
دكتور أحمد اسم النفيس يكتب: الإمام علي بن أبي طالب والتنمية البشرية
دكتور أحمد اسم النفيس يكتب: الإمام علي بن أبي طالب والتنمية البشرية
دكتور أحمد راسم النفيس
مصر
انتشر في الآونة الأخيرة مصطلح التنمية البشرية ومن البديهي أن هناك حاجة لتعريف هذا المصطلح ودلالاته.
حسب مجد فرارجة: التنمية البشريّة هي عمليّة زيادة الخيارات المتوفّرة للأفراد، وتشمل ثلاثة خيارات رئيسيّة، وهي توفير حياة صحيّة وبعيدة عن الأمراض، وزيادة انتشار المعرفة، وتوفير الموارد التي تُساهم في وصول الأفراد إلى مستوىً حياتيٍّ لائقٍ، كما تُعرَّف التنمية البشريّة بأنّها العمليّة التي تهدف إلى زيادة كميّة الخيارات المتاحة للنّاس وحجمها؛ عن طريق زيادة المهارات والمُؤهّلات البشريّة[1].
حسب فهمنا فالتنمية البشرية هي الارتقاء بحياة الإنسان على كل الأصعدة اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا وثقافيا وسياسيا وليس فقط اقتصاديا.
القاعدة التي انطلق منها هذا البحث هو تقرير التنمية البشرية السنوي الصادر عن الأمم المتحدة عام 2002 والذي تميز باقتباساته المتعددة من حكم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الواردة في نهج البلاغة.
الفارق بين مفهوم التنمية البشرية ومفهوم الحضارة أن الأولى تركز على الإنسان الفرد مع افتراض التنوع والاختلاف بين النظم السياسية إلا أن المحصلة ينبغي أن تكون متقاربة اللهم إلا في حالة النظم الشيوعية التي تزعم أن الملكية الجماعية والعمل الجماعي هي الأصل وهو مفهوم كاد أن يتلاشى مع اختفاء المعسكر الاشتراكي والعودة للاقرار بالحقوق الفردية للبشر في العمل والتملك والابتكار.
أما مفهوم الحضارة فيقوم في الأساس على العمل الجمغي الذي يديره نظام سياسي يسعى للنهوض وامتلاك عناصر القوة ابأنواعه وقطعا هناك مساحة للعمل الفردي والاعتناء بالتنمية البشرية ورفع مستوى الأخلاق أي أن التنمية البشرية هي مكون من مكونات البناء الحضاري.
أحد أهم العناصر فيما يتعلق بالرؤية الشاملة للتنمية البشرية هو ارتباطها بوجود الحكم الصالح بخلاف الحكومات الجائرة التي تتعامل مع الناس باستكبار وعجرفة وكأنهم خراف أعدت للذبح أو لتوفير الصوف كما وصفهم شاعرنا الكميت:
ساسة لا كمن يرعى الناس * سواء ورعية الأنعام
لا كعبد المليك أو كوليد * أو كسليمان بعد أو كهشام
رأيه فيهم كرأي ذوي الثلة * في الثائجات جنح الظلام
جز ذي الصوف وانتقاء لذي المخة * نعقا ودعدعا بالبهام
من يمت لا يمت فقيها وإن يحيى * فلا ذو إل ولا ذو ذمام
ابتلي المسلمون أغلب عصورهم بمن ينعاطى معهم تعاطي الوليد وهشام كمجرد خراف تعلف إما للذبح أو لجز الصوف وما زال هذا حالهم فأي تنمية بشرية أو حضارة يمكن أن يعتني بها هؤلاء الوحوش؟ّ!.
يقول التقرير:
في الوقت الذي يودع فيه العالم القرن العشرين بتطوراته السياسية السريعة، التي اتسمت بالاضطراب أحيانا، يقترب مفهوم الحكم الصالح أو الديمقراطي من أن يصبح طموحا وشاغلا إنسانيا على الصعيد العالمي، ويمثل الحكم الديموقراطي الآن جزءا من توافق الآراء في الأمم المتحدة، إذ ينص إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية على أن الحكومات لن تدخر جهدا في تعزيز الديمقوراطية وتدعيم سيادة القانون، فضلا عن احترام جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها دوليا، بما في ذلك الحق في التنمية، ويرتبط نجاح أو فشل جهود أي دولة في تعزيز التنمية الإنسانية أو حتى احتمال توجهها نحو هذا النهج، ارتباطا وثيقا بطبيعة وجودة حكمها.
تعريفات وخصائص
ماذا يعني الحكم الصالح؟
الحكم الصالح من منظور التنمية الإنسانية هو الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان، ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لاسيما بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الحكم على أنه ممارسة للسلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون بلد ما على جميع المستويات. ويتكون الحكم من الآليات والعمليات والمؤسسات التي يعتبر من خلالها المواطنون والمجموعات عن مصالحهم ويمارسون فيها حقوقهم القانونية ويوفون بالتزاماتهم ويحلون خلافاتهم عن طريق الوساطة. والحكم الصالح هو الحكم الذي يتسم من بين جملة أمور آخرى بالمشاركة والشفافية والمساءلة، يوكون فعالا ومنصفا ويعزز سيادة القانون. ويكفل الحكم الصالح وضع الأولويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساس توافق آراء واسع النطاق في المجتمع، تسمع فيه أصوات أكثر الفئات ضعفا وفقرا في صنع القرارات المتعلقة بتوزيع موارد التنمية.
تعليق: تشير التجارب المعاصرة إلى أن المؤسسات والدساتير الجيدة لا تشكل ضمانة في حد ذاتها لسلامة عملية الحكم فالأهم هو الالتزام الأخلاقي للجماعة الحاكمة.
الحديث الشريف (إنما أهلك الذين من قبلكم أنه إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه وإذا سرق فيهم الغني تركوه) فالنظام الحاكم دوما يملك القدرة على التحايل على القانون أما الرأي العام فقد يملك أو لا يملك القدرة على رفض الظلم!!.
كما أن النظام الحاكم يمتلك القدرة على التنكيل بخصومه ومخالفيه خارج القانون ولذا نرجع إلى كلام الإمام علي عليه السلام (قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَلَمَعَ لَامِعٌ وَلَاحَ لَائِحٌ وَاعْتَدَلَ مَائِلٌ وَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَبِيَوْمٍ يَوْماً وَ انْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ).
بقوم قوما وبيوم يوما!!
نواصل عرض ما ورد في التقرير:
وفي العادة، تشمل مناقشة الحكم مؤسسات الدولة وعملياتها، غير أنها مؤخرا بدأت تشمل أيضا مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات العمل الأهلي أو بالتعبير الشائع الآن، المجتمع المدني. وتعرف الدولة هنا بحيث تشمل مؤسسات القطاعين السياسي والشعبي، ويشمل القطاع الخاص المشاريع الخاصة للتصنيع والتجارة والمصارف وما إلى ذلك، والقطاع غير المؤطر في السوق. ويتكون المجتمع المدني الذي يقع بين الأفراد والدولة، من مجموعات منظمة أو غير منظمة وأفراد يتفاعلون اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وينظمون بقواعد وقوانين رسمية وغير رسمية.
إن منظمات المجتمع المدني هي مجموعة الجمعيات التي ينظم المجتمع نفسه حولها طوعا. وتشمل هذه الجمعيات النقابات العمالية والمنظمات غير الحكومية والمجموعات المعنية بتحقيق المساواة بين الرجال والنساء والمجموعات اللغوية والثقافية والدينية والمؤسسات الخيرية وجمعيات رجال الأعمال والنوادي الاجتماعية والرياضية والتعاونيات ومنظمات تنمية المجتمع والمجموعات المعنية بالبيئة والجمعيات المهنية والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث ومنابر الإعلام، كما تشمل أيضا الأحزاب السياسية، وإن كانت الأحزاب تجمع بين الانتماء إلى المجتمع المدني والانتماء إلى أجهزة الدولة إذا كانت ممثلة في البرلمان.
مضمون نظم الحكم
تتنوع صنوف الحكم كثيرا، وربما تتعدد بتعدد الدول في العالم إذا أردنا تمييز خصائصها التفصيلية. ولكن يمكن القول بأن هناك خصائص رئيسية مشتركة للحكم الديموقراطي غير الاستبدادي في العالم المعاصر تتمثل في قيام مؤسسات مجتمعية قوية، يتحقق التوازن بينها من خلال شبكة متينة من علاقات الضبط والمساءلة أو الفصل والضبط والتوازن، حيث تتضمن شفافية الحكم فعالية الضبط، الأمر الذي ييسر المساءلة بما يضمن احترام المصلحة العامة
وعلى هذا نعرف الحكم الصالح الذي يستهدف تحقيق مصلحة عموم الناس في المجتمع على أنه نسق من المؤسسات المجتمعية، المعبرة عن الناس تعبيرا سليما، تربط بينها شبكة متينة من علاقات الضبط والمساءلة بواسطة المؤسسات، وفي النهاية بواسطة الناس
تمثل هذه الخصائص الأساسية وضعا مثاليا لم يحققه أي مجتمع بشكل كامل. وإن لم يكن التحقيق الكامل لهذا الوضع المثالي ممكنا، فإن من المستحسن أن تسعى المجتمعات إلى تحديد أكثر السمات الأساسية أهمية لها من خلال بناء توافق آراء عريض القاعدة ، فعلى سبيل المثال، ما هو التوازن المناسب بين الدولة والسوق، أو بين السلطة والحرية، أو ما هي أفضل طريقة لتحقيق التقدم المأمول في ظل ظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية مختلفة
وأخيرا، تسعى نظم الحكم الصالح التي تمثل كافة فئات الشعب تمثيلا كاملا وتكون مسؤولة أمامه فعلا، لضمان مصالح جميع أفراد الشعب، بالقضاء على الفقر والحرمان. وبالتالي، فإنها تدعم تطلعات الشعوب إلى العزة والكرامة، وتساعد على بناء التنمية الإنسانية وتحقيق مستوى متقدم من الرفاه.
اقتباسات التقرير من حكم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
- من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم الآخرين وليكن تأديبه بسيرته قبل تاديبه بلسانه ومعلم نفسه أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم.
- وَ لْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا.
- أَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.
- لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ .
- فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ.
- اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وَ أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ.
- وَ قَالَ ( عليه السلام ) : كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ .
- وَ قَالَ ( عليه السلام ) : إِذَا أَرْذَلَ اللَّهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ .
- وَ قَالَ ( عليه السلام ) : لَا غِنَى كَالْعَقْلِ وَ لَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ وَ لَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لَا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ .
- وَ قَالَ ( عليه السلام ) : الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَ لَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ .
- وَ قَالَ ( عليه السلام ) : قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ وَ صِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ وَ شَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ وَ عِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ .
- وَ قَالَ ( عليه السلام ) : لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ وَ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لَا كَرَمَ كَالتَّقْوَى وَ لَا قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ وَ لَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لَا قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ وَ لَا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَ لَا رِبْحَ كَالثَّوَابِ وَ لَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ وَ لَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ وَ لَا عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ وَ لَا عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَ لَا إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَ الصَّبْرِ وَ لَا حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ وَ لَا شَرَفَ كَالْعِلْمِ وَ لَا عِزَّ كَالْحِلْمِ وَ لَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ .
- الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ وَ الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَ الْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ وَ صَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَ جَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَ الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ الْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يَا كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ وَ الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ
- – وَ قَالَ ( عليه السلام ) : الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ وَ الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَ إِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ .
- أغلب هذه الاقتباسات جاءت ضمن الوثيقة الدستورية الأخلاقية المسماة عهد الأشتر وهي كنز من الكنوز التي تركها الإمام علي للأمة الإسلامية بل وللبشرية بأسرها.
- لاتستغني أمتنا كما الأمم الحية عن هذه القواعد الأخلاقية الاجتماعية التي أكد عليها إمامنا علي بن أبي طالب عليه السلام.
- العدالة لا تتحقق إلا عبر القضاء العادل والنزيه والنزاهة ملكة أخلاقية تمنع القاضي من اتباع الهوى واللهاث وراء الرشى أو الطمع في أكل أموال الناس بالباطل.
- أما وصية الإمام لعامله على مصر بالاهتمام بالعمران لا بالجباية فهي عمود البناء الاقتصادي والحرص على سلامة الدولة والناس.
- كلنا بشر
- قبل أن نسعى للتنمية البشرية علينا أن نرسخ حقيقة أننا كلنا بشر وأن الحاكم أو الوالي أو الرئيس هو بشر كبقية البشر أعطاه الله السلطة والقدرة بصورة مؤقتة ولمدة محددة مهما طلب البقاء والخلود كما هو حال أغلب الملوك والسلاطين لكن من المحتم أن يبقى ضمن دائرة البشرية وأهم خصائصها الرحمة وألا يتعاطى معهم تعاطي السبع مع فريسته خاصة إن كان هذا دون مبرر أو مسوغ.
- يمتلك النظام الحاكم صلاحيات واسعة تمكنه من رصد وتتبع السكنات والهمسات والأفعال وتصيد الأخطاء والهفوات وإنزال العقوبات بعد إيجاد المبررات ومن ثم فالوصية العلوية الإلهية هي التعاطي معهم بمنطق الرحمةوالعفو لا بمنطق الانتقام (فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِ الحاكم ي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ).
- وإذا كان الحاكم يملك صلاحية المراقبة والتسلط فهو يملك في المقابل يملك القدرة على التنسيق بين أبناء المجتمع وحثهم على التعاون فيما بينهم بدلا من التحريش بينهم والتنكيل بهم ونصب المصائد للإيقاع بهم والتشفي بمن يكرههم.
- ولو تأملنا في واقع المجتمعات التي تحكم بالقسوة والغلظة والقوة الباطشة لأدركنا حجم الخسارة المادية والبشرية التي تعاني منها هذه المجتمعات البائسة.
- ينسى المتجبرون أنهم يحتاجون لمثل ما تحتاج إليه رعيتهم من عفو وتجاوز يوم العرض يوم ينصب الميزان فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
- الحكم بالرحمة وليس عبر بث الرعب والخوف!!.
- لا يعني هذا التخلي عن ردع المفسدين والمجرمين وتركهم في غيهم يعمهون، لكنه يعني توظيف القدرة والسطوة لمن لا تجدي معه الرحمة ولا شك أن العقوبة تكون على قدر الجرم المرتكب وليس حسب مقدار الغضب الذي قد يعتري السلطان.
- المنهج الإسلامي الأخلاقي هو استخدام العقاب لمن يستحق العقاب وليس الانتقام والتشفي كما يفعل الحكام المتكبرون.
- وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ ولَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً وَلَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ.
- إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ.
- التكامل الطبقي بدلا من الصراع الطبقي
- يقول الإمام علي بن أبي طالب في عهد الأشتر
- )وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاس وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً(.
- يقول سبحانه وتعالى
- (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) الزخرف32.
- يتفاوت البشر في حظوظهم من الدنيا لكن الزعم بوجود خطوط ثابتى للتقسيم الطبقي يحمل قدرا لا يستهان به من الشطط كما أن الزعم بأن البرجوازية تمثل طبقة ثابتة وكأنها امتلكت الموارد والثروات بصورة أبدية هو قول مناف للحقيقة.
- البرجوازية امتلكت الموارد إما بصورة شرعية نتيجة ما بذلته من جهد أو استحوذت عليها نظرا لقربها من السلطة المتغلبة الناهبة وهذا هو الغالب الأعم في تاريخنا المسمى بالإسلامي.
- يقول المقريزي في خططه ج1 ص 138
واعلم أنه لم يكن في الدولة الفاطمية بديار مصر ولا فيما مضى قبلها من دول مصر لعساكر البلاد إقطاعات بمعنى ما عليه الحال اليوم في أجناد الدولة التركية وإنما كانت البلاد تضمن بقبالات معروفة لمن شاء من الأمراء والأجناد والوجوه وأهل النواحي من العرب والقبط وغيرهم لا يعرف هذه الأبذة التي يقال لها اليوم الفلاحة ويسمى المزارع المقيم بالبلد فلاحا قرارا فيصير عبدا قنا لمن أقطع تلك الناحية إلا أنه لا يرجو قط أن يباع ولا أن يعتق بل هو قن ما بقي ومن ولد له كذلك بل كان من اختار زراعة يقبلها كما تقدم وحمل ما عليه لبيت المال فإذا صار مال الخراج بالديوان أنفق في طوائف العسكر من الخزائن وكان مع ذلك إذا انحط النيل عن الأراضي وتعلقت نواحي مصر بأصناف الزراعات ندب من الحضرة من فيه نباهة وخرج معه عدول يوثق بهم وكانت لهم معرفة بعلم الخراج وكثيرا ما كان هذا الكاتب من النصارى الأقباط ويخرج إلى كل ناحية من ذكرنا فيحررون مساحة ما شمله الري من الأراضي مما لعله بار أو شرق ويكتب بذلك مكلفات واضحة بالفدن والقطائع على جميع الأصناف المزروعة ويحضر إلى دواوين الباب فإذا مضى من السنة القبطية أربعة اشهر ندب من الأجناد من عرف بالحماسة وقوة البطش وعين معه من الكتاب العدول من قد اشتهر بالأمانة وكاتب من نصارى القبط غير من خرج عند المساحة وساروا إلى كل ناحية كذلك فاستخرج مباشروا كل بلد ثلث ما وجب من مال الخراج على ما شهدت به المكلفات فإذا أحضر هذا الثلث صرف في واجبات العسكر وهكذا العمل في استخراج كل قسط طول الزمان من كل سنة وكانت تبقى في جهات الضمان والمتقبلين جملة بواق وكانت بلاد مصر تقبل إذ ذاك بعين وغلة وأصناف.
الغريب أن الانقلاب العسكري الذي حكم مصر بعد انقلابه عام 1952 انتابته أوائل الستينات لوثة أسماها التحول الاشتراكي وقضت بمصادرة الأملاك الزراعية عبر قانون تحديد الملكية كما استحوذ على المؤسسات الصناعية والتجارية بنفس الذريعة.
أما الملكيات الزراعية فيمكننا أن نفهم سببها أما مصادرة المصانع والورش التي أسسها وسهر على تنميتها أناس لم يسرقوا ولم ينهبوا فهذا هو العجب العجاب كما أنه يدخل قطعا ضمن النهي والتحذير (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ).
الافتراس والالتهام ليس قاصرا على الافتراس الجسدي عبر القتل أو الزح في السجون بل يشمل مصادرة الممتلكات وموارد الرزق ثم الزعم بأن هذه الافعال تهدف إلى التوزيع العادل للثروات مثلما زعم الإشتراكيون المزيفون!!.
عبد الناصر وأكل أموال الناس بالباطل
في حوار أجرته صحيفة المصري اليوم ونشر بتاريخ 24-7-2009 تحدث حسن عباس زكي الوزير المصري السابق في حكومة جمال عبد الناصر عن قرارات التأميم التي أصدرها الزعيم عام 1961.
■ أعلنت أن قرارات التأميم لم تكن فكرتك وقت أن كنت وزيراً للاقتصاد، ولكنك أجبرت على تنفيذها…فى اعتقادك كيف يُتخذ القرار فى بلادنا؟
– لا أحب الخوض فى هذا الحديث ولا فى كيفية صنع القرار فى مصر، ولكن المؤكد أننى لم أكن صاحب تلك القرارات كما لم أكن مقتنعاً بها، كيف نسلب ملكية الأشخاص لمشروعاتهم الخاصة ثم نحولها لملكية عامة تدار من خلال أهل الثقة لا الخبرة؟! تلك كانت الأزمة.
■ إذن كيف جاءت فكرة تلك القرارات؟ ولماذا لم تقدم استقالتك ما دمت غير مقتنع بها؟
– فى بداية عهد الرئيس عبدالناصر أبدت الولايات المتحدة رغبتها فى التقرب من مصر وإقامة علاقات طيبة معها. وعرضت تمويل بناء السد العالى ومنح مصر ما تحتاج من السلاح، كانوا يظنون أنهم بذلك يستقطبون الرئيس عبد الناصر، ولكنه كان حراً ذا طبيعة تأبى التبعية للغير، ولذا لم تستمر العلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة التى سرعان ما أعلنت تراجعها عن تمويل السد العالى وتزويد مصر بالسلاح.
هنا برزت فكرة تأميم القناة فى العام 1956، لنفاجأ بعد أيام من قرار التأميم بتجميد أموال مصر فى بنوك فرنسا وإنجلترا ثم من بعدهما أمريكا، لنواجه موقفا شديد التأزم كدنا نستدين فيه، وكان من اللازم اتخاذ عدد من الإجراءات لمواجهة الأزمة من بينها وقف الاستيراد بالعملة الصعبة واستبدال الجنيه المصرى بها، والاعتماد على المساعدة السوفيتية لنا فى تمويل السد وشراء ما نحتاجه من سلاح.
ثم توالت المفاجآت من قبل إسرائيل التى هاجمت الكونتيلا، ثم جاء بيان فرنسا وإنجلترا تطلبان من مصر سحب قواتها لتتمكنا من احتلال قناة السويس، ثم كان العدوان الثلاثى، وما تلاه من أحداث. كل هذا دمر اقتصادنا وأثر علينا رغم أننى قدت فريق المفاوضات للإفراج عن أرصدتنا فى الخارج لأنه ليس من حق تلك الدول التحفظ على مال دولة قررت أن تكون لها السيادة على أراضيها.
■ كيف جاءت قرارات التأميم إذن؟
– فى صيف 1961 استدعانى الرئيس جمال عبد الناصر لاستراحته فى المعمورة، ذهبت له فحدثنى عما نعانيه من نقص فى السيولة وتأثير ذلك على البدء فى بناء السد العالى، ورغبته فى معاقبة الأجانب فى مصر جزاءً لهم على ما فعلته بنا دولهم، واقترح أن نضع يدنا على ما يمتلكه الأجانب فى مصر، وقال لى إنه يفكر فى التأميم، وقتها كانت الوحدة مع سوريا لا تزال قائمة فحذرته من أن يفهم قراره بشكل خاطئ من قبل السوريين، فاقترحت عليه سن قانون للضريبة المتصاعدة، على سبيل المثال من يمتلك مليون جنيه يدفع ضريبة 60% ومن يمتلك 2 مليون يدفع ضريبة 70% وهكذا، فأعرب عن موافقته وطلب منى وضع تصور كامل للموضوع وأن أمنحه ذلك التصور فى العاشرة من صباح اليوم التالى، سهرت طول الليل أكتب الفكرة وطريقة تنفيذها وفى الصباح ذهبت له فى الموعد فلم أجده وعلمت أنه فى فيللا المشير عبد الحكيم عامر، فعرفت أنه غير رأيه.
ذهبت إليه هناك وكان معهما عزيز صدقى، وبمجرد دخولى فوجئت بالمشير يقول لىي “إيه اللى أنت عاوز تعمله ده؟” فقلت له إننى سهرت للانتهاء من القانون الذى طلبه منى الرئيس عبد الناصر، وانتهيت من تفاصيله. فقال لى إنس ما كتبته لقد سهرنا وفكرنا ولم يعجبنا ما اقترحته، واستقررنا على التأميم الشامل للمصريين والأجانب! فنظرت للرئيس مندهشاً ويبدو أنه قرأ على وجهى عدم الاقتناع بالفكرة، فقال لى: «معلهش يا حسن بس لعلمك انت اللى حتنفذ القرار».
فهمت من الحديث أنه يمنعنى حتى من تقديم استقالتى لو فكرت فيها. نعم لم أكن مقتنعا بالقرار ولكن نفذته ووقعت الكثير من التجاوزات عبر تطبيقه، على سبيل المثال كان يأتينى رجال بسطاء يمتلكون ورشة صغيرة أو مصنعا لتعبئة الزجاجات، ويتعامل معهم الموظفون على أنهم من أصحاب الملايين. وعرفت أن وزير التجارة قام بحصر الملاك عبر دفتر دليل التليفونات، ومن دون تمييز بين وضعهم وما يمتلكونه، فحادثت الرئيس وشرحت له الموقف، فقال لى أنه يقبل بحذف اسم أى مواطن أعتقد أنه لا يناسبه تطبيق تلك القرارات عليه.
وبعد كل هذه السنوات وعلى الرغم من أن التأميم وفر للدولة أموالاً طائلة، فإننى أعتقد أن اقتراح الضريبة كان سيكون أفضل لأنها كانت ستحافظ على أصول رأس المال، وإدارته عن طريق أهل الخبرة لا أهل الثقة. وما كانت شركات عملاقة فى تاريخ الاقتصاد المصرى قد خسرت مكانتها وإنتاجها كما حدث، وما كنا احتجنا لبيعها مرة أخرى فيما عرف بالخصخصة التى خسرنا فيها الكثير، فكما جاءت قرارات التأميم بلا تحضير للنتائج، جاءت الخصخصة بلا حساب للقيمة بشكل صحيح[2].
كانت هذه هي شهادة وزير الاقتصاد المصري السابق حسن عباس زكي الذي أوكلت إليه مهمة تنفيذ قرارات مصادرة أموال الناس ظلما رغم عدم قناعته وقد امتد عمره وتجاوز التسعين عاما ليشهد بأم عينيه النتائج الكارثية لهذه القرارات العشوائية التي استندت إلى دليل الهاتف.
- هذه الوصايا التي لم يشر إليها تقرير التنمية البشرية الذي تحدثنا عنه إلا أن الجهد والجرأة التي اتسم به عمل هذه المجموعة من الباحثين المصريين يستحق الثناء والتقدير كونهم ذلك لفت انتباه الكثيرين لحكم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام باب حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن نعتقد أن نهج البلاغة هو أحد كنوز الحكمة والمعرفة التي بقيت لنا رغم ما تعرض له هذا الكنز من حجب وتعتيم.
- يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج:
- قال إبراهيم بن سعد الثقفى : فحدثني عبد الله بن محمد بن عثمان عن على بن محمد بن أبى سيف ، عن أصحابه ، أن عليا لما كتب إلى محمد بن أبى بكر هذا الكتاب ، كان ينظر فيه ويتأدب بأدبه، فلما ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله، أخذ كتبه أجمع، فبعث بها إلى معاوية، فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجب منه، فقال الوليد بن عقبة، وهو عند معاوية، وقد رأى إعجابه به: مر بهذه الاحاديث أن تحرق، فقال معاوية، مه، لا رأى لك ! فقال الوليد : أفمن الرأى أن يعلم الناس أن أحاديث أبى تراب عندك تتعلم منها ! قال معاوية: ويحك! أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا! والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله! فقال : لولا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لاخذنا عنه . ثم سكت هنيهة، ثم نظر إلى جلسائه فقال: إنا لا نقول: إن هذه من كتب على بن أبى طالب عليه السلام ، ولكن نقول : هذه من كتب أبى بكر الصديق، كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها ، ونأخذ منها . قال: فلم تزل تلك الكتب في خزائن بنى محمد فنحن ننظر فيها ونأخذ منها. قال: فلم تزل تلك الكتب في خزائن بنى أمية حتى ولى عمر بن عبد العزيز، فهو الذى أظهر أنها من أحاديث على بن أبى طالب عليه السلام.
- وإذا كان الطاغية المجرم ابن آكلة الأكباد عرف قدر حكمة الإمام علي عليه السلام وكان يستفيد منها فنحن الآن في عصر يمنع فيه نهج البلاغة من التداول، وأذكر أننا في مراحل التعليم الأولى كنا ندرس بعض هذه الكنوز ثم تلاشى هذا كما هو الحال الآن.
- يلاحظ أيضا أن الوهابيين البرابرة يشنون حملة طعن وتشكيك في الكتاب ويزعمون أنه موضوع وأن الخطب والحكم الواردة فيه باطلة والغاية من وراء ذلك حجب حكمة الإمام علي ومنع الناس من الاستفادة منها.
- مقتبس السياسة وسياج الرئاسة
- هو كتاب للشيخ الإمام محمد عبده الذي ذاع صيته وبزغ نجمه نهاية القرن التاسع عشر قبيل وفاته بداية القرن العشرين يشرح فيه عهد الأشتر حيث يقول:
- لما كانت وظيفتي الاشتغال بالكتابة في مكتبة الجامع الأزهر الشريف من شأنها الاطلاع على معظم ما في هذه المكتبة من الأسرار الجليلة وأتصفح كثيرا من كتبها المفيدة فبينما أنا أطالع في كتاب منها إذ أعثرني حسن حظي على عهد جليل لفارس حلبة البيان أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى الأشتر النخعي لما ولاه على مصر حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر ورأيت أنه قد جمع أمهات السياسة وأصول الإدارة في قواعد حوت من فصاحة الكلم وبلاغة الكلام وحسن الأسلوب ما لا يمكن لعاجز مثلي أن يصفه فدهشت جدا لما لم أجد لهذا الكتاب تداولا على ألسن المتكلمين بالعربية خصوصا المنشغلين بتعلمها من طلبة الأزهر والمدارس مع أنه كان من الواجب أن مثل هذا الكتاب يحفظ في الصدور لا في السطور وفكرت في سبب ذلك فرجحت أنه يرجع إلى أمرين أولهما ندرة وجود الكتاب المشتمل على هذا العهد وعدم تيسر الحصول عليه لكثير من الطلاب وثانيهما ما اعتدناه من التكاسل عن مطالعة الكتب إن كانت كبيرة الحجم فأخذت على نفسي أن أزيل هذين المانعين وذلك بطبع هذا العهد مستقلا عن الكتاب ليكون في زهادة ثمنه وصغر حجمه ما يحدو بمرتادي البلاغة والساعين وراء تحصيل ملكة الإنشاء إلى الحصول عليه ومطالعته المرة تلو المرة بل حفظه كما اني اخذت على نفسي أيضا أن أنشر تباعا ما أقف عليه من أمثال هذا الكتاب النفيس علني بذلك أؤدي ما يجب علي من الخدمة للغتي و وأمتي وديني والله المستعان وهو حسبي وبه ثقتي.
- رحم الله الشيخ الإمام محمد عبده الذي لم يكتف بشرح عهد الأشتر بل قام أيضا بشرح كتاب نهج البلاغة شرحا مختصرا لا زال هو الأكثر تداولا حتى الآن.
- أما السبب الحقيقي لحجب كلام وحكمة الإمام علي بن أبي طالب ع فهو نفسه الذي دعا هؤلاء لحجبه عن إمامة المسلمين والزعم بأن الأول والثاني والثالث هم أفضل من الإمام علي عليه السلام وأهدى منه سبيلا.
- الوفاء بالعهود والمواثيق
- يقول الإمام في وصيته
وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالاْمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةًدُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عز وجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ وَلاَ تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لاَ يجترئ عَلَى اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُبَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماًيَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ فَلاَ إِدْغَالَوَلاَ مُدَالَسَةَ، وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ، وَلاَ تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ الْعِلَلُ وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ القَوْل بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ لاَ تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ.
الوفاء بالعهود والمواثيق
إن هذا الكلام الذي ذكره الإمام وسجله في وصية مكتوبة لعامله على مصر مالك الأشتر يجعل من العقود والمواثيق المعقودة بين البشر كل البشر مسلمين كانوا أو غير مسلمين عهدا مع الله عز وجل، وهو عين ما قاله الله سبحانه في محكم كتابه (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الفتح آية 10.
ويقول سبحانه في سورة البقرة (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة 177.
ينبه الإمام علي إلى الأهمية الكونية التي يحظى بها حفظ العهود والتزام القوانين والمواثيق التي ألزم بها المسلمون أنفسهم (فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عز وجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ، وَلاَ تَخْتِلَنَّعَدُوَّكَ).
الوفاء بالعهود فريضة كونية عالمية ينبغي أن يكون المسلمون هو السابقون إليها من بين الأمم -وقد لزم المشركون ذلك فيما بينهم- فأين نحن الآن من هذا الخلق بعد الجرائم التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية وقد تفاخر هؤلاء الغوغاء بما ارتكبوه متجاهلين الآثار الخطيرة التي أفضى إليها هذا الغدر الذي جعل العالم كله في ريب من التزام المسلمين بعهودهم ومواثيقهم (وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماًيَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ) وقد استفادوا من ذلك الأمن الذي أفاضه الله تبارك وتعالى بين العباد برحمته وجعل منه حريما يسكنون إلى منعته و يستفيضون إلى جواره بعدما ضيق الظلم والطغيان الداخلي عليهم سبل الأمن والأمان وألجأهم للفرار خارج العالم الإسلامي بحثا عن الأمان ثم قاموا هم بتضييق ما تبقى لهم من رحمة وحرمة كانت لهم ولغيرهم من خلال تصرفاتهم الخرقاء المنافية للعقل ولكتاب الله ووصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
نظرة عامة للعلاقة بين الإسلام و العهود والمواثيق:
يفرد العلامة الطباطبائي أحد الفقهاء والفلاسفة الكبار المنتمين لمدرسة الإمام علي بن أبي طالب في (تفسير الميزان) فصلا عن (معنى العهد وأقسامه وأحكامه) ننقل منه بعض الأجزاء لأهميتها، حيث يقول “الإنسان شديد الاهتمام بعقد العقود وتمثيل العهود وما يرتبط بها من اليمين والبيعة ونحو ذلك والعامل الأول في ذلك أن الإنسان لا هم له إلا التحفظ على حياته والوصول إلى مزاياها والتمتع بالسعادة التي تستعقبها لو جرت على حقيقة مجراها والإنسان القاطن في أرض أو الساكن في دار لا يتم له سكناه إلا مع أمنه من ممانعة الناس و مزاحمتهم له في سكناه و التصرف فيه بما يصلح له لذلك.
هذا هو الذي هدى الإنسان إلى اعتبار العقد وإبرام العهد فهو يأخذ ما يريده من العمل ويربطه بما يعينه عليه من عمل غيره ويعقدهما بمثل عقد الحبال الذي يفيد اتصال بعض أجزائها ببعض وعدم تخلف بعضها عن بعض ومثله العهد الذي يعهده إليه غيره أن يساعده في ما يريده من الأمر أو أن لا يمانعه في ذلك.
والعهود والمواثيق كما تمسها حياة الإنسان الذي هو فرد من المجتمع تمسها حياة المجتمع فليس المجتَمع إلا المجتمِع من أفراد الإنسان فالمجتمع إنسان كبير له من مقاصد الحياة ما للإنسان الصغير والمجتمع في حاجة إلى الأمن والسلام من قبل أجزائه لئلا يتلاشى ويتفرق وإلى الأمن والسلام من قبل رقبائه من سائر المجتمعات.
وعلى هذا جرى دين المجتمعات الإنسانية على ما بأيدينا من تاريخ الأمم فلم يزل ولا زال المجتمع من المجتمعات الإنسانية في حاجة إلى أن يعاهد غيره في بعض شؤون حياته السياسية و الاقتصادية فلا يصفو الجو للإقدام على شيء من مقاصد الحياة أو التقدم في شيء من مآربها إلا بالأمن و السلام.
و الإسلام بما أنه مهتم بإصلاح حياة الناس العامة كاهتمامه بإصلاح حياة الفرد الخاصة قنن كليات ما يرجع إلي شئون الحياة الاجتماعية كالجهاد والدفاع و مقاتلة أهل البغي والنكث والصلح والسلم والعهود والمواثيق وغير ذلك وقد اعتبر الإسلام العهد اعتبارا تاما وأحكمه إحكاما واعتبر نقضه من طرف أهله من أكبر الإثم إلا أن ينفضه المعاهد الآخر فيقابل بالمثل فإن الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود والمواثيق وذم نقضها ذما بالغا في آيات كثيرة جدا (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة 1 وقال (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) الرعد 25. وقال (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) الإسراء 34.
ولم يبح نقض العهود والمواثيق إلا فيما يبيحه حق العدل وهو أن ينقض المعاهد المقابل نقضا بالبغي والعتو أو لا يؤمن نقضه لسقوطه عن درجة الاعتبار وهذا مما لا اعتراض فيه لمعترض ولا لوم للائم قال تعالى (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، الأنفال 58.
فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة ولم يرض بالنقض من غير إبلاغهم به أو اغتيالهم وهم غافلون فكان أن قال (فانبذ إليهم على سواء) فأوجب أن يخبروهم بالنقض المتقابل احترازا من رذيلة الخيانة.
وأما النقض الابتدائي من غير نقض من العدو المعاهد فلا مجوز له في هذا الدين الحنيف أصلا وإن كان الوفاء مما يفوت على المسلمين بعض منافعهم ويجلب إليهم بعض الضرر وهم على قدرة من حفظ منافعهم بالبأس والقوة أو أمكنهم الاعتذار ببعض ما تصور لهم الحجة ظاهرا وتصرف عنهم اللوم فإن مدار الأمر على الحق والحق لا يستعقب شرا و لا ضرا” تفسير الميزان ج9 ص 192-195.
هذه المعاني الموجبة للالتزام بالعهود والعقود التي أبرمها المسلمون مستقاة من كلمات الإمام علي في وصيته لمالك الأشتر مؤكدا على أن من قام بنقض العهود مستحق للعقاب الدنيوي والأخروي مقابل ارتكابه جريمة الغدر التي هي من أخس وأسوأ الأعمال التي لا يليق بأي مسلم ارتكابها، معطيا الأولوية الأخلاقية للوفاء بالعهد وتنفيذ الالتزام: (وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ لاَ تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ).
النهي عن الغدر و العدوان
يقول الإمام عليه السلام (إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أوْقَى مِنْهُوَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَان اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ! قَاتَلَهُمُ اللهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ). خطبة 41 نهج البلاغة
ويقول أيضا (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ولكن لكل غادر فجرة ولكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما أُستغفل بالمكيدة ولا أُستغمز بالشديدة). شرح النهج ج2 ص 572.
(بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَاد)ِ.
- الظلم مؤذن بالخراب
- وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ تَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.
- لا يحتاج هذا الكلام إلى شرح لكننا نذكره على سبيل التذكير الذي ينفع المؤمنين وغير المؤمنين.
- المؤمنون يتذكرون وينزعون عن أخطائهم إن وجدت ولا يتمادون فيها أما غير المؤمنين فالغاية هي إقامة الحجة عليهم.
- الشفافية
- وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ ِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وَإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ.
- من حق الناس أن تعرف ما يجري لها وعليها وكيف يدير النظام أمور الدولة وكيف يتصرف في أموالها ومواردها بدلا من أن تصلهم الأخبار عبر وسائل الإعلام المعادية ولذلك السبب ابتكرت الدول أجهزة الرقابة المتنوعة ومنحتها سلطة الكشف عن أي فساد محتمل، كما أن الحاكم عليه أن يقوم بهذا الدور شخصيا حفاظا على الثقة المتبادلة بينه وبين الناس.
- دكتور أحمد راسم النفيس
- المنصورة مصر
- 03/04/2025


