مقالات النفيس

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الشيعة والسياسة… العربي لا يكذب لكنه يتجمل!!

دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: الشيعة والسياسة… العربي لا يكذب لكنه يتجمل!!

يلقي العرب باللوم على إيران ويتهمونها بأنها تمارس سياسة عدائية تجاههم ويحملونها مسئولية تحالفهم مع أمريكا وإسرائيل بهدف تدميرها ربما على طريقة (جعلوني مجرما ولم أكن أرغب في ذلك!!).

الغاية من كتابة هذا المقال لا تتعلق بسرد تاريخ العداء بين إيران وجيرانها الأعراب حيث نرى من الضروري استعراض الطريقة التي يفكر أو (لا يفكر) بها الساسة العرب.

يقولون أن السياسة مصالح واحيانا يقولون المصالح تتصالح وأن التقاء المصالح يمكن أن يجمع الشامي مع المغربي!!.

وقبل أن نقوم بالتركيز على العقلية السياسية العربية نؤكد أن السير وراء الدوافع الذاتية مثل الحب والبغض والإحساس بالعلو والتميز ليس خصوصية عربية وأن العلاقة بين قادة ما يسمى بالدول المتقدمة تقع ضمن محددات متشابهة لكنها تختلف من مكان لمكان ومن شعب إلى آخر.

العلاقات السياسية لا تحددها المصالح بالضرورة حيث تلعب التحيزات الشخصية والقبلية دورا بالغ الخطورة والأهمية في كثير من الأحيان وربما على حساب المصالح.

الثابت لدينا أن الانتماء القبلي الأعرابي مقدم على المبادئ والأخلاق بل وعلى المصالح وأنهم يقدمون مشاعرهم على كل الاعتبارات.

ورغم أن العروبة التي يتشدق بها دعاة القومية هي عروبة لغوية وليست عرقية والمؤكد أنها لم تفلح في محو العنصرية القبلية ولم تغير من قناعة عرب الجامعة القائلة أن كذاب ربيعة خير من صادق مضر رغم أنهم كلهم كذابون بل وعلموا العالم الكذب!!.

الحسد أحد أهم الغرائز الحاكمة للسلوك السياسي العربي والأمريكي والأوروبي وهم يكرهون كل من هو أفضل منهم وهذا الشعور بقي حاكما في تكوين الدولة الإسلامية بدءا مما يسمى بدولة الخلفاء.

الأمر ليس قاصرا على العلاقة بين الأعراب وإيران بل يشمل العلاقات البينية بين النظم العربية المتحاسدة المتباغضة الذين اتفقوا على ألا يتفقوا وآخر العداوات البينية كانت مشروع احتلال دويلة قطر عام 2017 والذي وصل إلى نهايته بوساطة أمريكية ناهيك عن الاشتباك السعودي الإماراتي!!.

الحسد المرضي القرشي على بني هاشم كان الدافع الأهم لإقصاء أهل البيت وإقامة دولة الخلافة القرشية ثم الأموية رغم الوصية النبوية الإلهية التي سمت الأمور باسمها ووضعت الأمور في نصابها عندما أكد الرسول الأكرم صلى الله يوم غدير خم بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه.

نعتقد أن السياسة العربية سياسة غرائزية تحركها المشاعر وليس المصالح كما يزعم البسطاء وأن موقفهم العدائي تجاه الشيعة أغلب فترات التاريخ تحكمه تلك العقدة النفسية التي يصعب التعافي منها.

سكت المخرفون الذين روجوا لنظرية المسرحية التي تخفي التآمر اليهودي الشيعي وإن كان بعضهم ما زال يروج لهذا الشذوذ العقلي بصوت أقل ارتفاعا من ذي قبل!!.

(أَمْ لَهُم نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) النساء 53-55.

يروي ابن جرير الطبري في تاريخه قال:

حدثني ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما عمر بن الخطاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم فلان أشعر وقال بعضهم بل فلان أشعر قال فأقبلت فقال عمر قد جاءكم أعلم الناس بها فقال عمر من شاعر الشعراء يا ابن عباس قال فقلت زهير بن أبي سلمى فقال عمر هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت فقلت امتدح قوما من بني عبد الله بن غطفان فقال:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم *   طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا *  مرزؤون بها ليل إذا حشدوا

محسدون على ما كان من نعم  *    لا ينزع الله منهم ماله حسدوا

فقال عمر أحسن وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله وقرابتهم منه فقلت وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا فقال يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد فكرهت أن أجيبه فقلت إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني فقال عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحا فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فقلت يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت فقال تكلم يا ابن عباس فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) فقال عمر هيهات والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك مني فقلت وما هي يا أمير المؤمنين فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه فقال عمر بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون فقال عمر هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول وضغنا وغشا ما يزول فقلت مهلا يا أمير المؤمنين لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش فإن قلب رسول الله من قلوب بني هاشم فقال عمر إليك عني يا ابن عباس فقلت أفعل فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال يا ابن عباس مكانك فو الله إني لراع لحقك محب لما سرك فقلت يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم فمن حفظه فحظه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ ثم قام فمضى.

كما يعرض لنا نصر بن مزاحم وجها آخر للطريقة التي تم من خلالها إختيار أبي موسى الأشعري ليكون ممثلا لجبهة الإمام علي في الحكومة المصغرة المنوط بها الفصل في الحرب يوم صفين.

(لما أراد الناس عليا أن يضع الحكمين قال لهم إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه و نظره من عمرو بن العاص و إنه لا يصلح للقرشي إلا مثله فعليكم بعبد الله بن عباس فارموه به فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله و لا يحل عقدة إلا عقدها و لا يبرم أمرا إلا نقضه و لا ينقض أمرا إلا أبرمه فقال الأشعث لا والله لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة و لكن اجعل رجلا من اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر فقال علي إني أخاف أن يخدع يمنييكم من مضرييكم فإن عمرا ليس من الله في شيئ إذا كان له في الأمر هوى فقال الأشعث و الله لأن يحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما و هما مضريان).

يمكننا إذا أن نجزم أن الأعراب الأشد كفرا ونفاقا في نسختهم الأولى أو تلك المعاصرة لا يعنيهم إحقاق الحق ولا نبذ الظلم ولا الانتصار للمظلم من الظالم بل الانتصار للعشيرة ولو على حساب الأمة بأسرها.

لا يختلف أعراب الخليج كثيرا عن قريش التي كرهت أن يكون الحق بيد أصحابه والذين نطق ابن الخطاب بلسانهم (كرهت قريش أن يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة) والثابت أن كراهية شيعة محمد وآل مخمد فرع على الكراهة الأولى.

غلطة الشاطر ترامب

لم يستند دونالد ترامب المتماهي مع اليهودي نتنياهو في قرار شن العدوان على إيران لتقديرات صحيحة وهو ما أظهرته تطورات المواجهة منذ اندلاعها يوم الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير. الإمام علي.

ومهما كانت دقة التقديرات تبقى الإرادة الإلهية هي الفاصلة في تحديد الأقدار والمصائر (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) الأعراف 182-183.

الأعراب الذين أنفقوا أموالهم لتشويه صورة الشيعة وتكفيرهم وتأليب الشعوب عليهم فوجئوا ليس فقط بانقلاب المعايير وتحول الرأي العام بعيدا عما أرادوا وخططوا والمسألة لا تتعلق بانقلاب المزاج وحسب بل بتغير موازين القوى في العالم بأسره وبزوغ نجم القطب الشيعي ليصبح فاعلا رئيسا في العالم والإقليم.

الذين راهنوا على شطب الشيعة من معادلة السياسة والاجتماع في المنطقة والعالم تلقوا نتيجة مغايرة بالكامل بسبب فشل غزوة ترامب حيث رسخ محور المقاومة وجوده ومكانته وأثبت للعالم قدرته على البقاء.

أربعة عشر قرن تعرض فيها الشيعة للحصار والإبادة والتهجير الجماعي هي الآن في طريقها للانتهاء.

مع انطلاق غزوة ترامب انبرى المحللون لتفسير السلوك الأمريكي زاعمين أنه يستهدف الصين وليس إيران والغاية هو تقليل وزن إيران ومكانتها وليس رفع مكانة الصين.

ما جرى بعد ذلك وما يجري الآن في اليمن أظهر للجميع المكانة الحقيقية للإسلام المحمدي العلوي الذي عمل الصهيوصليبي المتحالف مع الأموي السفياني الوهابي على طمسه ومحوه من الوجود.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) الصف 8-9.

قضي الأمر الذي فيه تستفيان.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏05‏/09‏/2026

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى