مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: هزيمة الأمريكي وحلفائه في معركة الرأي العام مع إيران

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: هزيمة الأمريكي وحلفائه في معركة الرأي العام مع إيران

الثابت أن أموالا طائلة أنفقت من أجل إعداد الرأي العام لجولة الحرب التي ما تزال قائمة حتى الآن بين إيران وحلفائها من ناحية وأمريكا وحلفائها من ناحية أخرى.

المثل العامي يقول (من لا يرى من الغربال فهو أعمى) فالغربال لا يستر كل ما وراءه بل يكشف الكثير مما وراءه.

تعامل البعض مع تلك الحملات التكفيرية وكأنها ترويج (بريء) للكراهية رغم أن ترويج الكراهية والبغضاء بين الناس لا يمكن أن يكون عملا بريئا في حين رأى البعض أن الغاية من وراء هذا العمل الذي أنفقت عليه الأموال الطائلة هو التمهيد لحرب طاحنة تسفك فيها دماء الأبرياء بلا قيد ولا شرط.

تزامن إطلاق هذه الحملة التكفيرية مع الحرب العراقية الإيرانية كما اكتسبت زخما إضافيا مع الاجتياح الداعشي للعراق أي أن الحملة الدعائية ضد محور المقاومة والتي ارتكزت أساسا على البعد التكفيري كانت جزءا من الحملة العسكرية الأمريكية التي شنت بالتعاون مع إدارة عموم الوهابية.

اعتمدت الحرب الإعلامية على توظيف الدين وحشد الفتاوى والمقولات التي استخرجوها ونشروها ولم يبق إلا إحضار هذه الشخصيات بشحمها ولحمها لتدافع عن العروبة المهددة من المد الفارسي وتمنع الغزو المجوسي لأمة لا إله إلآ الله!!.

المفاجأة الكبرى حدثت عندما شن الأمريكي حربه على إيران آخر فبراير 2026 وبدلا من أن ترتفع صيحات التكبير فرحا بإعلان الحرب على إيران والقضاء على دولة الفرس المجوس إذا بالرأي العام العربي يتخذ موقفا متضامنا مع المعتدى عليه ضد المعتدي.

هذا ما عبر عنه الصحفي المصري الكبير عبد الناصر سلامة رئيس تحرير الأهرام السابق بقوله: لا أحد يستطيع أن ينكر أن إيران استطاعت كسب الرأي العام الإسلامي بشكل عام، والعربي بشكل خاص، في معركتها الدائرة حالياً مع الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني حول مضيق هرمز، ليس ذلك فقط، بل في معركتها غير المباشرة مع دول الخليج العربية، وذلك على الرغم من ضعف الآلة الإعلامية الإيرانية، مقارنة بآلة الدعاية العربية والعالمية، على اختلاف أنواعها، ما يطرح العديد من علامات الاستفهام، وعلامات التعجب في آن واحد. انتهى

الدعاية السياسية لا تعمل في فراغ وليس كل ما يقال في خطب المنابر أو شاشات التلفاز أو ما يروجه خبراء الهزيمة العرب يمكن قبوله والتسليم به خاصة مع تراجع مصداقية تجار الدين في نظر الناس خاصة لدى الطبقة المثقفة وهؤلاء لم يعودوا قلة في أي مجتمع.

ولأن الغالبية العظمى من الناس تتابع الأحداث وتتفاعل معها وتعرف كم الظلم الذي تعرض له الفلسطينيون وتعرف ما ارتكبه الغرب من جرائم في حق الشعوب المستضعفة مما يجعل التعاطف مع العدوان الأمريكي ضد إيران أمرا صعب المنال.

أما عن المستوى الأخلاقي لجماعة المتزلفين الذين ربحوا مقاولة دعم العدوان الأمريكي سواء كانوا من الأفراد والهيئات فقد فقدوا مصداقيتهم وبهاءهم وأطفئت أنوارهم لكثرة ما مارسوه من كذب وابتذال أخلاقي وسياسي ولم يعودوا قادرين على إقناع الناس بشيء لا في الدين ولا في الدنيا.

فقد الرأي العام شغفه واهتمامه بما تردده الفضائيات العربية وإعلامها الحربي المساند للغزو الأمريكي مع اتساع الفضاء الإلكتروني حيث وُجدت منافذ إضافية تنقل وجهة النظر الأخرى التي بقيت محجوبة وممنوعة طيلة القرون الماضية وقد شاهد الناس ورأوا بأم أعينهم حرب الإبادة التي تعرض لها الفلسطينيون في غزة تلك البقعة الصغيرة التي أبيدت عن بكرة أبيها.

الإرجاء السياسي ونظرية المؤامرة

المقصود بالإرجاء السياسي هو إرجاء اتخاذ قرار مواجهة العدوان على أمة لا إله إلا الله حتى تستقر الأمور للغاصبين المعتدين ثم الادعاء بوجود مؤامرة واتفاق بين المعتدين والمقاومين والزعم بأننا نعمل على حل الأزمة واستعادة الحقوق المنهوبة وفقا للقواعد والقانون الدولي ودعونا نعمل في صمت!!.

طبعا هناك تشابه بين الإرجاء السياسي والإرجاء العقائدي القائم على فرضية (لا يضر مع الإيمان ذنب) والمعنى ارتكب ما شئت من الجرائم والحساب يجمع يوم القيامة لو كان هناك يوم للقيامة في اعتقاد هؤلاء الملاحدة!!.

أما الإرجاء السياسي فمعناه: ارتكب ما شئت من الجرائم ليدوم ملكك ويبقى عرشك ثم ألق التهم على رؤوس الآخرين.

كان من الممكن أن يبقى هذا الحال ويستمر لو لم يفقد أكابر مجرمي هذا العالم صبرهم ويقوموا بشن عدوانهم فبراير 2026 وقبله يونيو 2025 وعندها لم يعد ممكنا مواصلة الحديث عن إيران كونترا أو التخادم الإيراني الإسرائيلي.

في هذه اللحظة أصبح الحديث عن المد الصفوي المجوسي ضربا من الهراء والاستهزاء بالعقول.

العدوان الغربي على إيران أشبه بجولة قام بها الفيل في بيت من الزجاج والخزف حيث لم يتمكن مجمع الكهنة ومرتزقة السياسة من طرح تفسير أخلاقي لهذا الإجرام المتمادي ومن ثم وجدت أغلبية الرأي العام نفسها في موقع المتضامن مع المظلوم في وجه الظالم وتضاءلت قيمة التبريرات العقائدية التي طرحتها الغرف السوداء واعتقدت وهما أنها تضمن تحقيق القوز في معركة الوعي.

اكتشف القوم أن ما أنفقوه ذهب هباء منثورا.

لا تنفصل معركة الوعي عن معركة بناء مستقبل الأمة حيث يتعين علينا حض الناس على إعادة تأسيس بناءهم الحضاري والثقافي وسد الثغرات واستخلاص العبر من تجارب الماضي الفاشلة رغم أنه ما زال حاضرا وتلك الأيام نداولها بين الناس.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏03‏/11‏/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى