مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الشيعة العرب وحكومات العرب دعوة للإندماج أم للإذعان؟!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الشيعة العرب وحكومات العرب دعوة للإندماج أم للإذعان؟!

(معرفة العالم لا تبدأ من كتب الفقه بل من إدراك الواقع).

وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ وَخَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَسَاكِتٍ مَكْعُومٍ وَدَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَكْلَانَ مُوجَعٍ قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا. الإمام علي بن أبي طالب ع.

أوائل عام 1997 جاء إلى مصر زائرا سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين وكان هذا عقب تعرض عدد من الشيعة المصريين للاعتقال كنت ضمنهم وكان على رأسهم الشيخ الشهيد حسن شحاتة رحمه الله تعالى.

التقى الرئيس المصري السابق حسني مبارك لقاء وديا علنيا بالشيخ شمس الدين وشيخ الأزهر وقتها الشيخ سيد طنطاوي على هامش الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

التقيت بعدها بأحد مرافقي الشيخ مهدي شمس الدين وسألته عن سبب هذا اللقاء فرد قائلا: لم يكن اللقاء مرتبا وأن الأمر جرى ضمن زيارة عادية لمصر أتبعتها دعوة الرئاسة للشيخ ومرافقيه!!.

لم أقتنع بهذا التفسير ثم أتيحت لي بعد ذلك الفرصة لمزيد من التحري حتى جاءني رد مقنع مفاده أن من رتب الزيارة هو الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.

ذكر أحمد أبو الغيط بعد ذلك في مذكراته أن مشروعا طرح في أروقة الحكم العربي ومقتضاه استقطاب الشيعة العرب تمهيدا لعزلهم عن إيران!!.

نصف الكوب الممتلئ

لو اكتمل تنفيذ الخطة -لو كان هناك خطة!!- فإن عددا محدودا من الشيعة ستتاح لهم فرصة للكلام وإبداء الرأي -بعد تفتيشهم ذاتيا- وهو أمر يمكن اعتباره جيدا إلا أنه وفقا لخبرتي فلا شيء من هذا يمكن البناء عليه في مجتمعات جرى ترويضها على الصمت والخوف والتنقل بين نقاط التفتيش.

الآن يكرر البعض شعار (الشيعة ضمن أوطانهم) وهي مزحة سخيفة فأوطانهم هذه ملك لبعضهم وليس لكلهم ولا لأغلبهم وأذكر ذات مرة أن زارني أحدهم وعرض علي عرضا سخيا وكان سؤالي: هل هذا مجاني ومتاح للجميع؟ وكان الرد ليس مجانيا وليس متاحا للجميع بل لك أنت رغم تفاهة العارض والمعروض.
النظم الحاكمة اعتادت التقتير على عباد الله في الإنفاق بل في أبسط الحقوق والتعبير الشائع (تقطع من جلدها) عندما تتصدق وتتفضل عليك ببعض حقوقك الأساسية التي يتعين أن تكون متاحة للجميع بل وعلى قارعة الطريق.

مرض الشيخ شمس الدين بعد ذلك وتوفاه الله ويبدو أن التواصل قد انقطع؟!، والشيء المؤكد أن مشروع تقسيم الشيعة لعرب وفرس قد توقف بعد أن وُضع الجميع في خانة الخصوم وبدأ القصف.

الشيعي غير مرحب به عربيا أو فارسيا أو حتى أفغانيا فالحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب كما قال خالد الذكر والانتماء للشعب يأتي بقرار من مالك الشعب وملايين الكعب تدق الشعب!!.

كان العندليب الأسمر يغني (إحنا الشعب اخترناك من قلب الشعب) لتصبح (هما الشعب) أما نحن فمجرد كومبارس جيء به من الشارع.

منذ ولادتي وكلما سمعت كلمة (شعب) أشعر بخطر الدق على الرأس (ملايين الكعب تدق الشعب) فألبس الدرع الواقي من الرصاص وأحرق كل الأوراق حتى ورق الحمام إذ أن حب الحياة مثل حب وطن نوادي الليل ومرافقة زناة الليل من الإيمان وطاعة نواف سلام مثل طاعة أمير المؤمنين ابن سلمان طاعة لله ولطالما عيرونا بأن الشيعة لا يحبون حياة الذل والخنوع والأوطان!.

بدأنا نسمع بعد ذلك عن آلاف المفخخات التي أرسلها الملك السعودي لإبادة شيعة العراق أو لإعادتهم أشلاء إلى الحضن العربي الموهوم بعد أن تخلى صاحب المشروع العقلائي المزعوم عن مشاريعه التي يتذكرها البعض فقط عندما يحس بهرش في الدماغ.

أما حكاية اندماج الشيعة ضمن الكومبارس التي يرددها بعض الجهلة فهي مزحة سمجة ولبنان خير شاهد على كلامنا هذا.

في لبنان مشروع ماروني قديم أسسته فرنسا مملكة الفرنج آخر قلاع الكاثوليكية قائدة الحملات الصليبية بعد أن أفلتت من الإبادة البروتستانتية قامت باقتطاعه بالاتفاق مع الأنجلوساكسون ضمن الترضيات الكبرى بين وحوش العالم.

أما الامتيازات الفرنسية في القدس والشام فهي ممنوحة لهم من أيام هارون العباسي الذي أهداها بدوره لصديقه شارلمان ثمنا لمساندته ضد الأمويين في الأندلس والشاهد أن افتراضات بعض الشيوخ عن إمكانية تحصيل بعض الحقوق عبر لزوم الكياسة وممارسة السياسة ضمن إطار اتفاقات سايكس بيكو ليست سوى وهم وخيال كبير.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏23‏/09‏/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى