مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: مصر العروبة ودورها القيادي… المقال الذي فتح معركة صلاح الدين

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: مصر العروبة ودورها القيادي… المقال الذي فتح معركة صلاح الدين

نشرت في جريد القاهرة القاهرية بتاريخ 27-9-2005.

أتعبنا القوم من كثرة حديثهم عن الدور المصري القيادي المستهدف من قبل الأعداء من دون أن يوضحوا لنا معالم هذا الدور القيادي ومن الذي قضى عليه.. نحن أم هم؟؟!!.

لا يكف القوم عن تذكيرنا بمواعيدهم القدرية الفاصلة التي هي تارة سقوط بغداد بيد التتار أو الأمريكان وتارة أخرى سقوط الخلافة العثمانية وتارة يوم الرابع من فبراير وليس يوم الخامس من يونيو 1967 وغيرها من التواريخ التي يجري إدراجها وسط لائحة كلمات ليست كالكلمات بل هي لكمات توجه إلى العقل العربي المريض بالدوار ليبقى في حالة دوار وقبل أن يفيق من لكمة إذا به يتلقى الأخرى.

ولا أدري كيف يمكن التأريخ لدور مصر القيادي من خلال البكاء المتواصل على أطلال الخلافة العثمانية التركية وأختها العباسية ومماليكها من الأرمن والأكراد والجركس والصقالبة (لا أعرف من هم الصقالبة؟!) الذين حكموا مصر وحولوها من دولة قائدة إلى دولة تابعة وانتهوا بها لتصبح نهبا لكل ناهب وفريسة لكل طامع من الشرق وأخيرا من الغرب.

شيء من التعقل أيها السادة وإذا كنتم لا تستخدمون عقولكم فلا مبرر على الإطلاق للاستخفاف بعقول الآخرين!!.

متى كان لمصر دور قيادي فيما يسمى بالعالم العربي؟؟

هل كان هذا يوم أن كانت مصر مجرد ولاية تابعة للدولة العباسية في بغداد أم يوم انتقالها لتصبح تابعة للأتراك العثمانيين؟!.

الإجابة: أن مصر لم يكن لها دور قيادي طيلة التاريخ الإسلامي إلا في العصر الفاطمي الذي يتبارى فقهاء (التحرر والاستقلال) الآن في سبه ولعنه من أجل الحصول على الجوائز السنية في سب الدولة الفاطمية ومدح دولة المماليك الأيوبية التي أعادت مصر إلى حظيرة التبعية الذيلية لما يسمى بالخلافة العباسية.

متى يدرك فقهاء (التحرر والاستقلال) أن الضرورة تحتم عليهم أن يفصلوا بين آرائهم المذهبية ومواقفهم السياسية ناهيك عن افتقادهم للحد الأدنى من المشاعر الوطنية لا فارق بينهم وبين من هلل لقتل السفير المصري مغلبا ولاءه الصدامي على انتمائه الوطني (القومي) وبئس إذا أخو العشيرة!!.

متى يدرك فقهاء (التحرر والاستقلال) وإخوانهم المتباكين على دور مصر القيادي أنهم ما زالوا يبكون على مآتم بغداد واسطنبول ولا يذكرون مأتم أو مصيبة مصر إلا قليلا ولا يرون لها دورا إلا في إطار صفقة النهب مقابل الغذاء وأن عويلهم ونشيجهم الذي يعلو وينخفض لا يصب إطلاقا لصالح هذا الدور القيادي بل من أجل استمرار الدور المصري في إطار تلك الصفقة المشار إليها!!.

مصر وقوتها الناعمة:

إنه أحد العناوين التي يجري تداولها حول دور مصر القيادي وقوتها الثقافية.. فأي ثقافة يقصدون؟؟!!.

هل هي الثقافة الوهابية التي تسعى لجعل مصر مجرد حديقة خلفية ولاعب هامشي لصالح نفوذ قوى أخرى استفادت بالفعل خلال العقود الماضية من مخزون مصر البشري لصالح مشروعها للهيمنة على العالم الإسلامي حيث مثلت التجربة الأفغانية نموذجا لتوظيف القوة المصرية الناعمة والخشنة لصالح تلك المشاريع؟؟!!.

المشروع الوهابي الذي استولى على أغلب الفضاء الثقافي المصري خلال العقود الماضية بدوره هو نتاج الحقبة المملوكية ورموزها من أمثال ابن تيميه وابن القيم والذي وجد امتداده في محب الدين الخطيب ومحمد رشيد رضا وليس فيهم مصري واحد وكلهم جاءوا إلى مصر المنهكة النائمة في عسل الحقبة المملوكية الأسود فزادوا أوضاعنا سوءا وتدهورا.

ربما يقصد هؤلاء السادة بقوة مصر الناعمة المشروع الماركسي الذي تبنته مصر إبان الحقبة الناصرية وربما كان أجداد كارل ماركس من الفراعنة القدماء الذي هاجروا إلى ألمانيا في عصر رمسيس الثاني أو تحتمس!!!….. ربما!!!.

أم أنهم يقصدون المشروع القومي العفلقي العيسمي الحصري وحربه الإيرانية التي استفادت من نفس المخزون ربما لأن الشام  كانت تابعة لمصر في الحقبة المملوكية التي يحن البعض إليها!!.

ربما جاء الرد أن العبرة ليست بجنسية المفكر وأن الأفكار هي منتج عالمي ونحن نوافق على هذا من حيث المبدأ ونضيف أن المواطنة هي انتماء قبل أن تكون مكانا للميلاد أو حتى خانة في بطاقة هوية ودليلنا الأبرز هو موقف الأممية الصدامية والوهابية المنتشرة في كافة أرجاء العالم والتي تحمل بطاقة هوياتها أسماء عشرات الدول ولكن هل تعمل هذه القوى لصالح أوطانها أم لصالح جهة واحدة لا نظن أن من بينها تلك المدرجة في هذه البطاقات.

التقييم الإجمالي لما قام به محمد علي الألباني لصالح دور مصر هو تقييم إيجابي بخلاف تقييمنا السلبي لأولئك المتفضلين على مصر بأنهم أول من حكمها من بين أبنائها.

والشاهد من وراء هذا السرد أن مصر (القوة الناعمة) لم تعد منتجة للفكر بل إنها تخصصت ومنذ العهد المملوكي في إعادة تصديره بعد إعادة تعبئته وتغليفه ومثال ذلك أن مصر لم تنتج جماعة الإخوان بل كانت مجرد رحم مستأجر منح الجماعة ذات النشأة الوهابية ذلك الزخم الذي طاف بها العالم ووضع على رأسها الطربوش بدلا من ذلك العقال سيئ السمعة والصيت.

وتلك خدعة الصبي عن ثدي أمه!!!.

إعادة مصر إلى حظيرة التبعية:

مصر من عاصمة للخلافة إلى ولاية تابعة.

إنه موعد هام نقترح على إخواننا في العروبة أن يضيفوه إلى جدول أعمالهم المحمل والمليء بالنكبات والكوارث ولا نظن أن العرب المعروفين بسعة صدرهم وعشقهم لصناع الكوارث سيضيقون ذرعا بهذا الطلب.

يقول المقريزي في كتاب (اتعاظ الحنفا) واصفا دخول المعز لدين الله الفاطمي للقاهرة وارتفاع مصر بهذا الدخول إلى موقع القيادة (وكان دخوله إلى القاهرة وحصوله في قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة)‏

ثم نمضي مع شيخنا المقريزي وهو يروي لنا في كتابه (السلوك في أخبار الدول والملوك) تلك المناسبة (السعيدة) وذلك الإنجاز (الرائع) الذي حققه السيد صلاح الدين والذي يحتفي به شيوخ (التحرر والاستقلال) المملوكي خمس مرات في اليوم والليلة فيقول (وكان صلاح الدين قد كتب إلى بغداد يعدد فتوحاته وجهاده للفرنج وإعادته الخطبة العباسية بمصر واستيلاءه على بلاد كثيرة من أطراف المغرب وعلى بلاد اليمن كلها وأنه قدم إليه في هذه السنة وفد يضم سبعين راكبا كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا‏. وطلب صلاح الدين من الخليفة تقليد مصر واليمن والمغرب والشام وكل ما يفتحه بسيفه‏ (؟؟!!)‏ فوافته بحماة رسل الخليفة المستضيء بأمر الله بالتشريف والأعلام السود وتوقيع بسلطنة بلاد مصر والشام وغيرها)‏.‏

أي أن مصر قد تحولت بفضل شحطة سيف أيوبية من حاضرة للخلافة إلى ولاية تابعة وهو ما يثير أروع مظاهر البهجة في نفوس شيوخ هذا (إسلامنا)!!!

ولأن شيوخنا لا يهمهم إلا تلك الأعلام السوداء فهم بها يهتدون وفي الظلام سائرون ونحن وراءهم إلى مصيرنا الأسود ماضون وبضياع الدور الريادي القيادي لمصر محتفلون وعليه باكون!!!.

الطريف في الأمر أن هؤلاء السادة بعد أن أضاعوا الدولة الفاطمية عادوا وأضاعوا خلافتهم العباسية تحت سنابك خيل التتار وجاءوا إلى مصر بمسخ زعموا أنه الخليفة العباسي ونصبوه خليفة للمسلمين هذه المرة في القاهرة عملا بالقاعدة العربية الأصيلة (الشيء لزوم الشيء) إذ لا بد من خليفة يرسل التوقيعات والتشريفات والأعلام السوداء ويقوم بحبك المسرح السياسي وربما كان هذا ما يعنيه القوم بدور مصر القيادي وقوتها الناعمة.

الخلاصة أن الدور القيادي لأمة ما هو حضارة وأخلاق وتطور ونماء وليس أعلاما سوداء أو حتى بيضاء.

حضارة وأخلاق تحفظ حقوق العباد وتصون موارد البلاد بدلا من إنفاقها في حروب خاسرة ومشاريع فاشلة لم يبق منها سوى بعض الذكريات التي يريد البعض أن يجعل منها دورا قياديا يعيش على التغني بها..

حضارة وثقافة تصنع قادة ورجالا مستقلين لا يلهثون وراء جوائز شتم الدولة الفاطمية ومدح الدولة الأيوبية وأختها الصدامية على طريقة تلك النائحة المستأجرة صاحبة الدموع البلاستيكية التي تنهمر في مآتم الصداميين والوهابيين والأتراك العثمانيين ولا ترى باسمة ضاحكة مستبشرة إلا في مآتم مصر والمصريين.

إنها حقا دموع في عيون وقحة!!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

10-9-2005.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى