
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: السيدة خديجةبنت خويلد أم العظماء
دكتور أحمد راسم النفيس يكتب: السيدة خديجةبنت خويلد أم العظماء
الرسول الأكرم و زواجه من الصديقة الكبرى خديجة بنت خويلد:
يقول العلامة الشيخ (محمد هادي اليوسفي الغروي) في كتابه القيم (موسوعة التاريخ الإسلامي) راويا عن القطب الراوندي في كتابه (الخرائج والجرائح) في سبب زواج رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم من الصديقة الكبرى خديجة بنت خويلد و الذي روى بدوره عن جابر بن عبد الله قال:
كان سبب تزويج خديجة محمدا أن أبا طالب قال يا محمد إني أريد أن أزوجك ولا مال لي أساعدك به وإن خديجة قرابتنا وتخرج كل سنة قرشيا في مالها مع غلمانه يتجر الرجل لها ويأخذ وقر بعير مما أتى به فهل لك أن تخرج قال نعم فخرج أبو طالب إليها وقال لها ذلك ففرحت وقالت لغلامها ميسرة أنت وهذا المال كله في حكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وربحا في ذلك السفر ربحا كبيرا فلما انصرفا قال ميسرة لو تقدمت يا محمد إلى مكة وبشرت خديجة بما قد ربحنا لكان أنفع لك فتقدم محمد ص على راحلته وكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة في غرفة لها مع نسوة فظهر لها محمد ص راكبا ونظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره فقالت إن لهذا الراكب شأنا عظيما ليته جاء إلى داري فإذا هو محمد ص قاصد إلى دارها فنزلت حافية إلى باب الدار فلما رجع ميسرة حدث أنه ما مر بشجرة ولا مدرة إلا قالت السلام عليك يا رسول الله ولما رأى بحيرا الراهب الغمامة تسير على رأسه حيثما سار تظلله النهار، فقالت يا محمد اخرج وأحضرني عمك أبا طالب الساعة ثم بعثت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد أن زوجني من محمد إذا دخل عليك فلما حضر أبو طالب قالت أخرجا إلى ابن عمي ليزوجني من محمد فقد قلت له في ذلك فقاما ودخلا على ابن عمها وخطبها أبو طالب.
كما روى الشيخ الغروي في كتابه أيضا (لما أراد رسول الله أن يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل ابن عم خديجة فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال “الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل و أنزلنا حرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه … ثم إن ابن أخي هذا يعني رسول الله ص لا يوزن برجل من قريش إلا رجح ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه ولا عدل له في الخلق وإن كان مقلا في المال فإن المال رفد جار وظل زائل وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها والمهر علي وفي مالي الذي سألتموه عاجله وآجله وله ورب هذا البيت حظ عظيم ودين شائع ورأي كامل” ثم سكت أبو طالب) المصدر المذكور 320-322.
ويروي العصامي في كتابه (سمط النجوم العوالي) نقلا عن السمط الثمين للمحب الطبري: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به رجل إلا رجح به؛ فإن كان في المال قلة فإن المال ظل مائل وأمر حائل، ومحمد قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل جسيم.
فلما أتم أبو طالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا علي معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار. ثم سكت ورقة. فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها عمرو بن خويلد: اشهدوا علي يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد. وشهد على ذلك صناديد قريش. وفي السمط الثمين: أصدقها عشرين بكرة. وفي المواهب عن الدولابي: أصدقها اثنتي عشرة أوقية ذهباً ونشاً. قالوا: وكل أوقية أربعون درهماً والنش: نصف أوقية. ولا منافاة بين هذا وبين من قال أصدقها أبو طالب لقوله في الخطبة من مالي كذا؛ لجواز كون أبي طالب أصدقها، وزاد عليه الصلاة والسلام في صداقها، فكان الكل صداقاً.
يقول الشيخ الغروي:
(الماديون الذين ينظرون إلى كل شيء من ناحية المال والمادة يزعمون أن خديجة بما أنها كانت ذات مال تتاجر به كانت أحوج ما تكون إلى رجل أمين لإدارة أمور تجارتها لذلك اندفعت للزواج بمحمد (الصادق الأمين) وكان النبي يعلم بوضعها المالي وحياتها الكريمة لذلك قبل خطوبتها مع ما بينهما من تفاوت العمر إلا أن الذي نراه في التاريخ هو أن دوافع خديجة للزواج بالصادق الأمين كانت دوافع معنوية لا مادية والشاهد لذلك:
- ما رواه ابن إسحاق قال وكانت خديجة قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد ابن عمها ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه وكان ورقة نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس فقال لها لئن كان هذا حقا يا خديجة فإن محمدا لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه.
- إن سبقها للإسلام بحيث كانت أول امرأة آمنت به لما يشهد في صفحات التاريخ بأن زواجها كان منبعثا من إيمانها بطهارة الصادق الأمين.
ونحن نعتقد أن هذه الزيجة التي قدمت للبشرية فاطمة بنت محمد والأئمة الأطهار لا يمكن على الإطلاق أن يكون الدافع إليها مادي أو تجاري ونقول لهؤلاء المستنيرين الذين يريدون أن يقدموا الإسلام للناس بمنطق (البقالين) الذين يرون وراء كل عمل رسالي جليل صفقة تجارية و (اقتصادا وبنوكا إسلامية) يترأسون مجالس إدارتها وأن دوافع الصديقة الكبرى وراء سعيها للزواج من نبي الله محمد بن عبد الله كانت الأرباح الجيدة (..) التي حققتها الرحلة التجارية النبوية التي قدمت نموذجا جيدا (للاستثمار الإسلامي) إلى آخر تلك السخافات والسماجات التي أدمنوا الحديث عنها وتلقفتها الآذان أذنا عن أذن عن أذن من دون بحث ولا تحقيق ولا تمحيص.
نقول لهم فتشوا عن بوصلة الاصطفاء لتعرفوا أن ما جرى كان أمرا يراد (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) ولكن ماذا نصنع إذا كانت عقدتهم هي نفي الاصطفاء ونفي خيرية آل محمد والهوى لا دواء له كما أن الهوى شريك العمى!!.
أيضا فإن هذه الخطبة التي ألقاها أبو طالب رضوان الله عليه والتي ذكرها ابن أبى الحديد في شرح النهج تكشف عن أن أبا طالب كان من المسلمين المؤمنين المنتظرين لبعثة محمد بن عبد الله وتنفي تلك الأكاذيب التي أدمنها هؤلاء المحترمين (..) عن كفر أبي طالب وذلك الضحضاح الناري الذي يتقلب فيه ذلك الصديق العظيم كما زعم أبو هريرة وسعيد بن المسيب وروى عنهما الشيخ البخاري!!!.
كما أنها تشير أيضا إلى شيوع ذلك الخبر وتلك النبوءة في أوساط قريش و إلا كيف يلقي أبو طالب بتلك الخطبة القنبلة في هذا المجلس من دون سابق إنذار ولا تمهيد ولو كان الأمر مجرد صفقة (متكافئة ونزيهة) تزوجت فيها الأيم الثرية بذلك الشاب الأمين الذي أعلن عمه (الكافر!!) في حفل زواجه أنه نبي هذه الأمة المنتظر لوصفه الرأي العام القرشي بالخبل والجنون وقام بإلقائه بالحجارة والشيء الغالب أن الخبر كان يتردد في أوساط قريش ومحافلها وأنهم كانوا في وضع الانتظار والترقب وأن الدائرة المحيطة بالرسول الأكرم بمن فيها خديجة و أبو طالب كانوا من الموقنين بهذه النبوءة المترقبين لها بل ومن الممهدين لها وأن هذا القِران السماوي جاء في إطار هذا التمهيد الكوني للبعثة النبوية الخاتمة.
خديجة بنت خويلد في مرآة العقاد
يقول الكاتب المصري الراحل عباس محمود العقاد في كتابه (فاطمة الزهراء و الفاطميون) عن خديجة بنت خويلد (ولدت لأبوين من أعرق الأسر في الجزيرة العربية وكلاهما ينتهي نسبه إلى لؤي بن غالب ابن فهر بل كانت أمها تنتسب من ناحية أمها كذلك إلى هذا النسب المعرق في النبل والسيادة فهي فاطمة بنت هالة التي ينتهي نسبها كذلك إلى لؤي بن غالب وهالة بنت قلابة التي ينتهي نسبها إلى ذلك الجد الأعلى وقد اجتمع لها مع النبل مكانة الثروة الوافرة كما تقدم فكانت قافلتها إلى الشام تعدل قوافل قريش أجمعين في كثير من الأعوام.
وأهم من هذا جميعه بالنسبة إلى زوجة نبي وإلى جدة الأئمة من بيت النبوة أنها كانت مفطورة على التدين وراثة وتربية فأبوها خويلد هو الذي نازع تبعا الآخر حين أراد أن يحتمل الركن السود معه إلى اليمن فتصدى له ولم يرهب بأسه غيرة على هذا المنسك من مناسك دينه وقال السهيلي في الروض الآنف أن تبعا روع في منامه ترويعا شديدا حتى ترك ذلك وانصرف عنه فلا يبعد أن روعة خويلد ومرآه و هو ينذر العاهل بالغضب الإلهي إذا أقدم على فعلته قد شغل قلب التبع فتراءى له من المخوفات في منامه ما أرهبه وثناه عن عزمه) ص6 (كتاب الشعب).
و الملاحظ أن العقاد يذهب إلى نفس ما ذهبنا إليه من تحقق الاصطفاء في خديجة بنت خويلد ذلك الاصطفاء الذي يؤهلها لتكون زوجة نبي وجدة لأئمة أهل بيت النبوة أي أن هناك قاسما مشتركا بين رؤيتنا ورؤيته والله وحده يعلم حدود هذا الاشتراك.
عمر خديجة عند زواجها بالرسول الأكرم
بالتأمل في الروايات التي أوردها المؤرخون عن عمر أم المؤمنين وقت زواجها بالرسول الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نرى تناقضا غريبا في الأقوال.
الشائع في أقوال هؤلاء المؤرخين أنها سلام الله عليها قد تزوجت مرتين قبل زواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله.
فمن قائل أنها قد كانت (عند أبي هالة هند بن النباش ابن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم فولدت له هند ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق ابن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثم خلف عليها بعد عتيق المخزومي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قتادة كانت خديجة تحت عتيق ابن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثم خلف عليها بعده أبو هالة هند بن زرارة بن النباش)[1].
أما ابن سعد فيعكس ترتيب (الأزواج) في الطبقات فيجعل عتيق ابن عائذ أول الأزواج ويجعل أبي هالة ثاني أزواجها.
والمعلوم أن (هالة بنت خويلد) هي شقيقة السيدة خديجة لأمها وأبيها وبالتالي يصبح من الواجب أن نتساءل أي (هالة) يقصدون؟.
هل هي (هالة) الأخت أم (هالة) الزوج؟!.
وبينما يصر بعض الرواة على القول بأن خديجة بنت خويلد عليها السلام كانت قد بلغت الأربعين من عمرها يوم زواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله نرى ابن كثير في البداية والنهاية يقول: قال ابن هشام وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة فيما حدثني غير واحد من اهل العلم منهم أبو عمرو المدني وقال يعقوب بن سفيان كتبت عن إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد زوج خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمسا وعشرين سنة وقريش تبني الكعبة وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين وقيل خمسا وعشرين سنة.
كما يروي ابن سعد في الطبقات: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال كانت خديجة يوم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة ثمان وعشرين سنة ومهرها اثني عشر أوقية وكذلك كانت مهور نسائه.
ولا شك أن الإصرار على إثبات زواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله في سن الأربعين يفتح الباب أمام إثبات تعدد أزواج السيدة خديجة رضوان الله عليها فضلا عن نسبة هؤلاء الأولاد إليها أما إثبات زواجها في سن الخامسة والعشرين فينفي نسبة هؤلاء الأبناء إليها.
إثبات زواجها في سن الأربعين يفتح باب الاعتذار لأم المؤمنين عائشة ويمنحها العذر لانتقاصها ووصفها بأنها (عجوز حمراء الشدقين) كما ورد في البخاري:
3610 – قال إسماعيل بن خليل: أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: (اللهم هالة). قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها.
دكتور أحمد راسم النفيس
المنصورة مصر
28/08/2024
[1] الاستيعاب لأبي عمر ابن عبد البر الأندلسي. ج4. ص 1817.



