دراسات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: التحليل السياسي لسيرة الرسول بين المحدثين والكتاب المعاصرين

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: التحليل السياسي لسيرة الرسول بين المحدثين والكتاب المعاصرين

ملخص البحث

(الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم 1-6.

رغم أن السيرة النبوية قد دونت بالفعل فثمة حاجة ماسة لإعادة قراءة هذه السيرة وإزالة التشويش الذي تعرضت له وإماطة اللثام عن الخطة التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصولا للغاية التي أرادها رب العزة سبحانه.

حسب بعض الكتاب المعاصرين كانت الغاية التي سعى رسولنا الأكرم لبلوغها هي نشر الدين وكما يقول الكاتب المصري محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) تحت عنوان (الإمبراطورية الإسلامية الأولى): ولم يك محمد في حاجة لزمن طويل ليظهر دينه فقد أكمل الله للمسلمين دينهم قبيل وفاته ويومئذ وضع هو خطة انتشار الدين فبعث إلى كسرى وهرقل وغيرهم من الملوك والأمراء كي يسلموا ولم تمض خمسون ومائة سنة بعد ذلك حتى كان علم الإسلام خفاقا من الأندلس إلى الهند والتركستان والصين)[1].

الغاية كانت إذا –حسب غالبية كتاب السيرة – نشر الدين وتوسيع الرقعة الجغرافية للمسلمين شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وأن جشد هذه الجحافل كانت هي الغاية وأن هذا الانتشار تحت القيادة القرشية البكرية العمرية الأموية هو الذي مهد لإقامة الإمبراطورية الإسلامية (الأولى).

الإمبراطورية الإسلامية القرشية الأولى – كما سماها هيكل- تمثلت في الغزوات والذبح والغنائم وقد رفعت شعار (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلآ الله) وما يزال هذا النمط السلوكي ساريا حتى الآن رغم أن أغلب دول العالم الإسلامي خاضعة للنفوذ الأمريكي وقبله الأوروبي ولم يعد بوسع الأدعياء ذبح أحد غير المسلمين.

غير أن المغزى من آيات سورة الروم هو الإشارة إلى صراع الإمبراطوريات بين الإمبراطورية الرومانية التي اعتنقت المسيحية وتبنت نشرها وتلك الفارسية والصراع بينهما ومستقبل الحضارة الإسلامية والدور الملقى على عاتق المؤمنين (يومئذ يفرح المؤمنون) وليس تلك الجحافل التي اعتنقت الإسلام ظاهريا ممن قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الحجرات 14.

السيرة النبوية، حسب المحدثين هي سلسلة من الغزوات تمكن فيها المسلمون من قهر المشركين بالسيف وإجبارهم على الدخول في دين الله أفواجا, فالسيف كان دوما هو الخيار المفضل لرسولنا صلى الله عليه وآله، والسياسة والحوار كانت استثناء حسب زعم هؤلاء.

(الرواية العمدة) عند هؤلاء هي تلك التي رواها البخاري (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏”‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّبِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ”‏‏.

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الروم 9.

عديدة هي الإشارات الواردة في القرآن الكريم عن مفاهيم الحضارة والقوة العادلة ومن ضمنها الآية السابقة.

القوة ركن مهم من أركان الوجود الإنساني لكنها في المفهوم الإسلامي ليست هي البطش والقهر وتخيير الناس بين الإسلام والذبح.

القوة الباطشة لم تضمن البقاء للإمبراطورية الرومانية أو الفارسية والأمر ذاته ينطبق على أدعياء الإسلام.

لو كان نهج حشر الناس في الزاوية وتخييرهم بين النطق بالشهادتين أو الذبح يمثل الحق لما انتشر الإسلام في عموم جزيرة العرب في مناطق لم تشهد قتلا ولا قتالا بين الإسلام والكفر مثل اليمن.

أقام الإسلام دولة واستخدم الأعراب كما المؤمنين الحقيقيين ولا زلنا نأمل أن يتم الله نوره ولو كره الكافرون.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏16‏/09‏/2025

‏24‏ ربيع الأول‏، 1447هـ

التحليل السياسي لسيرة الرسول بين المحدثين والكتاب المعاصرين

دكتور أحمد راسم النفيس

مع بدايات القرن العشرين وقبل الطفرة الوهابية الإخوانية التي اجتاحت مساحات واسعة من الحقل الثقافي ظهرت عدة مؤلفات تعيد قراءة السيرة النبوية المطهرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه العقاد ومحمد حسين هيكل.

يمكننا القول أن هذه الكتابات اتسمت إلى حد كبير بالاعتدال ولم تشارك في تأجيج نيران التطرف التكفيري إلا أن لدينا ملاحظتين بالغتي الأهمية حول هذه الكتابات واللتين تمثلان امتدادا للقصور الذي بدأ مما دونه المحدثون الأولون.

الأولى: إغفال البعد السياسي في حركة النبوة فكل الاهتمام كان بالغزو والحروب من دون حاجة لتسليط الضوء على الجانب السياسي.

 الثاني: الإغفال العمدي للصراع الاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي وغض الطرف عن دور المنافقين وتمجيد أولئك الذين ابتغوا الفتنة وقلبوا الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فهؤلاء أبطال عظماء دفعهم الحرص على إعلاء كلمة الحق للتمرد وابتغاء الفتنة.

المحدثون والكتاب المعاصرون غفلوا أو تغافلوا عمدا عن الأدوار الخبيثة التي لعبها المنافقون مكتفين بإلقاء اللوم كل اللوم على عبد الله بن أبي بن سلول وغضوا الطرف عن الدور الخطير الذي قام به من سعوا لإشعال نار الفتنة بين المسلمين يوم الحديبية وإفشال الخطة الإلهية التي نفذها رسول الله ومنعه صلى الله عليه وآله من تحقيق غايته وكأن إدانة ابن سلول يكفي لإدانة حركة النفاق كلها.

البعد السياسي ليس قاصرا على الوسائل والأدوات التي جرى توظيفها ضمن الصراع بين الحق والباطل بل يمتد ليشمل تهيئة الأذهان لمآلات صراع الحضارات الذي ستنخرط فيه الأمة الإسلامية في المستقبل القريب، تلك الأمة التي كانت آنئذ مجرد قوة ناشئة لكنها مرشحة بقوة لخوض غمار الصراع العالمي وهو ما أشارت إليه آيات سورة الروم.

يقول تعالى:

(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) التوبة 48-49.

لا نجد نموذجا أكثر تطابقا مع الآيات من عمر بن الخطاب وتحريضه على الفتنة والتمرد يوم الحديبية.

يقول العلامة الطبطبائي في تفسير الميزان:

قوله تعالى: “لقد ابتغوا الفتنة من قبل و قلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله و هم كارهون” أي أقسم لقد طلبوا المحنة واختلاف الكلمة وتفرق الجماعة من قبل هذه الغزوة – و هي غزوة تبوك – كما في غزوة أحد حين رجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث القوم و خذل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقلبوا لك الأمور بدعوة الناس إلى الخلاف وتحريضهم على المعصية و خذلانهم عن الجهاد وبعث اليهود والمشركين على قتال المؤمنين و التجسس وغير ذلك حتى جاء الحق – و هو الحق الذي يجب أن يتبع – و ظهر أمر الله – وهو الذي يريده من الدين – وهم كارهون لجميع ذلك.

ابن الخطاب يخشى على نفسه من الفتنة (لا تفتني)!!

دعا رسول الله صلى الله وآله وسلم عمرَ بن الخطاب يوم الحديبية ليبعثه إلى مكة، فيبلِّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي. وليس بمكة من عَدِيِّ بن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفَت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعَزّ بها منى، عثمانَ بن عفان فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عثمانَ بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحرب، وإنه إنما جاء زائرا لهذا البيت، ومعظِّما لحرمته.

قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبانُ بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمانُ حتى أتى أبا سفيان وعظماءَ قريش، فبلَّغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئتَ أن تطوفَ بالبيت فطُفْ فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوفَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتبسته قريش عندَها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمانَ قد قُتل[2].

هذا معنى (ائذن لي ولا تفتني).

أما معنى لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق فيكشف عنها المؤرخون في إطار إشادتهم بعمر ومواقفه:

يروي ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) قصة تمرد عمر بن الخطاب ورفضه للصلح – في أعقاب قصة أبي جندل- راويا عنه: قال عُمَرُ: واللهِ ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ. فأتيتُ النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: يا رسولَ الله؛ ألستَ نبى الله حقاً؟ قال: “بلى”، قلتُ: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال: “بلى”، فقلتُ: علامَ نُعطى الدَّنيَّةَ فى ديننا إذاً، ونَرْجِعَ ولما يَحْكُم اللهُ بيننا وبينَ أعدائنا؟ فقال: “إنِّى رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ نَاصِرِى، وَلَسْتُ أعْصِيهِ”، قلتُ: أوَ لستَ كنتَ تُحدثنا أنَّا سنأتى البيتَ ونطوفُ به؟ قال: “بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَام”؟، قلتُ: لا. قالَ: “فإنَّكَ آتيهِ ومُطَّوِّفٌ به”. قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلتُ له كما قلتُ لِرسول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وردَّ علىَّ أبو بكر كما ردَّ علىّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سواء، وزاد: فاستَمْسِك بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ. قال عُمر: فعملت لذلك أعمالاً. فلمَّا فرغ مِن قضية الكتاب، قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “قُومُوا فَانْحَرُوا، ثم احْلِقُوا” فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رجلٌ واحد حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يَقُمْ مِنْهم أحد، قام فدخل على أُمِّ سلمة، فذكر لها مَا لَقِىَ مِنَ الناس، فقالت أُمُّ سلمة: يا رسُول الله؛ أَتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ ثم لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتدعو حَالِقَكَ فيحلقَكَ، فقام، فخرج، فلم يُكَلِّمْ أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنة، ودعا حَالِقه فحلقه، فلما رأى الناسُ ذلك، قامُوا فنحروا، وجعل بعضُهم يَحْلِقُ بعضاً، حتى كادَ بعضُهم يقتُلُ بعضاً غماً.

حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما!!!!!.

حتى قصة أبو جندل هذه لا نرى لها محلا كموضع للاعتراض بعد صلح أقر بحق المسلمين في مكة في إظهار شرائع دينهم والأمر كان كما وصفه ابن شهاب الزهري ونقلناه سابقا (لما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر).

لا نرى مبررا على الإطلاق للاعتراض على أمر النبي الأكرم الذي كان بدوره ينفذ أمرا إلهيا حيث يقول سبحانه وتعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)[3].

يروي ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب: (لقد صالح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئا لو أن نبي الله أمر علي أميرا فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت له ولا أطعت (؟!)،  وكان الذي جعل لهم أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردوه ومن لحق بالكفار لم يردوه)!! وعلامات التعجب من عندنا.

لم تنقل أغلب المصادر التي ذكرناها سابقا رد رسول الله على اعتراضات ابن الخطاب إلا أننا نقرأ في تفسير القمي تفصيل الرد (وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم: ألستم أصحابي يوم بدر إذ أنزل الله فيكم إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، ألستم اصحابي يوم احد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم، ألستم اصحابي يوم كذا؟ ألستم اصحابي يوم كذا فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وندموا على ما كان منهم وقالوا: الله أعلم ورسوله فاصنع ما بدا لك)[4].

قال علي بن ابراهيم (تفسير القمي) في قوله (هو الذي انزل السكينة – إلى قوله – ولله جنود السموات والارض) هم الذين لم يخالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينكروا عليه الصلح ثم قال (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وهم الذين أنكروا الصلح واتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم عطف بالمخاطبة على أصحابه فقال (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) ثم عطف على نفسه عز وجل فقال: (وتسبحوه بكرة وأصيلا) معطوفا على قوله لتؤمنوا بالله، ونزلت في بيعة الرضوان (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) واشترط عليهم ان لا ينكروا بعد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يفعله ولا يخالفوه في شئ يأمرهم به، فقال الله عزوجل بعد نزول آية الرضوان (ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) وإنما رضي عنهم بهذا الشرط أن يفوا بعد ذلك بعهد الله وميثاقه ولا ينقضوا عهده وعقده فبهذا العهد رضي الله عنهم[5].

لم يكن التمرد الذي قاده عمر بن الخطاب على مقام النبوة أمرا هينا أو بسيطا بعد أن أدى إلى انتشار حالة من الغضب ورفض الصلح تمثل في تقاعسهم عن ذبح الأضاحي وحلق الرؤوس رغم أن الصلح كان منذ البدء خطة إلهية وفتحا مبينا ما كان لهؤلاء ولا لغيرهم أدنى حق في الاعتراض عليه ولا لإثارة مثل هذه الزوبعة التي هددت تماسك الأمة الإسلامية ووحدتها.

تصف الآيات المتمردين على سياسة رسول الله والاتفاق الذي أبرمه بالنفاق والشرك وتلعنهم وتتوعدهم بأسوأ مصير وتعتبر أن حنقهم وتمردهم ناجم عن سوء ظنهم برسول الله لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فليس ثمة فارق عند المؤمن الحقيقي بين طاعة الرسول وطاعة الله عز وجل.

يقول علي ابن إبراهيم في تفسيره (فقد قدموا في التأليف آية الشرط  على بيعة الرضوان وإنما نزلت أولا بيعة الرضوان ثم آية الشرط عليهم).

اخترع المحدثون سببا لبيعة الرضوان هو (خبر مقتل عثمان) وهو خبر لم يتأكد –حسب قولهم- فمن قائل أن الرسول صلى الله عليه وسلم بايعهم على الموت ومن قائل بايعهم على ألا يفروا، أما الحقيقة فهي أنه بايعهم على السمع والطاعة والإذعان في مواجهة الفتنة التي أججها ابن الخطاب وهذا هو سبب نزول الآيات التي تذكر بمقام رسول الله (لتعزروه وتوقروه) ليلحقها بمقام الألوهية (وتسبحوه بكرة وأصيلا).

بيعة الرضوان

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين بلغه أن عثمان قد قُتل: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر.

فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجَدّ بن قيس، أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضَبَأ[6] إليها، يستتر بها من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذُكر من أمر عثمان باطل[7]. انتهى النقل عن ابن هشام

أما ابن سعد فلا يذكر (طلب رسول الله من عمر بن الخطاب) أن يذهب إلى قريش حيث يقول: وكان أول من بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قريش خراش بن أمية الكعبي ليخبرهم ما جاء له فأرادوا قتله فمنعه منهم قومه، فأرسل عثمان بن عفان فقال: اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم فقالوا: لا كان هذا أبدا ولا يدخلها علينا العام! وبلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عثمان قد قتل، فذلك حيث دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان، فضرب بشماله على يمينه لعثمان، وقال: إنه ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، “واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه ويدخل علينا قابلا في أصحابه فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب”.

وشهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو.

قال ابن سعد: ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها[8]. انتهى النقل عن ابن سعد

أما الطبري فيروي: عن علقمة بن قيس النخعي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ثم دعاني رسول الله فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله اكتب باسمك اللهم فكتبتها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال سهيل بن عمرو لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال فقال رسول الله اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو اصطلحا على (وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله لم ترده عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد رسول الله وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدها وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا وأن معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغير هذا).

فبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله قال وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بلببه فقال يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال صدقت قال فجعل ينتره بلببه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني فزاد الناس ذلك شرا إلى ما بهم فقال رسول الله يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وأعطيناهم على ذلك عهدا وأعطونا عهدا وإنا لا نغدر بهم قال فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب قال ويدني قائم السيف منه قال يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من االمشركين أبا بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة أخا بني عبدالأشهل ومكرز بن حفص بن الأخيف وهو مشرك أخا بني عامر بن لؤي وعلي بن أبي طالب وكتب وكان هو كاتب الصحيفة[9].

كما ينقل الطبري عن البراء قال: اعتمر رسول الله في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى يقاضيهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتب الكتاب كتب (هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ولكن أنت محمد بن عبدالله قال أنا رسول الله وأنا محمد بن عبدالله قال لعلي عليه السلام امح رسول الله قال لا والله لا أمحاك أبدا فأخذه رسول الله فكتب مكان رسول الله محمد فكتب هذا ما قاضى عليه محمد لا يدخل مكة بالسلاح إلا السيوف في القراب ولا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ولا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها)[10].

أما علي بن إبراهيم القمي فيضيف في تفسيره إلى نص كتاب الصلح (على أن المسلمين بمكة لا يؤذون في إظهارهم الاسلام ولا يكرهون ولا ينكر عليهم شيء يفعلونه من شرائع الاسلام، فقبلوا ذلك)[11].

فلما فرغ رسول الله من قضيته قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت له أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنتك وتدعو حالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.

قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين قالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين قال لأنهم لم يشكوا.

زاد ابن حميد عن سلمة في حديثه عن ابن إسحاق عن الزهري قال: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر[12].

قلب الحقائق وتحويل المذنب إلى بطل!!

قال علي بن ابراهيم في تفسيره (هو الذي انزل السكينة – إلى قوله – ولله جنود السموات والارض) فهم الذين لم يخالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينكروا عليه الصلح ثم قال (ليدخل المؤمنين والمؤمنات – إلى قوله – الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء) وهم الذين أنكروا الصلح واتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السموات والارض وكان الله عزيزا حكيما إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) ثم عطف بالمخاطبة على أصحابه فقال (ليؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) ثم عطف على نفسه عزوجل فقال : ( وتسبحوه بكرة وأصيلا) معطوفا على قوله لتؤمنوا بالله، ونزلت في بيعة الرضوان (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) واشترط عليهم ان لا ينكروا بعد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يفعله ولا يخالفوه في شئ يأمرهم به ، فقال الله عزوجل بعد نزول آية الرضوان (ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) وإنما رضي عنهم بهذا الشرط أن يفوا بعد ذلك بعهد الله وميثاقه ولا ينقضوا عهده وعقده فبهذا العهد رضي الله عنهم فقد قدموا في التأليف آية الشرط على بيعة الرضوان وإنما نزلت أولا بيعة الرضوان ثم آية الشرط عليهم فيها، ثم ذكر الاعراب الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا – إلى قوله – وكنتم قوما بورا) أي قوم سوء وهم الذين استنفرهم في الحديبية.

إنه الاستخدام الأمثل للقوة الناعمة في حسم الصراع بين الحق والباطل حيث نعتقد أنه حسم بالفعل يوم الحديبية وهو صراع كان يمكن له أن يطول ويمتد دون حسم لو بقي الاعتماد على القوة المسلحة وحدها في إدارته كما يزعم الحمقى من أنصار استخدام السيف!!.

الكتاب المعاصرون

لم يضف الكتاب المعاصرون شيئا مهما في تحليل ودرس هذه الواقعة الفاصلة في مسار الدعوة الإسلامية.

يقول عباس محمود العقاد في كتابه (عبقرية محمد): المثل الذي قدمه النبي صلوات الله عليه في رحلة الحديبية ينقض ما توهموه ويبين لهم أن الإسلام قد أخذ من كل وسيلة من وسائل نشر الدعوة بنصيب يجري في حينه مع مناسباته واسبابه، فلا هو يركن الى أالسيف وحده ولا الى السلم وحده بل يضع كليهما حيث يوضع ويدفع بكليهما حيث ينبغي ان يدفع وهو الحكم المتصرف حيث يختار ما يختار وليس الآلة التي يسوقها السلم او الحرب مساق الاضطرار.

وقد خرج النبي إلى مكة في رحله الحديبيه حاجا لا غازيا يقول ذلك ويكرره ويقيم الشواهد عليه لمن سأله ويثبت نية السلم بالتجرد من السلاح الا ما يؤذن به لغير المقاتلين.

فلم يفصل بهذه الخطه بين العرب وقريش وحسب بل فصل بين قريش ومن معهم من الأحابيش وجعل الزعماء وذوي الراي يختلفون فيما بينهم على ما يسلكون من مسلك في دفعه أو قبوله او مهادنته وهو عليه السلام يكرر الوصاة لأتباعه بالمسالمة والصبر منعا للاتفاق بين خصومه على قرار واحد وقل من اتباعه من أدرك قصده ومرماه حتى الصفوة المختارين[13].  

لم يتعرض العقاد للتمرد العمري على الرسول الأكرم مكتفيا بالإشارة إليه  بالقول (وقل من اتباعه من أدرك قصده ومرماه حتى الصفوة المختارين).

أما محمد حسين هيكل فقد ذكر واقعة التمرد فقال:

واتصل الحديث وعادت المفاوضات بين الفريقين مرة أخرى وأوفدت قريش سهيل بن عمرو وقال له ائت محمدا فصالحه ولا يكن في صلحه الا ان يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب عنا انه دخلها علينا عنوه فلما انتهى سهيل الى الرسول جرت محادثات  طويله للصلح وشروطه كانت تنقطع في بعض الاحيان ثم يعيد اتصالها حرص الجانبين على النجاح وكان المسلمون من حول النبي يسمعون امر هذه المحادثات ويضيق بعضهم بامرها صبرا لتشدد سهيل في مسائل لا يتساهل النبي في قبولها ولولا ثقة المسلمين المطلقه بنبيهم ولولا ايمانهم به لما ارتضوا ما تم الاتفاق عليه ولقاتلوا ليدخلوا مكة او لتكون الاخرى فقد ذهب عمر بن الخطابي في أعقاب المحادثات الى ابي بكر ودار بينهما الحديث التالي:

عمر: ابا بكر اليس برسول الله؟!

 ابو بكر بلى

عمر: اولسنا بالمسلمين؟!

 ابو بكر بلى!!

 عمر فعلام نعطي الدنيا في ديننا؟!

 ابو بكر: يا عمر الزم غرزك فاني اشهد انه رسول الله.

 عمر وانا اشهد انه رسول الله!!

 وانقلب عمر بعد ذلك الى محمد وتحدث واياه بمثل هذا الحديث وهو مغيظ محنق لكن هذا لم يغير من صبر النبي ولا من عزمه وكل الذي قاله في ختام الحديث لعمر انا عبد الله ورسوله ورسوله لن اخالف امره ولن يضيعني ثم كان بعد ذلك من صبر محمد حين كتابه العهد ما زاد في حفيظه بعض المسلمين فقد دعا علي بن ابي طالب وقال له اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل امسك لا اعرف الرحمن الرحيم بلك قال رسول الله اكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما صلح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو قال سهيل امسك لو شهدت انك رسول الله لم اقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم ابيك فقال رسول الله اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ثم كتبت العهده بين الطرفين وفيها انهما تهادنا 10 سنوات وفي راي اكثر كتاب السيره وسنتين في قول الواقدي وان من اتى محمدا من قريش بغير اذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا من رجال محمد لم يرضوه عليه وانه من احب من العرب محالفه محمد فلا جناح عليه ومن احب محالفه قريش فلا جناح عليه وان يرجع محمد واصحابه عن مكه تعامهم هذا على ان يعودوا اليها في العام الذي يليه فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثه ايام ومعهم من السلاح والسيوف السيوف في قروبها ولا سلاح غيرها[14].

امتلك المعسكر الإسلامي الصاعد آنئذ العديد من عناصر القوة الناعمة من ضمنها ذلك المشترك بين الفريقين وهو تقديس واحترام الكعبة المشرفة كونها بيت الله الحرام عند الفريقين.

تمحور الخلاف أو الصراع الناشب الذي سفكت فيه الكثير من الدماء وكان من الممكن أن يسفك فيه أضعاف ما سفك، حول الإقرار بنبوة محمد بن عبد الله وما إذا كان ما جاء به من التوحيد الخالص لله تبارك وتعالى ونبذ الأنداد والأضداد وترك عبادة الأصنام هو أمر إلهي أم مجرد انتحال كما زعم قادة المعاندين.

على مدى عقدين من الزمان منذ إعلان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لنبوته وحتى يوم الحديبية بذل المعاندون كل ما في وسعهم وارتكبوا كل ما يمكن ارتكابه من جرائم وخاضوا الحروب تلو الحروب تارة بمفردهم وتارة بالتحالف مع الأحزاب العربية ومع اليهود إلا أنهم لم يحققوا شيئا من مرادهم رغم الفارق الهائل في القوة والإمكانات.

الإمبراطورية الإسلامية والكعبة

العنصر البشري لا يكفي وحده لتأسيس كيان إمبراطوري له رمزية دينية.

الآن نرى اليهود وفي غمرة استماتتهم لتوسيع رقعة إمبراطوريتهم يؤكدون على القدس عاصمة لهم وعلى بناء هيكل سليمان مما يبرز أهمية الرمز المركزي للإمبرطورية.

(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) 34-35. الأنفال

(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) التوبة 17-19.

بدأت المواجهة بين معسكر الإسلام ومعسكر الكفر القرشي يوم بدر التي كانت بمثابة ربط نزاع مع عدو يتعين قهره وإخضاعه وليس إبادته.

كانت معركة بدر أولى جولات المواجهة التي انتهت بفتح مكة وبسط الولاية على الحرم المكي الشريف التي أصبحت مركز ثقل الإمبراطورية الإسلامية قبلة الصلاة وقبلة حجاج بيت الله الحرام من يومها إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

شكل صلح الحديبية أو فتح الحديبية كما ينبغي أن يسمى الخطوة قبل الأخيرة في تفكيك العصبة القرشية ومكنت المسلمين من دخولها بعد عامين دون حاجة للقتال ولا سفك دماء وهو ما كان يتمناه قائد التمرد ولو حدث ما تمناه لأصبح الأمر فضيحة لا يمكن التغطية عليها إلى قيام الساعة وولحقت بلائحة الفضائح التي يعيرنا بها الغرب والملاحدة ويكفي أن يضاف إلى قولهم (أمرت أن أقاتل الناس حتى…) قولهم أن النبي الأكرم استباح مكة واستولى عليها عنوة رغم رفض أهلها الذين أهله وعشيرته.

تذكرنا آيات سورة الروم أن القوة والبطش لا يدومان وأن الزمان دول وأن الله هو من يدبر الأمر (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). آل عمران (26)

 (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم 1-6.

كانت مكة حيث بيت الله الحرام هي المركز وهي قطب الرحى، ولا تدور رحى إلا على قطب ولم يكن ثمة بد من استعادتها وردها إلى أولياء الله المتقين ليتأكد وجود الكيان الإسلامي الذي سيصبح بعد ذلك إمبراطورية تناطح القوى العظمى المتواجدة على ساحة الكون وفقا للقواعد السارية وكما قال تعالى (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) الأعراف (129).

دكتور أحمد راسم النفيس

‏22‏/09‏/2025

مصادر البحث

هوامش التحليل السياسي

  1. القرآن الكريم.
  2. حياة محمد. محمد حسين هيكل. دار هنداوي.
  3. تفسير الميزان. العلامة الطباطبائي.
  4. السيرة النبوية. ابن إسحق.
  5. السيرة النبوية. ابن هشام.
  6. تاريخ الطبري. ط دار المعارف القاهرة.
  7. الطبقات الكبرى. ابن سعد. ط الخانجي القاهرة.
  8. عبقرية محمد. عباس محمود العقاد.
  9. نفسير القمي.
  10. زاد المعاد في هدي خير العباد. ابن القيم.

[1] محمد حسين هيكل. مؤسسة هنداوي- ص  23.

[2]سيرة ابن هشام ج2 ص233-235.

[3]الأحزاب 36.

[4]تفسير القمي ج2 ص 318-319 دار السرور بيروت لبنان.

[5]نفس المصدر ص 321-322.الآيات

[6]ضبأ إليها: احتمى بها.

[7]المصدر السابق سيرة ابن هشام ج2  ص235-236.

[8]الطبقات الكبير لابن سعد ط الخانجي القاهرة ج2 ص93-94.

[9]تاريخ الطبري ج2 ص 634- 636.

[10]نفس المصدر ص 636.

[11]تفسير القمي ج2 ص 318، ط دار السرور بيروت لبنان.

[12]تاريخ الطبري ج2 ص 637-638 ط4 دار المعارف مصر.

[13] عباس محمود العقاد. عبقرية محمد العقاد ص 54-55.

[14] حياة محمد. محمد حسين هيكل 353-355

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى