
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الدجالون في الأرض!!
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الدجالون في الأرض!!
عالم يهيمن عليه الدجالون!!.
أحد أخطر المصائب التي نزلت بأمتنا الإسلامية كانت بسبب الدجل والدجالين الذين لم يتوقفوا عن ممارسة كذبهم وتمويههم وخداعهم طيلة فترات التاريخ وهم الآن يطورون بضاعتهم ويروجون سمومهم ليبقى الحال على ما هو عليه وربما أسوأ مما هو عليه.
الدجل ومنذ بدء التاريخ مؤسسات وعصابات والآن أيديولوجيات ومنظرين ونظريات ولا زال المسلم التائه الضائع يركض وراء سراب قبل أن يصل إلى حافة النهر ليعود عطشان ظمآن لم يزده الورد إلا عطشا!!.
الدجالون لا يكلفون أنفسهم البحث عن مبررات واعتذارات فهذه المهمة تركت لأتباعهم من القبضايات أصحاب اللسان الطويل والعقل الفارغ!!.
عندما تتساءل عمن تسبب في نكبة 1967 يحدثونك عن مجانية التعليم وعن آبائك الإقطاعيين والباشوات ويصفونك بالساداتي مع أن السادات كان رفيق ناصر ونائبه وهو من جاء به وكأن ضياع فلسطين والقدس كان خطوة مهمة من أجل مجانية التعليم والقضاء على الإقطاع!!.
انقلاب 1952 قاده الإخوان وسلموا السلطة للضباط وللأخ جمال الذي انقلب عليهم ثم أعادوا نفس تجربتهم الفاشلة (حرفيا) بعد ستين عاما (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا). الطلاق 8-9.
ومع ذلك ورغم كل ذلك فهم يتهيئون ويتمنون إعادة التجربة (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) الأنعام 28
تبقى مصيبة أمتنا الكبرى في الدجل والدجالين وفي أولئك الذين يتجنبون فضح هؤلاء المجرمين ظنا منهم أن هذا يحفظ ما تبقى من نسيج الأمة الممزق الذي بعثرته التجارب الفاشلة.
عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عبدالله بن يحيى الحضرمي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال، فاستيقظ النبي محمر الوجه فقال “غير الدجال أخوف عليكم من الدجال، ألائمة المضلون، وسفك دماء عترتي من بعدي، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم ” .
يقول صاحب لسان العرب:
دَجَل الشيءَ غَطَّاه. دَجَل الرجلُ وسَرَج، وهو دَجَّال: كَذَب، وهو من ذلك لأَن الكذب تغطية.
قال ابن خالويه: الدَّجَّال المُمَوِّه، يقال: دَجَلْت السيفَ مَوَّهته وطَلَيته بماء الذهب. جمعه النبي، صلى الله عليه وسلم، في حديثه الصحيح فقال: يكون في آخر الزمان دَجَّالون أَي كَذَّابون مُمَوَّهون، وقال: إن بين يَدَي الساعة دَجَّالين كَذَّابين فاحذروهم. وفَعَّال من أَبنية المبالغة أَي يكثر منه الكذب والتلبيس. الأَزهري: كل كَذَّاب فهو دَجَّال، وجمعه دَجَّالون، وقيل: سُمِّي بذلك لأَنه يستر الحق بكذبه.
الدجال كذاب مموه وغالبا مفوه يستخدم فنون الدعاية والخداع لتسويق بضاعته ويغلف أكاذيبه بأغلفة زاهية براقة تغري الجهال وأصحاب العقول الضعيفة لتصدق وعوده الكاذبة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
الحديث الشريف يضع الدجال في مرتبة أقل خطرا من خطر أئمة الضلال الذين حكموا وتحكموا في رقاب المسلمين منذ مئات السنين وربما يشير إلى أن سلاح الدجل والتزييف يدخل ضمن أدوات الحكم والتحكم في الرقاب التي يوظفها أئمة الضلال لإدامة هيمنتهم.
في القرون الأخيرة اكتسبت صناعة الدجل زخما هائلا فهناك دجال وهابي ادعى أنه صاحب التوحيد الحقيقي ويدعو لإعادة الناس إليه الذي هو حق الله على العبيد حاملا سيفه على عاتقه يخبط رقاب الناس ويرسلهم إلى الموت والفناء وهناك من دعا المسلمين لإعادة اعتناق الإسلام من جديد، وهناك من زعم أن جماعته هي وحدها من فهم الإسلام فهما صحيحا شاملا كاملا!!.
ليت الأمر اقتصر على هذه الطوام فهناك من دعانا لنشرق مع الشرق أو نغرب مع الغرب ومشاريعه الأيديولوجية فتارة اشتراكية (ماركسية) وتارة ليبرالية وتارة أخرى علمانية والقطيع لا يعاني من نقص عدد المطبلين والمزمرين والمصفقين والانتحاريين وما أكثر كذابين الزفة أتباع كبير الدجالين.
في مصر رفع الضباط لواء الثورة على الملك والإقطاع والرأسمالية ووصفوا كل من عداهم بالرجعية زاعمين أنهم قادرون على تحرير فلسطين وإعادة اللاجئين لأرضهم، لكنهم يحتاجون أولا لتحرير اليمن والعراق وليبيا ووو من الرجعية والنتيجة المؤكدة أنهم بددوا ثروة شعوبهم وكانوا نعم العون لليهود على إقامة دولتهم الكبرى من النيل إلى الفرات.
فلا القدس عادت ولا هم يستحون أو يخجلون!!.
الدجل صناعة وفن لا يختلف عن الذكاء الصناعي وربما كان الذكاء الصناعي أحد الفنون التي يستخدمها الدجال لترويج بضاعته وجلب الفراش لتحترق بالنار.
الدجال لا يكذب في الصغير فهو كذاب كبير يقود أمة نحو حتفها وأتباعه بآلاف وربما بالملايين يمكن أن يضحوا بأرواحهم فداء له وصولا إلى جنته أو خوفا من ناره التي وعد بها العصاة والمتمردين.
الدجال (يحَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وَيعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ وَ يَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ).
الدجل نفاق ممنهج وجيش له هدف وغاية ليست قطعا إرضاء لله بل تدميرا للدين وهدما للمجتمع وتفكيكا لقوته بخلاف النفاق الفردي (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المنافقون4.
العجيب أن هناك من يبحث عن شخص بعينه أعور دجال متغافلا عن حالة التيه والضلال التي أحدثها حاملو تلك المواصفات التي ذكرناها وكلها صفات يتحلى بها أغلب من تصدى لإرشاد الناس وهدايتهم من أئمة الضياع وما أكثر هؤلاء.
أتباع الدجال صنف غريب من البشر منزوع الأدمغة فاقد للوعي يصفقون ويهللون له ولو لم يتكلم أو مهما تكلم من كلام ينقض بعضه بعضا أو نطق من هذيان فهم تائهون والهون حبا في الصنم الدجال سواء قال صدقا أو كذبا أو خلط حقا بباطل فهم بحق (همج رعاع أتباع كل ناعق).
الدجال ليس فردا بعينه وليس منافقا عاديا مثل ابن سلول بل هو منهج وطريقة حياة وفريق عمل صاحب دور ومهمة كونية يوظف المنافقين والغوغاء والتافهين يعيش ويمارس دوره وسط مجتمعنا وليس على جزيرة معزولة كما يعتقد السذج والواهمون.
الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَيَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ حَسَدَةُ الرَّخَاءِ وَمُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وَإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَلِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَلِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا وَلِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَيُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وَ حُمَةُ النِّيرَانِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ.
الدجالون لا يقدمون أنفسهم كأعداء للأمة الإسلامية بل يقدمون أنفسهم قادة إصلاح ودعاة استعادة مجد الأمة لكنهم تارة يحركون سيوفهم في هوى ألسنتهم ويسفكون الدم الحرام وتارة أخرى يعدون الناس بأوهام وأخلام شأنهم شأن الشيطان الرجيم (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) النساء 120.
الدجال حرب على الدين من الداخل دون حاجة لقصف جوي ولا بحري ولا اقتحام بالدبابات أو المدرعات.
من دون وعي صحيح يميز بين الخطأ والصواب ويمنع الدجالين من مواصلة الدجل والاحتيال فلن تقوم لهذه الأمة قائمة.
(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الأنفال 37.
دكتور أحمد راسم النفيس
22/08/2026



