها أمريكا في مايو هذا العالم.

مؤخرا أدلى إيمانويل ماكرون بتصريحات قال فيها: الإسلام دين يعيش أزمة اليوم في جميع أنحاء العالم داعيا إلى “فهم أفضل للإسلام” وتعليم اللغة العربية. كما تمنى “إسلامًا يكون في سلام مع الجمهورية”، وخالياً من “التأثيرات الخارجية”.

لا شك أن هذه التصريحات تكشف عن عمق الأزمة التي يعاني منها ليس فقط المسلمون بل أيضا الاستكبار العالمي ومن ضمنه فرنسا.

ليس فقط الإسلام هو الذي يعيش أزمة بل أيضا اليهودية والمسيحية.

المسيحية تفككت منذ أمد بعيد إلى مسيحيات متحاربة ويكفي أن نشير للدور الذي لعبته المسيحية الغربية في القضاء على نفوذ المسيحية الشرقية وتقزيم وجودها ودورها.

ليت الأمر وقف عند هذا الحد حيث تمكنت الصهيونية وعبر الحركة البروتستانتية من تحويل المسيحية لتصبح مجرد رافد من الروافد التي تصب لصالح الوعد اليهودي المزعوم.

أما اليهود ورغم حالة العلو الزائف التي وصلوا إليها فهم كالساعي إلى حتفه بظلفه إذ أن الإصرار على مواصلة إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات يعني الوصول إلى المواجهة الصفرية مع الأمة الإسلامية حيث لا مجال لتسويات ولا حلول وسط.

اليهود بسلوكهم العدواني وصلوا إلى نتيجة لا مفر منها وهي حتمية المواجهة النهائية مع المسلمين فإما أن يتمكنوا من إبادتهم وإخضاعهم أو يحدث العكس وهذا هو المرجح عندنا.

التدين المسيحي في بعده الشخصي آخذ في التدهور والانحدار منذ أمد بعيد حيث فشلت محاولات الإحياء الديني في استعادة النموذج الأخلاقي الرباني وتعميمه على المجتمع – بفرض وجوده- ويبدو هذا واضحا من الفضائح الأخلاقية التي تتفجر داخل الأديرة وهو ما يعني ببساطة أن المسيحية أيضا تعيش أزمة كبرى وإن اختلفت صورها عن الأزمة التي يواجهها المسلمون!!.

كما أنه من الضروري أن نلفت الانتباه للدور السيء والخطير الذي يقوم به الغرب في تأجيج (الصراع المذهبي) بين المسلمين والسعي للاستفادة منه لتوطئة الأجواء والمناخ للمشروع اليهودي.

الْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ. الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

يعيش عالمنا الإسلامي الآن أوضاعا صعبة للغاية وحصارا تفرضه حكومات جائرة متحالفة مع الولايات المتحدة واليهود.

لا نرى أي إمكانية للتخلص من الهيمنة الغربية دون أن نرى نهاية تلك الحكومات الجائرة التي تصادر ثروات الشعوب وإرادتها والعكس صحيح.

في مصر كانت لنا تجربة غير مأسوف عليها مع رئاسة الإخوان الذين ما إن التقطوا أنفاسهم حتى سارعوا لتوجيه بنادقهم نحو قوى التحرر.

ورغم ذلك الحصار الكوني فقد تمكنت قوى التحرر الحقيقي في العراق وإيران ولبنان واليمن من كسر هذا الحصار بل وأصبح هناك أمل حقيقي للمرة الأولى منذ قرون في الانعتاق من هذه الأغلال.

(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف 156-157.

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء 105.

تبحث البشرية بأسرها عن نظام كوني جديد تكون أهم سماته احترام إنسانية وحقوق البشر بغض النظر عن اللون والعرق والمعتقد.

(تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) القصص 83.

 

دكتور أحمد راسم النفيس

‏05‏/10‏/2020

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق