
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الإسلام ومسيرة البناء الحضاري
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الإسلام ومسيرة البناء الحضاري
دكتور أحمد راسم النفيس
ملخص الإسلام ومسيرة البناء الحضاري
الإسلام وحضارته بناء قام أو كان يتعين أن يقوم على أساس الوصية النبوية الربانية باتباع الثقلين الكتاب والعترة الطاهرة.
كان من المتعين أن تبنى الحضارة الإسلامية على تقوى من الله ورضوان لا على القهر والقتل والإرهاب كما هو حادث الآن.
البناء الحضاري رؤية متكاملة تتضمن امتلاك القوة العادلة النظيفة وليس الإبادة والمجازر الجماعية.
نحن أمام رؤيتين متضادتين للمسار الحضاري للأمة حيث يرى أنصار الخلفاء أن الأمة قد تعملقت في البداية ثم تراجعت بعد ذلك لأسباب غير معروفة ولا محددة من قبلهم فتارة يلقون باللائمة على الغزو الثقافي وتارة على انهيار القيم والتقاليد التي مكنت الجيل الأول الذي هو جيل قرآني فريد حسب زعمهم من التمدد والانتشار وتارة ثالثة على الوزير ابن العلقمي الذي خان السلطان العباسي وسلم مفاتيح بغداد للتتار!!.
الطرف المقابل يمشي متعثرا على استحياء ويعرض وجهة نظره بمزيد من الحياء ويكتفي بعرض رؤيته التي تثبت مكانة أئمة أهل البيت وتدعو الناس للاقتداء بهم لكنه لا يتحدث بما يكفي عن تعليل أسباب السقوط الحضاري للأمة تاركا المجال واسعا للعشابين الذين يحملون على ظهورهم وجهات نظر مرتجلة وبائسة وكلها مما قل منه خير مما كثر (يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ، وَ يُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ)!!.
الوصيًة الإلهية بالصبر
يقول سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) القلم 48-50.
الآية الكريمة تحمل عزاء وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إزاء حدث أو أمر قادم لم يكن يريده أو يتمناه اقتضته الحكمة الإلهية ومن الواضح أنها تتعلق بالمسار المستقبلي للأمة والحفر التي ستسقط فيها وهو قطعا ليس متعلقا بصورة مباشرة برهطه الأقربين.
حضارة القوة وقوة الحضارة
هناك خلاف حول تعريف الحضارة ليس هنا موضع مناقشته، لكننا أمام نموذجين مختلفين يتعين الإشارة إليهما.
النموذج الأول يتعلق بجماعة تتملك السلطة بالقهر والغلبة مثل الأمويين والعباسيين والسلاجقة ثم تقوم هذه السلطة بتأسيس بعض القصور الفخمة والمساجد والعمائر فيسميها الناس حضارة.
جماعة أخرى تستلم السلطة ويكون لها من الأساس رؤية حضارية وأخلاقية فتقوم بهذه الأشياء خدمة لمشروعها الإسلامي الحضاري.
في كلتا الحالتين لا بد للجماعة الحاكمة من امتلاك القوة للدفاع عن أمنها ومنجزاتها ولا بقاء لحضارة لا تتمكن من الدفاع عن نفسها.
الإسلام وحضارته جرى مصادرته بعد انقلاب السقيفة المروع ليصبح عهدة عمرو بن العاص كيسنجر العرب وخالد بن الوليد رئيس أركان جيش قريش الذي كان يتلذذ بقتل الأسرى فمدحه أبو بكر فائلا (عقمت النساء أن يلدن مثل خالد)
دكتور أحمد راسم النفيس
02/07/2025
مقدمة:
الإسلام وحضارته بناء قام أو كان يتعين أن يقوم على أساس الوصية النبوية الربانية باتباع الثقلين الكتاب والعترة الطاهرة.
كان من المتعين أن تبنى الحضارة الإسلامية على تقوى من الله ورضوان لا على القهر والقتل والإرهاب كما هو حادث الآن.
البناء الحضاري رؤية متكاملة تتضمن امتلاك القوة العادلة النظيفة وليس الإبادة والمجازر الجماعية.
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة 109-110.
ما حدث أن الجبهة القرشية التي هزمت يوم فتح الحديبية قد غيرت خططها وقامت بالاستيلاء على الإسلام وصنع حضارة برموزها وأسمائها وهي الآن تقاتل جنبا إلى جنب اليهودي والأمريكي لمنع الصعود الحضاري للإسلام المحمدي والقضاء على رموزه من الصفوة النقية الطاهرة.
دكتور أحمد راسم النفيس
02/07/2025
الإسلام ومسيرة البناء الحضاري
لا شك أن الجدل (المذهبي) الدائر بين أنصار المذاهب الإسلامية المتناحرة قد حجب الضوء عن واقع تخلفنا الحضاري بل وأسهم في تكريس الصراع من حيث لا ندري.
نحن أمام رؤيتين متضادتين للمسار الحضاري للأمة حيث يرى أنصار الخلفاء أن الأمة قد تعملقت في البداية ثم تراجعت بعد ذلك لأسباب غير معروفة ولا محددة من قبلهم فتارة يلقون باللائمة على الغزو الثقافي وتارة على انهيار القيم والتقاليد التي مكنت الجيل الأول الذي هو جيل قرآني فريد حسب زعمهم من التمدد والانتشار وتارة ثالثة على الوزير ابن العلقمي الذي خان السلطان العباسي وسلم مفاتيح بغداد للتتار!!.
الطرف المقابل يمشي متعثرا على استحياء ويعرض وجهة نظره بمزيد من الحياء ويكتفي بعرض رؤيته التي تثبت مكانة أئمة أهل البيت وتدعو الناس للاقتداء بهم لكنه لا يتحدث بما يكفي عن تعليل أسباب السقوط الحضاري للأمة تاركا المجال واسعا للعشابين الذين يحملون على ظهورهم وجهات نظر مرتجلة وبائسة وكلها مما قل منه خير مما كثر (يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ، وَ يُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ)!!.
ليت الخطب قد اقتصر على إثبات أن الثلاثة الأوائل هم أفضل من إمام الحق علي بن أبي طالب وأن من اتبع هديه وسلك طريقته هو ضال مضل بل أنهم أضافوا لبدعتهم اختراعا إضافيا هو ضرورة العودة إلى ما كان عليه سلفهم الصالح والطالح والالتزام بنهجهم العدمي أي أنهم صادروا المقدمات والنتائج وصار حالنا كما قال تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) البقرة 17-18.
الوصيًة الإلهية بالصبر
يقول سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) القلم 48-50.
الآية الكريمة تحمل عزاء وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إزاء حدث أو أمر قادم لم يكن يريده أو يتمناه اقتضته الحكمة الإلهية ومن الواضح أنها تتعلق بالمسار المستقبلي للأمة والحفر التي ستسقط فيها والأمر قطعا ليس متعلقا بصورة مباشرة برهطه الأقربين.
إنها وصية إلهية بالصبر على أفعال العصاة والمردة المتآمرين ممن ادعوا الانتماء للأمة لكنهم انقلبوا على أعقابهم وقد أشار إليها رب العزة في قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران 144.
(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ). النحل 127-128
وإذا كان هؤلاء المنافقين قد أعدوا خطة بعيدة المدى لتخريب وتحريف الإسلام من داخله إلى نهاية التاريخ حسب أمنياتهم فكان لا بد من خطة مقابلة تبدأ من الوصية الإلهية لرسوله (ولا تكن كصاحب الحوت) الذي غادر الساحة دون أمر من الله الذي اختاره نبيا وأرسله إلى قومه ليدلهم على صراط الله المستقيم.
عندما نتابع العدوان الأمريكي اليهودي الأخير على إيران نلحظ أن الإعداد لهذه الخطة الشيطانية استغرق العديد من السنوات وتضافرت جهود جند الشيطان، ليس فقط عبر الاستخبارات وتجنيد العملاء وإنما عبر الحشد الدعائي وتزييف العقيدة والتاريخ بينما ما زال جهدنا قاصرا على ردات الأفعال ومعارك النفس القصير.
هم يحشدون الآلاف ونحن نستبعد وننحي أصحاب الكفاءات أملا في نيل رضا الشيطان ونتغنى بالاعتذارات وليس حتى بالشعارات.
المعضلة الحقيقية التي نتجاهلها أن حزب الشيطان استخدم في معاركه سلاح التزييف العقائدي وبث الترهات كسلاح قاتل وفعال ولا زال هذا ساريا حتى الآن.
الصبر والأناة ليستا مجرد القدرة على تحمل الأذى بل هما من أمضى وأهم الأسلحة التي يتعين على أصحاب الحق استخدامها لأن الله وعد بنصرتهم على الباطل والمطلوب أن تصبروا وتتقوا (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) سبأ 48-49.
(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) سورة الجن 35.
نرى ذلك في مواضع أخرى من القرآن الكريم
(فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) مريم (84).
(خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (38) الأنبياء
(فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ) الشعراء 204-208.
يروي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: عن سفيان بن أبى ليلى، قال : أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام يا سفيان، ونزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟ قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين ! فقال: لم جرى هذا منك إلينا؟ قلت: أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الامر إلى اللعين ابن آكلة الاكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك ، فقد جمع الله عليك أمر الناس. فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به ، وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: “لا تذهب الليالي والايام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم ضخم البلعوم ، يأكل ولا يشبع ، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ، ولا في الارض ناصر ” ، وأنه لمعاوية ، وإني عرفت أن الله بالغ أمره . ثم أذن المؤذن ، فقمنا على حالب نحلب ناقته ، فتناول الاناء ، فشرب قائما، ثم سقاني، وخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟ قلت حبكم والذى بعث محمدا بالهدى ودين الحق! قال: فابشر يا سفيان ، فانى سمعت عليا يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتى كهاتين – يعنى السبابتين ، أو كهاتين يعنى السبابة والوسطى – إحداهما تفضل على الاخرى، أبشر يا سفيان، فإن الدنيا تسع البر والفاجر ، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله.
هذا إذا هو حكم الله الذي دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للصبر عليه وطبعا كان هذا خلافا لرغبته وهو من كان بالمؤمنين رؤوف رحيم وهو من عاتبه ربه لأنه حزن عليهم (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) الكهف 6-8.
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) التوبة 128-129.
لماذا ذُكر صاحب الحوت؟!
يقول القرطبي في تفسيره:
كان يونس عليه السلام ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فمضى على وجهه مضي الآبق الناد. وهذه المغاضبة كانت صغيرة، ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم. وقال ابن مسعود : أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعودة إليهم بعد رفع العذاب عنهم. فإنه كان يتوعد قومه بنزول العذاب في وقت معلوم ، وخرج من عندهم في ذلك الوقت ، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم ؛ فلذلك ذهب مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد. أي خرج مغاضبا من أجل ربه ، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه وقيل : إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه ، ولم يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء ، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله. روي عن ابن عباس والضحاك ، وأن يونس كان شابا ولم يحمل أثقال النبوة ؛ ولهذا قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : {وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم : 48]. وعن الضحاك أيضا خرج مغاضبا لقومه ؛ لأن قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول من الله عز وجل كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم ، وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى الله عز وجل.
السؤال المطروح: ما هي أثقال النبوة التي حملها يونس عليه السلام؟!.
نفس السؤال يتكرر بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ملاحظة أن العبء الملقى على كاهل النبي الأكرم كان أثقل وأكبر (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) المزمل 1-6.
عبد الله بن أبي بن سلول: كبش المحرقة!!
القارئ للسيرة الرسمية للرسول الأكرم والتي تقدمها الفئة المتغلبة على الأمة الإسلامية يلاحظ تركيزا زائدا على شخص (رأس المنافقين) عبد الله ابن أبي بن سلول وكأنه كان المحرك الأوحد لحركة النفاق والمحرض الأكبر على الغدر ونقض العهود.
يزعمون أن حركة النفاق لم تنشأ إلا بعد الهجرة النبوية للمدينة وسبب هذا الزعم تبرئة من أسلموا بمكة من هذه التهمة والسبب الثاني أن دور الإمام علي بن أبي طالب السياسي والجهادي لم يبرز بشكل واضح في مكة وإنما تجلى ذلك إثر بدء المواجهة مع معسكر الكفر منذ يوم بدر.
يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:
وقد اتفقت الاخبار الصحيحة التى لا ريب فيها عند المحدثين، على أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا يبغضك إلا منافق ، ولا يحبك إلا مؤمن) وروى حبة العرنى، عن على عليه السلام أنه قال: إن الله عز وجل أخذ ميثاق كل مؤمن على حبى وميثاق كل منافق على بغضى، فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على المنافق ما أحبنى. وروى عبد الكريم بن هلال، عن أسلم المكى، عن أبى الطفيل ، قال: سمعت عليا عليه السلام، وهو يقول لو وضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني ولو نثرت على المنافق ذهبا وفضة ما أحبنى ، إن الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبي، وميثاق المنافقين ببغضى، فلا يبغضني مؤمن ولا يحبنى منافق أبدا. قال الشيخ أبو القاسم البلخى: وقد روى كثير من أرباب الحديث عن جماعة من الصحابة، قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ببغض على بن أبى طالب.
استوقفني ما صنعه رسول الله مع عبد الله بن أبي بن سلول عند موته أي بعد نزول هذه الآية الكريمة (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)[1]، هل هي حكم عام يسري على كل من اتهم بالنفاق سواء كان هذا الاتهام صحيحا أم كاذبا، أم أنها تخص فريقا معينا وأناسا معروفين بأسمائهم كما تشير الروايات التي تتحدث أن عمر بن الخطاب لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة صاحب السر؟!.
نُسب الكثير من الأفعال والجرائم لابن سلول بعضها قطعا صحيح والبعض الآخر لا يعدو كونه تزييف ومبالغات لصرف الأنظار عن مجرمين آخرين كان من الضروري إدانتهم ولكن بدلا من ذلك تم ترقيتهم ومنحوا لقب الراشدين الخالدين.
مثال ذلك….
هم يقولون أن الآية الكريمة (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا..) نزلت موافقة لرأي عمر بن الخطاب وهو كلام يجري تكراره في خطب الجمعة وكتب المدارس.
لو كان النهي عن الصلاة على كل من اتهم بالنفاق عاما، لما صلى رسول الله على ابن أُبي وغيره ممن شملهم هذا الاتهام ولحرمت الصلاة على كل من فر وهرب من القتال يوم أحد من جيش رسول الله صلى الله عليه وآله الذي تصدى لمجرمي قريش.
مات ابن أبي كما هو معلوم في ذي القعدة عام تسعة للهجرة[2]بينما كانت غزوة تبوك في رجب من ذات العام[3]، أي أن الآيات التي تنهى عن الصلاة عن المنافقين نزلت قبل موت ابن أبي بخمسة أشهر.
أن يتهم عمر بن الخطاب رسول الله بمخالفة الأمر الإلهي بالصلاة على ابن أبي أبي قائلا (أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه)، فضلا عن كونها جرأة على الله ورسوله فهي تثبت أن نزول الآية سابق على موت الرجل، رغم أنهم يزعمون أن الآية نزلت تلبية لاعتراض عمر ويمكنكم الرجوع إلى النص، كما أنها تثبت أن الصلاة على ابن أبي أبي لم تكن مخالفة للنهي القرآني (ولا نصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) أي أن ابن سلول لم يكن مشمولا بالنهي الذي كان مخصوصا بتنظيم القتلة الإرهابيين المخططين لقتل رسول الله يوم العقبة.
أما أن آية النهي عن الصلاة على المنافقين خاصة بأولئك النفر (الأربعة أو الخمسة عشر) لا غيرهم وهو ما أورده الواقدي في في المغازي ، فَقَالَ النّبِىّ لحذيفة بن اليمان (إِنّى مُسِرّ إلَيْك أَمْرًا فَلا تَذْكُرَنّهُ إنّى نُهِيت أَنْ أُصَلّىَ عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ وَفُلانٍ رَهْطٌ. عِدّةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ذِكْرَهُمْ لحُذَيْفَةَ، فَلَمّا تُوُفّىَ رَسُولُ اللّهِ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِى خِلافَتِهِ إذَا مَاتَ رَجُلٌ مِمّنْ يَظُنّ أَنّهُ مِنْ أُولَئِكَ الرّهْطِ أَخَذَ بِيَدِ حُذَيْفَةَ فَقَادَهُ إلَى الصّلاةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَشَى مَعَهُ حُذَيْفَةُ صَلّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَإِنْ انْتَزَعَ يَدَهُ وَأَبَى أَنْ يَمْشِىَ انْصَرَفَ مَعَهُ)[4].
هل ترك عمر بن الخطاب زمن خلافته الصلاة على (عموم المنافقين) أم أن مرجعه في (ترك الصلاة) هو حذيفة وهو إقرار منه بتخصيص الآية وليس تعميمها.
ابن سلول ليس هو المنافق الوحيد!!.
يقول الإمام علي بن أبي طالب: وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَجَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.
التركيز على ابن سلول وتجاهل بقية معسكر النفاق ممن بقوا هدف لإقناع الناس أن النفاق مات بموت ابن سلول ولم يعد للمنافقين أي دور. انقسم المنتمون للإسلام حسب زعمهم بعد موته صلى الله عليه وآله قسمان مجتهد مصيب له أجران ومجتهد مخطئ له أجر واحد وهم مجرمو بني أمية… وشيء أفضل من لا شيء!!.
الواقع يقول أن المواجهة استمرت بين معسكر الحق العلوي المحمدي ومعسكر النفاق حتى يومنا هذا، أما الرهان على الوحدة الإسلامية وحوار المذاهب فقد أصبح ضمن المستحيلات بعد أن تحالف رفاق الدين أو من نتمنى منهم ذلك مع اليهود وحلف شمال الأطلنطي بل وازدادت ضراوتهم وشراستهم وهم يراهنون على نتنياهو وترامب!!.
أغرقنا السلجوقي أردوجان بتصريحاته المنددة بوحشية الكيان الصهيوني بينما لا تتوقف سفنه عن تزويد المعتدين بالفواكه والخضروات الطارجة ووقود الطائرات المقاتلة ويقال أيضا بالذخائر والسكاكر والسجائر.
حضارة القوة وقوة الحضارة
هناك خلاف حول تعريف الحضارة ليس هنا موضع مناقشته، لكننا أمام نموذجين مختلفين يتعين الإشارة إليهما.
النموذج الأول يتعلق بجماعة تتملك السلطة بالقهر والغلبة مثل الأمويين والعباسيين والسلاجقة ثم تقوم هذه السلطة بتأسيس بعض القصور الفخمة والمساجد والعمائر فيسميها الناس حضارة.
جماعة أخرى تستلم السلطة ويكون لها من الأساس رؤية حضارية وأخلاقية فتقوم بهذه الأشياء خدمة لمشروعها الإسلامي الحضاري.
في كلتا الحالتين لا بد للجماعة الحاكمة من امتلاك القوة للدفاع عن أمنها ومنجزاتها ولا بقاء لحضارة لا تتمكن من الدفاع عن نفسها.
عندما تعرضت الدولة الفاطمية للغزو الصليبي الذي كان يهدف لإسقاطها حضاريا ونقل مركز الثقل العالمي نحو أوروبا لجأت وبنية حسنة للتحالف مع السلاجقة والاستعانة بهم تحت شعار الأخوة الإسلامية فتم الاختراق من الداخل وتم الانقلاب الأيوبي المخطط له من التحالف اليهودي السلاجقة فكان أن سقطت الدولة وضاعت معها الحضارة.
مما يؤسف له أننا نتعاطى مع مصطلح (حضارة) بسطحية شديدة فهي لدى الكثيرين مبان ومعابد وأهرامات وكل هذه الأشياء مجرد تعبير عن القوة والقدرة وليس بالضرورة عن الروح وجوهر الاعتقاد.
الحضارة مفهوم متكامل يشمل التقدم العلمي والعدالة الاجتماعية وقطعا المنعة الأخلاقية امتلاك الثروة والقدرة الاقتصادية وليس فقط القوة والقدرة والغطرسة كما هو حال الحضارة الغربية المعاصرة.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الروم (9).
كيف تم اختراق الدولة الفاطمية؟!.
يقول المقريزي في اتعاظ الحنفا:
فكتب العاضد إلى نور الدين برأي شمس الخلافة فإنه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له: عندي أمر لا يمكنني أن أفضي به إليك إلا بعد أن تحلف لي أنك لا تطلع أباك عليه.
فلما حلف له قال: إن أباك قد وطن نفسه على المصابرة وآخر أمره يسلم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور الدين وهذا عين الفساد فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور الدين فليس لهذا الأمر غيره.
فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدين.
فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك فقال أعرف أنه لا يوافقني عليه لكراهته في الغز وأنا أعلم من أي باب أدخل عليه.
وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائي الغز من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين.
فقال للرسول: قل لمولانا عني أنت مغرور بالغز والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمةً إلا عليك.
فلما بلغه ذلك قال: رضيت أن تكون إسلامية وأكون فداء المسلمين[5].
لسنا هنا في وارد تفصيل أسباب سقوط الدولة الفاطمية ومحو الوجود الشيعي فيها ولسنا أيضا في وارد توزيع المسئوليات، إلا أن النص السابق يكشف عن خطورة منح ورثة خالد ابن الوليد أي نوع من الثقة والاطمئنان تحت شعار (رضيت أن تكون إسلامية وأكون فداء المسلمين) وهو أمر تكرر في واقعنا المعاصر عندما راهن البعض على التحالف مع ورثة خالد فلم يثمر التحالف معهم إلا عن مزيد من الطعنات الغادرة وما القرضاوي وأردوجان والجولاني منكم ببعيد!!.
قبل أيام رأينا الهجمة الصهيوصليبية على إيران الإسلامية ولولا امتلاك النظام الإسلامي للقدرة الدفاعية لضاعت الدولة ومعها الحضارة.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد (25).
الحضارة التي نتحدث عنها وندعو لها لا يمكن أن تكون حضارة منزوعة السلاح ولا يمكن أن نقر بأن حضارة الغزو والسلب والنهب تستحق عنوان جضارة إسلامية كما يصر الهمج الرعاع المتسلطون على رقاب المسلمين وعقولهم ممن يفاخرون بالمجازر التي ارتكبها خالد بن الوليد بحق نصارى العراق.
مجزرة نصارى العراق ووقعة أليس!!
روى الطبري في تاريخه وكذا ابن الأثير قي كتابه الكامل في التاريخ:
في سنة اثنتي عشرة في المحرم منها أرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق فسيره إلى العراق فسار حتى نزل ببانقيا وباروسما وأليس وصالحه أهلها.
لما أصاب خالد يوم الولجة ما أصاب من نصارى بكر بن وائل الذين أعانوا الفرس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوا الفرس واجتمعوا على أليس وعليهم عبد الأسود العجلي وكان مسلموا بني عجل منهم عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات بن حيان ومذعور بن عدي والمثنى بن لاحق أشد الناس على أولئك النصارى وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه وهو بقسيناثا يأمره بالقدوم على نصارى العرب بأليس فقدم بهمن جاذويه جابان إليهم وأمره بالتوقف عن المحاربة إلى أن يقدم عليه ورجع بهن جاذويه إلى أردشير ليشاوره فيما يفعل فوجده مريضا فتوقف عليه فاجتمع على جابان نصارى عجل وتيم اللات وضبيعة وجابر بن بجير وعرب الضاحية من أهل الحيرة وكان خالد لما بلغه تجمع نصارى بكر وغيرهم سار إليهم ولا يشعر بدنو جابان وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم فأقبل فلما طلع جابان بأليس قالت العجم له أنعاجلهم أم نغذي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ فقال جابان إن تركوكم فتهاونوا بهم، فعصوه وبسطوا الطعام ووضعوا الأطعمة وتداعوا إليها وتوافوا إليها وانتهى خالد إليهم وحط الأثقال فلما وضعت توجه إليهم وطلب مبارزة عبد الأسود وابن أبجر ومالك بن قيس فبرز إليه مالك من بينهم فقال له خالد يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء فضربه فقتله خالد وأعجل الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوا فقال لهم جابان ألم أقل لكم والله ما دخلتني من مقدم جيش وحشة إلا هذا وقال لهم حيث لم تقدروا على الأكل فسموا الطعام فإن ظفرتم فأيسرها لك وإن كانت لهم هلكوا بأكله فلم يفعلوا واقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كلبا وثبوتا توقعهم قدوم بهمن جاذويه فصابروا المسلمين فقال خالد اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم فانهزمت فارس فنادى منادي خالد الأسراء الأسراء إلا من امتنع فاقتلوه فأقبل بهم المسلمون أسراء ووكل بهم من يضرب أعناقهم يوما وليلة فقال له القعقاع وغيره لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم فأرسل عليها الماء تبر يمينك ففعل وسمي نهر الدم ووقف خالد على الطعام وقال للمسلمين قد نفلتكموه فتعشى به المسلمون وجعل من لم ير الرقاق يقول ما هذه الرقاع البيض وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحا هل سمعتم برقيق العيش فيقولون نعم فيقولون هو هذا وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا وكانت الوقعة في صفر فلما فرغ من أليس سار إلى أمغيشيا وقيل اسمها منيشيا فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله لأن أهلها أعجلهم المسلمون أن ينقلوا أموالهم وأثاثهم وكراعهم وغير ذلك وأرسل إلى أبي بكر بالفتح ومبلغ الغنائم والسبي وأخرب أمغيشيا فلما بلغ ذلك أبا بكر قال عجزت النساء أن يلدن مثل خالد[6].
خلاصة القول أن حربا جرت بين جيش خالد بن الوليد ونصارى العرب انتهت بهزيمتهم ووقوعهم في الأسر وأن (سيدنا) خالد – الذي عقمت النساء أن يلدن مثله!!- آلى على نفسه (اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم) فكان أن ذبح سبعين ألف أسير منهم في 48 ساعة!!.
لا أدري من الذي أباح له ارتكاب هذه المجزرة البشعة ووفقا لأي شريعة وأي دين يمكن تبرير هذا الإجرام؟!.
المهم أن مثل هذه العقول والضمائر المتفسخة هي التي أسست لما سمي بعد ذلك بالحضارة الإسلامية، حضارة تقوم على السلب والنهب واستسهال الذبح وهي التي يرفعصاح ورثتها الآن شعار (جئناكم بالذبح)!!.
متى أسلم أو استسلم خالد بن الوليد؟!
فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ[7].
تقول كتب السيرة وتحديدا ابن كثير في البداية والنهاية ج8 أن إسلام خالد بن الوليد أو استسلامه كان بعد فتح الحديبية الذي يسميه مؤرخو الإسلام الأعرابي صلح الحديبية حيث لا يحلو لهؤلاء إلا سرد القصة بما لا يخالف رأي عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء وثاني أنبياء هذه الأمة المنكوبة في عقلها وضميرها.
لم يكن خالد بن الوليد يجهل المغزى الحقيقي لحالة الارتخاء التي اعترت قريشا وأجبرتهم على الرضوخ لمطلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بدخول مكة معتمرا ليس فقط لضعفهم العسكري وإنما لانهيار معنوياتهم وتسرب الشك إلى نفوسهم ومعتقدهم.
السردية التي اعتمدها كتاب السيرة الأمويون أن الرسول ص كان مضطرا لقبول الصلح المشروط وأن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء وأنبياء الأمة كان معترضا لأنه كان شديدا في الحق!! والله يعلم أن شدته المزعومة لم تكن سوى شدة كلامية ومزايدة لفظية على من لا ينطق عن الهوى.
أدرك خالد أن الصراع قد انتهى في هذا اليوم وكان لا بد له من البحث عن مخرج يحفظ له ماء الوجه.
قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الاسلام، وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شئ، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا – وكانت فيه خيرة – فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أي شئ بقي؟ أين أذهب إلى النجاشي! فقد أتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية، فتغيبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام، وعقلك عقلك! ومثل الاسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك وقال اين خالد ؟ فقلت يأتي الله به، فقال: ” مثله جهل الاسلام ؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين [ على المشركين ] كان خيرا له، ولقدمناه على غيره ” فاستدرك يا أخي ما قد فاتك [ فقد فاتتك ] مواطن صالحة.
قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف ؟ فأبى أشد الاباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا.
فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت فأكتم علي قال: لا أذكره.
فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الامر إليه فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي: فأسرع الاجابة، وقال (2) لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ مناخة، قال القال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان قدومنا في صفر سنة ثمان.
عمرو بن العاص: كيسنجر العرب
يقول سبحانه وتعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فاطر 12.
تمكن القوم عبر الغش والخداع وتزييف التاريخ من إقناعنا أن الملح الأجاج صار أحلى من العسل المصفى وأن عمرو بن العاص كيسنجر العرب هو سيدنا الذي رضي الله عنه وأرضاه وأن تفوهه بكلمة (وقع الإسلام في قلبي) تدل على الإيمان الخالص لوجه الله من دون غرض ولا مرض رغم أنه لم يسلم إلا بعد يقينه بالفشل وإقراره بالخيبة والهزيمة.
كثير من المنتمين لمدرسة أهل البيت يرددون أهزوجة أن صلح الحديبية أملته الضرورة ولم يكن فتحا مبينا للإسلام في صراعه مع الاستكبار القرشي حيث أدرك أكابر محرمي قريش أن الصراع قد حسم مما أوجب عليهم الإذعان وأول هؤلاء خالد بن الوليد رئيس الأركان وعمرو بن العاص كيسنجر قريش.
يروي الواقدي قصة إسْلامُ أو استسلام عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بعد فشل آخر محاولاته لمحاربة الإسلام والكيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
حَدّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: كُنْت لِلإِسْلامِ مُجَانِبًا مُعَاندا، فَحَضَرْت بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَجَوْت، ثُمّ حَضَرْت أُحُدًافَنَجَوْت، ثُمّ حَضَرْت الْخَنْدَقَ فَقُلْت فِى نَفْسِى: كَمْ أُوضِعُ؟ وَاَللّهِ لَيَظْهَرَنّ مُحَمّدٌ عَلَى قُرَيْشٍ فَخَلّفْت مَالِى بِالرّهْطِ وَأَفْلَتْ – يَعْنِى مِنْ النّاسِ – فَلَمْ أَحْضُرْالْحُدَيْبِيَةَ وَلا صُلْحَهَا، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ بِالصّلْحِ وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ إلَى مَكّةَ، فَجَعَلْت أَقُولُ: يَدْخُلُ مُحَمّدٌ قَابِلاً مَكّةَ بِأَصْحَابِهِ مَا مَكّةُ بِمَنْزِلٍ وَلا الطّائِفُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ خَيْرٌ مِنْ الْخُرُوجِ، وَأَنَا بَعْدُ نَاتٍ، عَنْ الإِسْلامِ أَرَى لَوْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ كُلّهَا لَمْ أُسْلِمْ. فَقَدِمْت مَكّةَ فَجَمَعْت رِجَالاً مِنْ قَوْمِى كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِى وَيَسْمَعُونَ مِنّى وَيُقَدّمُونَنِى فِيمَا نَابَهُمْ فَقُلْت لَهُمْ: كَيْفَ أَنَا فِيكُمْ؟ قَالُوا: ذُو رَأْيِنَا وَمِدْرَهُنَا، مَعَ يُمْنِ نَفْسٍ وَبَرَكَةِ أَمْرٍ. قَالَ قُلْت: تَعْلَمُونَ وَاَللّهِ أَنّى لأَرَى أَمْرَ مُحَمّدٍ أَمْرًا يَعْلُو الأُمُورَ عُلُوّا مُنْكَرًا، وَإِنّى قَدْ رَأَيْت رَأْيًا.
قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ نَلْحَقُ بِالنّجَاشِىّ فَنَكُونُ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ مُحَمّدٌ كُنّا عِنْدَ النّجَاشِىّ، فَنَكُونُ تَحْتَ يَدِ النّجَاشِىّ أَحَبّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدِ مُحَمّدٍ وَإِنْ تَظْهَرُ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا. قَالُوا: هَذَا الرّأْىُ قَالَ: فَاجْمَعُوا مَا تُهْدُونَهُ لَهُ. وَكَانَ أَحَبّ مَا يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأَدَمُ. قَالَ: فَجَمَعْنَا أَدَمًا كَثِيرًا، ثُمّ خَرَجْنَا حَتّى قَدِمْنَا عَلَى النّجَاشِىّ، فَوَاَللّهِ إنّا لَعِنْدَهُ إذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِىّ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ قَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ إلَيْهِ يُزَوّجُهُ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِى سُفْيَانَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْت لأَصْحَابِى: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ وَلَوْ قَدْ دَخَلْت عَلَى النّجَاشِىّ وَسَأَلْته إيّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْت عُنُقَهُ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ سُرّتْ قُرَيْشٌ وَكُنْت قَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهَا حِينَ قَتَلْت رَسُولَ مُحَمّدٍ. قَالَ فَدَخَلْت عَلَى النّجَاشِىّ فَسَجَدْت لَهُ كَمَا كُنْت أَصْنَعُ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِى أَهْدَيْت لِى مِنْ بِلادِك شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْت: نَعَمْ أَيّهَا الْمَلِكُ أَهْدَيْت لَك أَدَمًا كَثِيرًا. ثُمّ قَرّبْته إلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ وَفَرّقَ مِنْهُ أَشْيَاءَ بَيْنَ بِطَارِقَتِهِ وَأَمَرَ بِسَائِرِهِ فَأُدْخِلَ فِى مَوْضِعٍ وَأَمَرَ أَنْ يَكْتُبَ وَيَحْتَفِظُ بِهِ. فَلَمّا رَأَيْت طِيبَ نَفْسِهِ قُلْت: أَيّهَا الْمَلِكُ إنّى قَدْ رَأَيْت رَجُلاً خَرَجَ مِنْ عِنْدَك وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوّ لَنَا؛ قَدْ وَتَرَنَا وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا وَخِيَارَنَا فَأُعْطِنِيهِ فَأَقْتُلْهُ فَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفِى ضَرْبَةً ظَنَنْت أَنّهُ كَسَرَهُ وَابْتَدَرَ مِنْخَارِى، فَجَعَلْت أَتَلْقَى الدّمَ بِثِيَابِى، وَأَصَابَنِى مِنْ الذّلّ مَا لَوْ انْشَقّتْ بِى الأَرْضُ دَخَلْت فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ.
ثُمّ قُلْت لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْت أَنّك تَكْرَهُ مَا فَعَلْت مَا سَأَلْتُك. قَالَ: وَاسْتَحْيِى، وَقَالَ: يَا عَمْرُو، تَسْأَلُنِى أَنْ أُعْطِيَك رَسُولَ رَسُولِ اللّهِ – مَنْ يَأْتِيهِ النّامُوسُ الأَكْبَرُ الّذِى كَانَ يَأْتِى مُوسَى، وَاَلّذِى كَانَ يَأْتِى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ – لِتَقْتُلَهُ؟.
قَالَ عَمْرٌو: وَغَيّرَ اللّهُ قَلْبِى (؟؟!!) عَمّا كُنْت عَلَيْهِ وَقُلْت فِى نَفْسِى: عَرَفَ هَذَا الْحَقّ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ وَتُخَالِفُ أَنْتَ؟ قُلْت: أَتَشْهَدُ أَيّهَا الْمَلِكُ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ اللّهِ يَا عَمْرُو فَأَطِعْنِى وَاتّبَعَهُ وَاَللّهِ إنّهُ لَعَلَى الْحَقّ وَلَيَظْهَرَنّ عَلَى كُلّ دِينٍ خَالَفَهُ. كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قُلْت: أَفَتُبَايِعُنِى عَلَى الإِسْلامِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَتْهُ عَلَى الإِسْلامِ وَدَعَا لِى بِطَسْتٍ فَغَسَلَ عَنّى الدّمَ وَكَسَانِى ثِيَابًا، وَكَانَتْ ثِيَابِى قَدْ امْتَلأَتْ مِنْ الدّمِ فَأَلْقَيْتهَا، ثُمّ خَرَجْت إلَى أَصْحَابِى فَلَمّا رَأَوْا كِسْوَةَ الْمَلِكِ سُرّوا بِذَلِكَ وَقَالُوا: هَلْ أَدْرَكْت مَنْ صَاحِبُك مَا أَرَدْت؟ فَقُلْت لَهُمْ: كَرِهْت أَنْ أُكَلّمَهُ فِى أَوّلِ مَرّةٍ وَقُلْت أَعُودُ إلَيْهِ. قَالُوا: الرّأْىُ مَا رَأَيْت وَفَارَقْتهمْ كَأَنّى أَعْمِدُ لِحَاجَةٍ فَعَمِدْت إلَى مَوْضِعِ السّفُنِ فَأَجِدُ سَفِينَةً قَدْ شُحِنَتْ بِرُقَعٍ فَرَكِبْت مَعَهُمْ وَدَفَعُوهَا حَتّى انْتَهَوْا إلَى الشّعَيْبَةِ وَخَرَجْت مِنْ الشّعَيْبَةِ وَمَعِى نَفَقَةٌ فَابْتَعْت بَعِيرًا وَخَرَجْت أُرِيدُ الْمَدِينَةَ حَتّى خَرَجْت عَلَى مَرّ الظّهْرَانِ، ثُمّ مَضَيْت حَتّى كُنْت بِالْهَدّةِ إذَا رَجُلانِ قَدْ سَبَقَانِى بِغَيْرِ كَثِيرٍ يُرِيدَانِ مَنْزِلاً، وَأَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِى خَيْمَةٍ وَالآخَرُ قَائِمٌ يُمْسِكُ الرّاحِلَتَيْنِ فَنَظَرْت وَإِذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقُلْت: أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: مُحَمّدًا، دَخَلَ النّاسُ فِى الإِسْلامِ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَمَعٌ وَاَللّهِ لَوْ أَقَمْنَا لأَخَذَ بِرِقَابِنَا كَمَا يُؤْخَذُ بِرِقْبَةِ الضّبُعِ فِى مَغَارَتِهَا.
قُلْت: وَأَنَا وَاَللّهِ قَدْ أَرَدْت مُحَمّدًا وَأَرَدْت الإِسْلامَ، وَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَرَحّبَ بِى فَنَزَلْنَا جَمِيعًا فِى الْمَنْزِلِ، ثُمّ تَرَافَقْنَا حَتّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَجُلٍ لَقِينَاهُ بِبِئْرِ أَبِى عِنَبَةَ يَصِيحُ يَا رَبَاحُ يَا رَبَاحُ فَتَفَاءَلْنَا بِقَوْلِهِ وَسِرْنَا، ثُمّ نَظَرَ إلَيْنَا فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: قَدْ أَعْطَتْ مَكّةُ الْمَقَادَةَ بَعْدَ هَذَيْنِ فَظَنَنْت أَنّهُ يَعْنِينِى وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، ثُمّ وَلّى مُدْبِرًا إلَى الْمَسْجِدِ سَرِيعًا فَظَنَنْت أَنّهُ يُبَشّرُ رَسُولَ اللّهِ بِقُدُومِنَا، فَكَانَ كَمَا ظَنَنْت، وَأَنَخْنَا بِالْحَرّةِ فَلَبِسْنَا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِنَا، وَنُودِىَ بِالْعَصْرِ فَانْطَلَقْنَا جَمِيعًا حَتّى طَلَعْنَا عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنّ لِوَجْهِهِ تَهَلّلاً، وَالْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ قَدْ سُرّوا بِإِسْلامِنَا، فَتَقَدّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَايَعَ ثُمّ تَقَدّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَبَايَعَ ثُمّ تَقَدّمْت، فَوَاَللّهِ مَا هُوَ إلاّ أَنْ جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا اسْتَطَعْت أَنْ أَرْفَعَ طَرْفِى إلَيْهِ حِيَاءً مِنْهُ فَبَايَعْته عَلَى أَنْ يَغْفِرَ لِى مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِى، وَلَمْ يَحْضُرْنِى مَا تَأَخّرَ. فَقَالَ: إنّ الإِسْلامَ يَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَالْهِجْرَةُ تَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهَا، قَالَ: فَوَاَللّهِ مَا عَدَلَ بِى رَسُولُ اللّهِ وَبِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِى أَمْرٍ حَزَبَهُ مُنْذُ أَسْلَمْنَا، وَلَقَدْ كُنّا عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ وَلَقَدْ كُنْت عِنْدَ عُمَرَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ وَكَانَ عُمَرُ عَلَى خَالِدٍ كَالْعَاتِبِ.
يبدو لنا واضحا أن ضربة النجاشي على أنف عمرو بن العاص تلك الضربة التي أدمته قد أوصلت إليه خلاصة القول وهي أن قريشا قد هزمت ولم يعد ثمة فرصة للنجاة غير الاستسلام وادعاء الإسلام.
خسرت قريش حربها ضد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعد ثمة فرصة أمام الشقيين خالد وعمرو سوى الإذعان والرضوخ للأمر الواقع والاستفادة من العفو النبوي عمن حاربوا الدين وصدوا عن سبيل الله عوجا لكنهم لم يعاملوا المختلفين دينيا بأي نوع من الرحمة والشفقة كما رأينا في أفعاله مع نصارى العراق.
الآن يهتم إعلام التفاهة والفراغ بتوبة الفنانات والمشهورات وارتدائهن الحجاب ويعتبرون ذلك فتحا مبينا رغم أن الأمر لا يعدو كونه شأنا شخصيا بحتا لا شأن للرأي العام به إذ أن كل امرئ بما كسب رهينه، فالعداء للإسلام لم يأت على يدي هؤلاء بل على يد الطاغوت الذي لن يعجز عن الإتيان بغيرهن وما أكثرهن.
انتصر الإسلام المحمدي بقيادة علي بن أبي طالبر وجنود مثل عمار بن ياسر على معسكر الكفر والإجرام بقيادة خالد وعمرو فكانوا بحق كما قال تعالى (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) التوبة 47-48.
يروي نصر بن مزاحم في كتاب صفين:
عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: كنا بصفين مع علي بن أبي طالب تحت راية عمار بن ياسر ، ارتفاع الضحى ـ استظللنا ببرد أحمر ، إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمار بن ياسر؟ فقال عمار بن ياسر: هذا عمار. قال: أبو اليقظان ؟ قال: نعم. قال: إن لي حاجة إليك فأنطق بها علانية أو سرا؟ قال: اختر لنفسك أي ذلك شئت. قال: لا، بل علانية . قال: فانطق. قال: إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى كان ليلتي هذه صباح يومنا هذا، فتقدم منادينا فشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونادى بالصلاة، فنادى مناديهم بمثل ذلك، ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة، ودعونا دعوة واحدة، وتلونا كتابا واحدا، ورسولنا واحد، فأدركني الشك في ليلتي هذه، فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال : هل لقيت عمار بن ياسر ؟ قلت: لا . قال : فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه . فجئتك لذلك . قال له عمار : هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلتيفإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، وهذه الرابعة ما هي بخيرهن ولا أبرهن ، بل هي شرهن وأفجرهن . أشهدت بدرا وأحدا وحنينا أو شهدها لك أب فيخبرك عنها ؟ قال : لا . قال : فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد، ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب ، هل ترى هذا العسكر ومن فيه ؟ فوالله لوددت أن جميع من أقبل مع معاوية ممن يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته وذبحته . والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور . أفترى دم عصفور حراما ؟ قال : لا ، بل حلال . قال : فإنهم كذلك حلال دماؤهم ، أتراني بينت لك ؟ قال : قد بينت لي . قال : فاختر أي ذلك أحببت.
قال : فانصرف الرجل ثم دعاه عمار بن ياسر فقال : أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون : لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا . والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب . والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أنا على حق وهم على باطل . وأيم الله لا يكون سلما سالما أبدا حتى يبوء أحد الفريقين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق وأن قتلاهم في الجنة وموتاهم. ولا ينصرم أيام الدنيا حتى يشهدوا بأن موتاهم وقتلاهم في الجنة وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار ، وكان أحياؤهم على الباطل.
ولا زال الصراع متواصلا بين قوة الحضارة التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وآله ومن يدعون أنهم أصحاب حضارة القوة والبغي والسلب والنهب.
دكتور أحمد راسم النفيس
02/07/2025
07 محرم، 1447
[1]التوبة 84.
[2]تاريخ الطبري ج3 ص 120.
[3]الدرر في اختصار المغازي والسير ابن عبد البر ص 238.
[4]المغازي للواقدي ج2 ص 190-191.
[5] اتعاظ الحنفا المقريزي ج3 ص 116-117.
[6] الكامل في التاريخ ابن الأثير ج2 ص 241-242.
[7] كلمات الإمام علي بن أبي طالب، 17.


